الإثنين, 16 تموز 2018
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
ليلى والقرد 10-11-12
سعد هادي
ليلى والقرد 10-11-12
سعد هادي

(10)

كانت رسالتي الأولى إلى موسى مقتضبة لم تزد على بضعة جمل :

استقررت منذ يومين في فندق الريف وهو فندق صغير ورخيص ، ميلود ذهب إلى مراكش ، لا ادري متى سيعور ولعله لن يعود،سأكتب لك غدا رسالة أخرى فيها تفاصيل عن وصولنا إلى الرباط،تحياتي لك وإلى عائلتك الكريمة.

ولكني لم اكتب له رسالة ثانية لا في الغد ولا في أي يوم آخر ، كنت أريد أن يكون على علم بعنواني فقط .
بعد يومين وفي حدود العاشرة صباحا وبعد ليلة حزينة نمت فيها نوما متقطعا وعندما كنت في الممر المؤدي إلى الخارج مدّ عزيز كاتب الفندق رأسه من شباك غرفة الإدارة وقال :
- يا سيدي ، لديك رسالة مهمة وصلت هذا الصباح .
ولوح بمظروف سميك باتجاهي،أخذت المظروف الذي يحمل اسم موسى وعنوانه في طنجة ووضعته بآلية في جيب سترتي ، لم يكن عزيز يتوقع أن يكون رد فعلي باردا إلى هذا الحد ، رن جرس التلفون في الغرفة فذهب باتجاهه وصرخ حين رآني ابتعد :
- يا سيدي،ارجو إن تجد في الرسالة ما يسرك .
ثم واصل حديثه في التلفون .
بعد دقائق في مقهى الشمس القريبة من الفندق أخرجت الرسالة وقرأتها ، كانت تتألف من خمس صفحات من القطع الكبير وصف لي موسى فيها كل الأحداث التي مررنا بها منذ وصولنا إلى طنجة وحتى مفارقتي له ، كأنه اقتطع تلك الصفحات من دفتر يوميات ولم تحمل الرسالة كما توقعت لوما ولا تقريعا ، كانت مكتوبة بحيادية وبذكر للوقائع فقط أما لماذا أرسلها موسى هكذا فلا اعرف وهذا هو المقطع الأخير من الصفحة الخامسة منها وقد كتب بحبر اخضر :
19/6 الساعة 12,5 ظهرا
اقترح ميلود بعد عثوره على السيارة أن نذهب في نزهة ، قلت موجها الكلام له لأول مرة :
لا بأس أن نذهب إلى ملتقى البحرين وكنت اقصد البقعة التي يلتقي فيها البحر الأبيض بالمحيط الأطلسي .
أومأ برأسه موافقا وصعدنا في السيارة ، كان اللصوص قد انتزعوا كل ما هو مفيد فيها ، أغطية المقاعد والمصابيح والأزرار والعدادات ومقابض الأبواب وأشياء أخرى .
كان ميلود يبدو ضجرا و بعد مسافة قصيرة تنهد قائلا :
لنؤجل النزهة إلى وقت آخر ، هناك خلل في السيارة ، إنها بطيئة و بالكاد تسير .
هذا ما فهمته من جمله المتقطعة التي كان يحدث بها نفسه قبل أن يوقف السيارة وينزل منها ليرفع غطاء المحرك ويدلق وعاء كبيرا من الماء فوقه. في طريق العودة كنا صامتين وانشغلت أنا بمراقبة البيوت والعمارات التي تذهب إلى الخلف سريعا .
19/6 الساعة 20،1
جلسنا في مطعم صغير و تناولنا سمكا وباذنجانا وحساءً لذيذا في صحون فخارية .
19/6 الساعة 5،2
كنت متعبا وأردت الذهاب إلى الفندق ، قال ميلود:ولماذا الفندق ، إذا كنت تريد الاستقرار في طنجة فلدي مكان رخيص يناسبك اكثر من الفندق ، غرفة مفروشة في منزل امرأة اعرفها منذ سنوات واعتقد انك سترتاح معها كثيرا وبلا تفكير قلت:موافق،هل نستطيع الذهاب الآن لرؤية الغرفة ؟
19/6 الساعة الثالثة
كان المنزل قريبا ، يقع على الشارع الرئيسي الذي كنا فيه وهو مؤلف من ثلاث شقق يؤدي إليها سلم ذي درجات متآكلة، الشقة الأولى مغلقة وهي تخص ابنة صاحبة المنزل لاله عائشة التي هاجرت مع زوجها منذ سنتين إلى فرنسا وتركت ابنتها الوحيدة ليلى مع جدتها أما الشقة التي تعلوها فتسكنها لاله عائشة مع حفيدتها وخادمة سمراء اسمها فريدة تتحمل كل أعباء المنزل وثمة شقة ثالثة في الطابق الأعلى ضيقة ، تتألف من غرفة واحدة وحمام صغير وفسحة لا تزيد على مترين مربعين توجد فيها أدوات مطبخ وثلاجة صغيرة كان يفترض أن اسكنها،أخذتني فريدة إليها وقد أعجبتني هي أولا ثم أعجبتني الشقة ولم أناقش لاله عائشة كثيرا في المبلغ الذي طلبته كإيجار شهري يدفع مقدما.حدثتني فريدة ونحن نهبط السلم بإيجاز عن الرجل الذي كان يسكن الشقة قبلي وهو سويسري شبه مجنون يرتدي ملابس مثل ملابس النساء ويضع على رأسه قبعة غريبة ويقضي نهاره في الميناء ساعيا وراء العتالين والباعة المتجولين .
19/6 الساعة السادسة
لا ادري ماذا اكتب أيضا ، أريد أن أقول كل شيء مرة واحدة،اعذرني لأني كتبت لك عن أشياء تعرفها والآن وداعا.

ولم تكن الرسائل الأخرى التي وصلتني من موسى خلال الأيام التالية تختلف عن رسالته تلك إلا بإيجازها وكانت توحي وهي موضوعة أمامي بأغلفتها السميكة أن موسى يعاني من حالة هوس بالكتابة جعلته يسود كل هذه الصفحات دون أن يدري ماذا يكتب ولماذا.كما إنها جعلتني استنتج انه واقع في غرام فريدة وإنها تجسد صورة الأنثى التي ظل يبحث عنها منذ سنين.لقد وصف لي في الرسالة الثانية لقاءه الحميم الأول معها :
أغلقت باب الغرفة وجاءت وجلست على السرير، أشعرتني بأنني كنت ضائعا قبل أن أراها وراودتني رغبة مجنونة في لمسها،وضعت رأسي على صدرها المترفع وبقيت هكذا ، بدأت تمسد شعري وتهدهدني مثل طفل، لم اكن بحاجة إلى عشيقة ولم اكن أريد لمسة عطف مدفوعة الأجر ولا حنانا اموميا، بل خيل إلي خلال تلك اللحظات وأنا مهجور مثل خرقة بين نهدين بسعة الأرض إنني وجدت ضالتي بعد بحث طويل ، كان شذى جسدها غريبا،أراهن انه ليس من مادة أرضية.
وكانت الرسالة الثالثة تتحدث عن فريدة أيضا أما الرابعة فتهبط سطورها إلى الطابق الثاني لتصف آلام لاله عائشة وحزنها وشكواها التي لا تنقطع من الروماتيزم ومن غياب ابنتها وتصف أيضا في مقطعها الأخير كيف تبتكر الجنية الصغيرة ليلى عذابات جديدة لجدتها عندما تختفي عن نظرها فجأة وتمكث دون حراك وسط كومة ملابس أو خلف ستارة أو تحت مقعد ثم تظهر بطريقة مرعبة . وألمحت الرسائل الأخرى إلى مشروع غامض يفكر به موسى يستند إلى ما سطره في دفتره واصفا إياه بأنه اعظم اختراع في العالم وانه سيقلب موازين العلم والتاريخ ومآل الوجود الإنساني .
أما الرسالة التي وصلتني صباح هذا اليوم وظل عزيز يتظاهر بالبحث عنها في أدراج منضدته وبين صفحات سجلاته منتظرا أن انفحه درهما فقد طويتها كالعادة ووضعتها في جيب سترتي مؤجلا قراءتها إلى وقت آخر .
بعد لحظات من جلوسي في مقهى الشمس وقبل أن يأتيني النادل بما طلبت وقبل أن اركز انتباهي في ما حولي امتلكني الحضور البهي لفاطمة بن عمار .
ترى هل بإمكاني أن اصف جمالها ؟ فأتحدث مثلا عن عينيها السوداوين الكبيرتين المقتطعتين من ليل عميق بلا بداية ولا نهاية أو أتحدث عن بشرتها الشهية أو عن انفها الدقيق الشبيه بقطعة نقية من البلور أو شفتيها المترعتين بسائل قرمزي يجمع اللذة والبراءة والقسوة والحزن ورغم حرصي على تأمل مفاتنها وإيجاد مرادف لغوي لكل فتنة سيظل هناك سرّ عصي اسمه فاطمة بن عمار، الملاك الأرضي بشعر احمر طويل وجناحين خفيين مكتنزين، هذا السر اكتشفته بالأمس فقط ، كنت أتسكع وحيدا في الظهيرة بلا هدف ، شربت زجاجة بيرة في مقهى الرنيسانس وأكلت لحما مشويا في مطعم صغير مزدحم في زنقة طبريا ثم مررت على الشقة التي ادعى ميلود إنها شقته والتي نمنا فيها ليلتين متتاليتين بعد وصولنا إلى الرباط ونامت معنا في أولاهما ثلاث صبايا جاء بهن ميلود من ماخور قريب ثم عدنا إليها في فجر اليوم التالي منهكين بعد جولة صاخبة بين الحانات شربنا فيها ورقصنا وأكلنا وترنحنا وقبلنا بغايا وسائحات ونساء عابرات لم اكن ادري من أين يأتي بهن الليل . أيقظني ميلود في الظهيرة واخبرني إن قريبات له من مكناس سيسكنّ الشقة مؤقتا وإن علينا تركها ثم اخذ مني بضعة دراهم وقال انه سيذهب إلى مراكش لأمر ما وودّعني وغاب .
كانت الشقة فارغة وصامتة مثلما تركناها رغم إنني طرقت الباب بقوة عدة مرات. شربت زجاجة بيرة ثانية في بار يطل على شارع محمد الخامس ثم قررت أن اذهب إلى السويقة لأتسكع قبل أن أعود إلى الفندق ولا ادري لماذا قررت ذلك ولكن ربما كانت فاطمة بن عمار تناديني من بعيد:تعال فذهبت بلا قياد إليها. كانت تقف أمام بائع للصور في بداية السويقة على بعد أمتار من مجموعة متسولين عميان يصرخون بالمارة وإلى جانبها فتاة تشبهها اكبر منها بسنة أو سنتين تجادل البائع وبينهما طفلة حائرة،التفتت بعفوية عندما مررت قربها، كان في ملامحها قليل من الضجر وقليل من الحزن ، واصلت خطواتي ولكنني أدركت في تلك اللحظة إنني رأيت الجمال كاملا أو إنني اقتربت من إدراكه في صورته الكاملة.انحنت هي على الفتاة التي تقف إلى جانبها وهمست في إذنها بشيء ما فتركت الصورة التي كانت في يدها واتجهتا إلى الممر المؤدي إلى خارج سور السويقة وتبعتهما الطفلة وهي تبكي . تظاهرت أثناء ذلك أنني انظر إلى واجهة متجر للتحف ورأيتهما وهما تختفيان،أدركتهما في بداية شارع علال بن عبد الله وبلا ارتباك قدمت نفسي فابتسمت فاطمة وقالت إنها رأتني اتبعهما كالمجنون و لم تكن تعرف ماذا ستفعل وقدمت لي الفتاة التي معها :
- أختي مليكة .
دعوتهما إلى فنجان قهوة فوافقت فاطمة على الفور وتمتمت مليكة ببضعة كلمات ثم وافقت على مضض . في مقهى اللاكوميدي سألت فاطمة عن الطفلة فقالت :
- إنها ابنة خالتي نورا ونحن هنا لمعالجتها .
- هل انتن من الرباط ؟
- من ميدلت .
وعندما رأتني في حيرة من الاسم قالت :
- إنها مدينة جبلية قرب مكناس .
- وأين تسكنّ ألان ؟
- لدى أقارب لنا في اكدال وعلينا أن لا نتأخر كثيرا .
قلت بلا تفكير :
- لا بأس لن نتأخر .
ولكننا جلسنا في المقهى لأكثر من ساعتين وحصلت بين الضحكات والتلفيقات والأكاذيب الخفية على موعد من فاطمة في الساعة الخامسة .
عدت إلى الفندق ونمت قليلا وحين استيقظت بعد ساعة رأيت آثار أقدام غريبة على الأرض تشبه أقدام حيوان كبير أو إنسان يسعى على أربع ، نظرت من النافذة فرأيت مؤخرة أسد يتجه إلى الطابق الأسفل ، كان إيقاع سيره بطيئا وحذرا كأنه يمشي على غيمة،هبط السلم ثم اختفى ولكني شبه متأكد انه كان هنا في غرفتي ثم اخترق الباب ومضى تاركا آثاره على الأرض وعلى السرير أيضا. شربت قدحا من الماء ونمت ثانية ، استيقظت فزعا في الخامسة إلا عشر دقائق ، لبست ثيابي على عجل وخرجت مهرولا ولم يكن لدي الوقت لأسأل عزيز عن أسده الخفي .
وجدت فاطمة في انتظاري ، كانت ترتدي سروالا ابيض وقميصا موردا ضيقا .
قالت لي :
- اعتقدت انك لن تأتي ، كان منظرك يوحي بأنك سكران .
لم أرد بشيء ، بقيت صامتا ، انظر في عينيها ثم سألتها :
- إلى أين نذهب ؟
- إلى المستشفى ، مليكة تنتظرنا هناك .
- لنشرب شيئا ثم نذهب .
وجلسنا تحت مظلة أمام مطعم صغير ، شربنا قدحي عصير وضحكنا طويلا لنكتة قالها النادل وقد أعادت فاطمة شرحها لأنه ألقاها بسرعة ثم ركبنا سيارة أجرة أوصلتنا إلى المستشفى، أحسست بحرارة جسد فاطمة حين جلست إلى جانبي، كان فخذها الذي التصق بي طريا ومثيرا .
لم تكن مليكة قد خرجت بعد فجلسنا على العشب في حديقة قرب المستشفى، ثرثرت فاطمة كثيرا،تحدثت عن ميدلت وعن مليكة التي لديها خطيب أزعر، تقصد أشقر وعن أبيها الذي مات قبل سنتين في حادث ثم عن أمها المسكينة التي تبحث عن زوج :
- بالمناسبة لماذا لا تتزوجها ، ربما تكون سمينة قليلا ولكنها ما تزال شابة ولديها صندوق صغير مليء بالذهب، اسمع هل اغني لك ، ماذا تحب ؟ حبك نار أم أهواك أم يا ولدي قد مات شهيدا من مات هاهاهاهاها .
واستمرت تضحك وتثرثر وتغني وكان صوتها يرتفع أحيانا ثم ينخفض ليبوح بأسرار خبأتها للحظة لقائي بها .
قلت لها :
-اصمتي قليلا .
ولكنها واصلت هذيانها ، كانت في حالة هياج وبدت كأنها مأخوذة بوجودي معها .
كان علي أن افعل شيئا ، أن أرد بإيجاز وقوة على ثرثرتها، اقتربت منها ومررت أصابعي في جحيم شعرها الذي كانت الريح تأخذه وتعيده دون أن تنال منه وتنفست عطر بكارتها وسكرت كما لم اسكر من قبل،اعتصرت شفتيها ومضغتهما بعنف وأعدتهما بعد لحظات إلى مكانهما بلا براءة ، تورد وجه فاطمة وسكتت ثم وضعت رأسها فوق كتفي وظلت كذلك لعصور طويلة .
*
لم نكن نعرف إلى أين نذهب حين خرجنا من مقهى الشمس وبعد بضعة خطوات اقترحت فاطمة أن نذهب إلى البحر ولعلها قد خططت لذلك منذ الأمس . كانت ترتدي البنطلون الأبيض نفسه وقد اتسخ قليلا وقميصا ازرق وتضع طوقا فضيا على شعرها ، أمسكت أصابعها بقوة ونحن نجتاز الشارع العريض. لم نتكلم كثيرا، كنت مرتبكا، اعتقد إن جميع الأنظار تراقبنا .
أخيرا وأمام المحيط اللامتناهي أحسست إنني افقد شيئا وإن لذتي الذكورية وغلمتي تتسربان مني وتذوبان في بدائية وسحر الوجود الأول .
تسللنا إلى الممر الحجري الذي يفصل الوداية وهي قلعة المدينة القديمة عن البحر وفي الحيز بين أول دعامتين كبيرتين تحت سور القلعة احتضنت فاطمة وقبلتها ثم كررت ذلك بين كل دعامتين تاليتين على امتداد السور حتى وصلنا إلى الطرف الأقصى للقلعة فجلسنا متعبين على مرتفع صخري يطل على مقهى صغير اسمه لاكرافيل لعله كان برج مراقبة في الماضي ، كان المحيط يمتد شاسعا ونقيا كأن امتداده بلا معنى ، قلت لفاطمة :
- لماذا لا نذهب إلى المقهى ؟
لم ترد بشيء بل نهضت وسارت أمامي وجلسنا وحيدين على مائدة قصية ، طلبت هي صحن سراطين وطلبت أنا سمكا مقليا واقترحت عليها أن تشرب زجاجة بيرة فضحكت وهمست : عيب .
طلبت زجاجتي بيرة ولكنها لم تذق قطرة واحدة بل ضحكت ثانية وقالت :
- ستسكر وسأتركك في الشارع، بالمناسبة هل ستعرف الطريق وأنت سكران؟
- لا ادري يا فاطمة ، حين أكون معك أنسى كل شيء .
كانت كلماتي تتطاير مثل الفقاعات على قدح البيرة .
بعد اكثر من ساعة تركنا المقهى ، كانت مليكة تنتظرنا قرب باب الأحد ومن هناك اخترقنا سوق السباط ودخلنا إلى زقاق ضيق وعند باب أحد البيوت توقفت مليكة وقرعت جرسا صغيرا ثم تحدثت مع امرأة عجوز وأعطتها رسالة ومبلغا من المال وقالت ونحن نعود :
- الآن فقط استرحت .
ولكننا لم نسترح منها إذ أفسدت علينا ما بقي من النهار وكانت قد فعلت الشيء نفسه بالأمس ، لم تتزحزح من مكانها في السابعة ودقيقة وكنا نتسكع قرب باب الرواح وظلت تكرر مثل ببغاء عجوز :
- ينبغي أن نعود إلى البيت ، لم يبق وقت ، ستطردنا عمتي .
أذعنت أنا وفاطمة على مضض لرغبتها ونقلنا تاكسي صغير إلى اكدال وبعد أن غابتا عن بصري في شارع فرعي ، عدت وحدي حزينا ألعن الطريق ومليكة والغربة وضياع فاطمة من بين يدي .
ثم كررت فعلتها مرة ثانية مع تغيير بسيط في التفاصيل في اليوم التالي إذ أجبرتنا على أن نشاهد فيلما هنديا في صالة تشبه اسطبلا يختنق بالعرق والغبار والدخان. جلست في البداية بيني وبين فاطمة ثم تواضعت وأجلستني بينهما ومع إنها ظلت تراقبني وتلتفت بين حين وآخر وهي تتنهد ، اختلست قبلتين سريعتين من فاطمة ومددت أصابعي إلى ذلك الشيء فوجدته رطبا وساخنا .
عندما خرجنا من الصالة رأينا مصورا متجولا ، التقط لنا صورة تذكارية تلخص ما كنا عليه في تلك اللحظات : تكشيرة وجهي التي تفصح عن الخيبة والألم وابتسامة فاطمة الغامضة التي تتأرجح بين الرفض والقبول والنظرة المطفأة في عيني مليكة التي توحي بانعزالها وغيرتها .
جلسنا في مقهى قريب وشربنا عصيرا، وقبل أن نخرج همست فاطمة في أذني:
- سنسافر هذه الليلة ، مليكة قررت ذلك .
لم اعرف بماذا أجيب، لم يكن الحزن وحده يكفي ولا كراهيتي لمليكة ولا ضجري أو يأسي من كل شيء ، سكتّ طوال الطريق أما فاطمة فكانت تمسك بيدي بقوة وتبكي .

*
استيقظت قبل منتصف الليل بدقائق وأصغيت وأنا بين النوم واليقظة إلى اثنتي عشر دقة متتالية لساعة موضوعة إما تحت السرير أو في دولاب الملابس ، كانت تدق في رأسي أولا ثم يتسرب الاهتزاز المعدني إلى جسدي كله ويعقب الاهتزاز صمت غامض يختزن رعشات صغيرة أحسها أيضا في الملاءات والستائر وثيابي المعلقة على الحائط وتذكرت إنني رأيت نفسي في الحلم أتأرجح تحت صنبور في صحراء قاحلة وأحاول أن اعتصره عسى أن تسقط منه قطرة ماء ولكن دون جدوى ، كان يتحول مرة إلى رأس وحش ومرة أخرى إلى يد بشرية متفحمة أو إلى ثدي هلامي أو إلى طائر هش يتكسر بين يدي وكان ظمأي يزداد، نهضت من السرير بصعوبة ، كنت عاريا ، أفرغت في جوفي قدحين من الماء وحاولت أن أتذكر كيف عدت إلى الفندق ، كانت الصور غائمة وبلا تسلسل واضح ، تذكرت جلوسي في البار ثم خروجي منه مع رجل عجوز ثم تظهر صورة غامضة لي وأنا أتحدث إلى فتاة سمراء في متجر كبير ويختفي كل شيء بعد ذلك ويحل ظلام دامس .
عدت إلى النوم وأيقظتني عند الفجر طرقات عنيفة على الباب ، كان عزيز يصرخ:
- آسف للإزعاج يا سيدي ، وصلتك برقية من طنجة .
مددت يدي من خلف الباب وأخذت البرقية وقلت:
- شكرا يا عزيز ، سأراك عندما انزل .
- لم اكن أريد إيقاظك ولكن الساعي قال إنها برقية مستعجلة .
قربت الورقة من النافذة وقرأت على بصيص من ضوء الفجر الكلمات الأربع التالية :
احضر حالا ، موسى اختفى
( عائشة )

وتذكرت في تلك اللحظة الرسالة التي وصلتني بالأمس ولكنني لم أتذكر بالضبط أين وضعتها .

*
حاولت أن أنام في القطار فلم استطع ، أخرجت الرسالة وقرأتها ثانية،كان موسى يتحدث فيها عن اختراع عجيب لتحويل اللغة إلى حياة والفكرة إلى جسد وتنتهي بخاطرة تتحدث عن الموت وعن كتاب سحري وليلة يغيب فيها القمر ودم بكر في قفص ذهبي ثم تنتهي الرسالة بما يلي :
انتظر و سترى الأعاجيب و لكن هل سأراك مرة أخرى ؟ لا ادري .
كان ذلك المقطع بالنسبة لي لغزا ، زادته البرقية بكلماتها الأربع غموضا ، ترى أين ذهب موسى وماذا حدث له ؟
ولكي لا تأخذني الهواجس بعيدا قررت أن اكتب رسالة قصيرة لفاطمة كما طلبت مني حين افترقنا و هذا هو نصها :
عزيزتي
آمل أن تكوني قد وصلت إلى ميدلت بخير ، اكتب لك من القطار الذاهب إلى طنجة ، وصلتني برقية من هناك عن اختفاء صديقي موسى الذي حدثتك عنه،لا ادري ماذا حل به .
فكرت بك كثيرا بعد أن افترقنا، أتذكر شعرك وهو يتوهج في شمس آخر النهار وملامحك الحزينة وأنت تمضين خلف مليكة كمن يقاد إلى الموت . ما الذي كان يمنع لولا حرصها المزعوم وغيرتها دون بقائنا ليوم أو ليومين آخرين .
لا ادري لماذا أصرت بعد خروجنا من المقهى على أن نفترق وهي تزبد وترعد وتلوي بوزها بحقد،لم آكل شيئا بعد افتراقنا بل صار زادي حبك وقوتي قبلاتك الدافئة . ولكي أنسى شيئا من ألم الفراق دخلت إلى اقرب بار وشربت وشربت حتى لم اعد أتذكر كيف عدت إلى الفندق. المهم إنني لم اصب بسوء بل ما زلت أعيش لكي أتذكرك واحلم بك وانتظر بفارغ الصبر رؤية وجهك ثانية .
أخيرا تحياتي وقبلاتي و إلى لقاء قريب .
طويت الورقة ووضعتها في الحقيبة و لم أتذكرها بعد ذلك .




(11)
لم أجد أثراً لموسى ، ذهبت إلى كل الأمكنة التي يحتمل أن يكون فيها : إلى المقاهي التي تنزوي في أزقة خلفية وإلى البارات والى الفنادق الرخيصة وإلى المستشفيات والى مراكز الشرطة وذهبت أيضا إلى البحر ومشيت على الساحل حتى تشققت قدماي وتجولت في الشوارع وسألت عنه في المتاجر والمساجد ومكاتب السفر ولكني كنت أقابل دائما بـ(لا) قاطعة وشعرت بعد يومين طويلين إنني أتخبط في دائرة مغلقة وكان ثمة سؤال يفزعني كلما طرحته على نفسي :
- لماذا اخذ موسى الطفلة معه ؟
*
جاءتني فريدة بصحن فواكه كبير وقالت :
- ماذا سنقول لامها وأبيها ؟ العجوز تقول ينبغي أن نبعث برقية نخبرهما فيها بما حدث وأنا أقول لها انتظري …. حاول إذن أن تقنعها في الصباح ، إنها مصرة على رأيها .
- سأحاول ولعلها ستصغي لي .
كانت لاله عائشة قد نامت ، قالت فريدة بالأمس إنها تنام كل يوم في الثامنة تماما حتى لو قيل لها إن القيامة ستقوم بعد خمس دقائق . كان موعد نومها مقدسا وهي تستيقظ مرة أو مرتين لتطلب قدح ماء أو تذهب للمرحاض ثم تعود للنوم.
اخترت لفريدة تفاحة ناضجة وقلت :
- كلي هذه التفاحة ، ألا تشعرين بالجوع ؟
- أكلت خبزا وجبنا في الخامسة .
- والعجوز ؟
- لم تأكل شيئا ، إنها شبه منهارة ولم أرها حزينة هكذا من قبل .
أضافت بعد قليل :
- الحزن وحده لن يأتي بليلى .
قضمت جانبا من التفاحة.
سألتها :
- لماذا لم تأكلي معي ؟
- لا رغبة لي و لكني سأزدرد التفاحة من أجلك .
وفي الدقائق التالية أكلت فريدة من اجلي عنقود عنب وحبتي تين وبرتقالة وبدأت تضحك وتثرثر عن طفولتها وزواجها الأول ومجيئها إلى طنجة ثم أرخت ساقيها على امتداد الأريكة وقالت :
- اعذرني ، أنا متعبة .
انحسر طرف ثوبها كاشفا عن فخذين مجنونين وسروال مورد ، لم تهتم لذلك كـأن حركتها كانت مرسومة .
نهضت من مكاني وقدمت لها تفاحة أخرى فلم تأخذها بل سقطت وتدحرجت على الأرض . انحنيت وقبلتها بقوة .
- كان علينا أن نتعشى بالأمس أيضا .
- انتظرت ولكنك عاملتني ببرود .
كانت تفاحة خطيئتي تذهب بعيدا وتختفي خلف إحدى الأرائك بينما كانت يدي تبحث عن تفاحة أخرى في غابة الجسد .
- لنذهب إلى الشقة العليا ، ربما تستيقظ العجوز في أية لحظة وتأخذك مني .
وظلت تضحك ونحن نصعد السلم وتتأرجح على السلم وتحرك عجيزتها كما تفعل لاله عائشة .
*
كنت وحدي فوق السرير حين استيقظت وكانت فريدة تنام على الأرض على ملاءة زرقاء ، تضع يدها تحت رأسها وتتنفس بخفوت ويتكور شعرها المجعد في جانب واحد من رأسها .
مررت يدي فوق ثدييها وقلت :
- فريدة ، هل مازلت جائعة ؟
تنهدت وانقلبت على بطنها وأطلقت الثورين البريين اللذين يجثمان فوق مؤخرتها واللذين ظلا يلتحمان وينفصلان في لحظة طويلة تزيدها الظلمة سرانية وجمالا ويرتعان مع النمور والغزلان والثعالب والذئاب والأرانب والكركدنات .
هبطت من السرير ودخلت بحذر البرية التي تحمل رائحة الخلق الأولى،سمعت أصوات الكائنات والوحوش وهي تصحو من سباتها وتتفرق مذعورة في مسالك الغابة .
كانت عقدة شعوري بالذنب قد انحلت ببطء ولم يعد موسى يراقبني من خلف النافذة أو يتلصص علي من فتحة في دولاب الملابس، ولم اعد أتوقع إنني سألتفت في لحظة ما فأجده يكشر أنيابه في وجهي ، كانت رغبتي هذه المرة حقيقية وأنا أتقلب مع فريدة على السرير وعلى الأرض مستسلما لفحيح جسدها الذي يختزن براكين صغيرة متتالية تتفجر فجأة كلما لامست جزءا منها ، كنت أتوغل بعيدا معها دون أن اصل إلى شيء.وفي غمرة ضياعي فيها انتفضت فجأة ورفعت رأسها باتجاه الحائط وزمجرت :
- المفتاح ، المفتاح ليس في مكانه .
والتبس علي الأمر إذ تصورت إنها تصف الشيء الذي يخصني بالمفتاح وانه قد ذهب عميقا في غير موضعه .
*
وجدت فريدة بقية شمعة في المطبخ،هبطنا السلم في ضوئها وأثناء هبوطنا تردد صوت يشبه النحيب ثم اختفى ، حين توقفنا أمام باب شقة الطابق السفلي تردد الصوت مرة أخرى وبدا كأنه صادر من خلف الباب .
قالت فريدة :
- إنها ليلى .
دفعت الباب بقوة ، كانت مغلقة بإحكام ، تصاعد النحيب حادا هذه المرة .
قلت :
- فريدة ، أريد مطرقة أو …
واصلت ركل الباب ودفعها بكتفي وسمعت خطى فريدة تتخبط في غرف الطابق الأعلى ولابد إن لاله عائشة قد استيقظت إذ سمعت ولولة وحوارا مبتورا . بعد عدة دقائق وبعد أن شعرت باليأس عادت فريدة وهي تلهث ، قالت :
- هذا ما عثرت عليه .
وضعت في يدي مفكا كبيرا حشرته بين الباب والإطار الخارجي ودفعته بقوة وبعد عدة محاولات تحرك القفل من مكانه وانفتحت الباب .
كان الممر مظلما وثمة رائحة لا تطاق تنبعث من مكان ما تمتزج ببكاء متقطع،تقدمنا بحذر ومدت فريدة يدها وضغطت زر النور ولكن المصباح ظل مطفأ، أعادت المحاولة عدة مرات ثم صرخت بيأس :
- الكهرباء مقطوعة .
ذهبت وعادت ببقية الشمعة التي تركتها على السلم بينما كنت أزيح الستائر وافتح نوافذ صالة الجلوس وأتعثر بأشياء كثيرة على الأرض .
دخلنا غرفة النوم وعلى بصيص الشمعة رأينا منظرا مرعباً مثل رؤيا سوداء .
*
أخذت فريدة الطفلة إلى الطابق الثاني وأعطتها ملعقة من شراب قوي فتقيأت ما في جوفها ثم أدخلتها إلى الحمام وظلت لاله عائشة أثناء ذلك تبكي وتضحك وتردد أدعية وتثرثر وتقول كل ما يخطر ببالها وجلست إلى جانب سرير ليلى وأخذت تزغرد وتقبل جبينها ويديها ثم نامت بعد دقائق وكذلك نامت الطفلة طيلة النهار التالي . لم يكن في جسمها سوى خدوش وكدمات بسيطة ولكنها كانت مرعوبة وظلت تبكي أياما عدة بعد الحادث . أما جثة موسى فقد أخذنها سيارة إسعاف إلى مستشفى قريب ليقرر الطبيب الشرعي سبب وفاته وقطعنا أنا وفريدة الجثة التي صنعها من ورق الجرائد والطين ونشارة الخشب إلى عدة أجزاء وحشرناها في كيسين مع أوعية الصفيح وقطع القماش والصحون والملاعق التي ظل ينقلها سرا وقامت فريدة بعد الظهر بتنظيف الشقة بعد أن اجري معنا تحقيق مطول وأعادت الأشياء المبعثرة إلى أماكنها وأحضرت معها حين عادت كيسا ورقيا خبأه موسى بعناية في كوة صغيرة مهملة في المطبخ فيه مسودة رسالة لم يرسلها الي رغم انه كتبها قبل أيام بالإضافة إلى دفتر مذكرات صغير ودفتر آخر ملطخ بالزيت والدم يلخص خيباته وأحلامه وهو الذي ظل يرافقه منذ سنين . كانت مسودة الرسالة تتحدث عن الخطوة الحاسمة في تنفيذ مشروعه ولابد انه كتبها بتوتر وارتباك إذ إن الورقة مليئة بالخطوط والجمل الاعتراضية والكلمات المشطوبة والسطور المدونة على أطراف الورقة والتي لا علاقة لها بالسياق .
وعموما هذا هو النص المفهوم للرسالة :
سأهبط غدا إلى الشقة السفلى بعد أن حصلت على المفتاح من فريدة،أقنعتها بان نتبادل الغرام هناك فاختلست المفتاح من صندوق تحتفظ به العجوز في دولابها ولا تسمح لأحد أن يأخذه ..حتى حين تنظف فريدة الشقة مرة كل شهر تنزل معها خوفا من أن يضيع شيء ( خط إلى الهامش ) .
نزلنا معا في الليل حين نامت عائشة وفي الفجر صعدنا ثانية إلى الشقة العليا وأقنعت فريدة أن تعلق المفتاح بمسمار على الحائط وقلت لها : اتركيه هنا فقد نحتاجه ثانية ، ترددت في البداية ثم اقتنعت ويبدو إنها نسته أو تناسته ولتطمئن اكثر تركت معها بعض ما بقي لدي من نقود وقلت لها (ترد هنا ثلاثة اسطر مشطوبة) .
ليلى هي السر الأخطر في مشروعي (جملة اعتراضية :لأنفذ ما في رأسي وأحقق حلمي الأبدي) الأشياء الأخرى أما كلمات أو ماء أو تراب ، لن أكون أمام ليلى كالذئب الذي يفترس بل سأكون كالقرد الذي يلعب ، دوري سيكون طريفا وسأخفي وجهي خلف قناع ، لن يكلفها ذلك سوى بضع قطرات من الدم ولحظات وجيزة من الخوف ، هي أملي (هل الطفولة إلا الأمل ؟) ستكون هي أنثاي الحقيقية ومبدأ الوجود الأول ومن برعم أنوثتها سأصنع مثال الجمال الأبدي .
قد يبدو ما أفكر به جنونا ولكني أعددت لجنوني كل شيء ، ذهبت إلى البحر و جلبت منه رملاً و تراباً وماءً في أوعية اشتريتها من السوق ونقلتها سرا في ظهيرتين متتاليتين . اشتريت أيضا ما احتاجه من أدوات:مسامير ومفك ومنشار وأوراق وأجهزة طبية ومركبات كيمياوية وقفازات ومطهرات وأشياء أخرى وجلبت أعشابا يابسة من السوق القديم وأعشابا طرية اقتطعتها من حدائق متفرقة إضافة إلى ثلاث رزم من الجرائد القديمة وقد وضعت كل شيء في مكانه انتظارا لساعة الصفر.سأقول لفريدة إنني سأذهب مع ليلى في نزهة واخرج بها إلى الشارع لدقائق وأناديها من اسفل لأوصيها بشيء ثم أعود بعد قليل واختفي في الشقة ولن يدوم قلق العجوز ولا فريدة سوى ساعات قليلة لأنني سأعيد ليلى بعدها إليهما واكمل مشروعي وحدي دون علمهما وبالطبع فان الطفلة لن تقول شيئا أو إن أي أحد لن يصدق أو يفهم ما ستقوله .
(هنا أيضا سطور عديدة مشطوبة ثم يأتي مقطع أخير)
هل إن خطتي واضحة وهل إن أفكاري جلية ؟ هذا ما آمله ، ثق بي وحاول أن تفهمني و تقدر خطورة مشروعي وأهميته ولعلك ستجد في دفتر المذكرات الصغير الذي بدأت بتدوينه منذ أن وصلت إلى طنجة أمورا كثيرة لم يتيسر لي شرحها في هذه الرسالة ولا في رسائلي الأخرى …. أشكو من حمى الكتابة ، أشكو من فوضى الأفكار ، أشكو من تعب بلا حدود .
ثم تنتهي الرسالة .أما دفتر المذكرات الصغير فترد على الصفحة الأولى منه هذه
العبارة :
نقلت محتويات هذا الدفتر من دفتر قديم لي و من أوراق وقصاصات كتبتها في أوقات مختلفة وأمكنة متباعدة وهو يتضمن أفكارا وحكايات ومأثورات وأقوالا وخلاصات لتجارب آمل أن تلقي ضوءا أو بصيصا من ضوء على غايتي في الحياة وهي الوصول من خلال البذاءة والخراب والجنون إلى الجمال المطلق وان تكون عونا لمن يراجع خطتي في صنع نموذج الجمال المذكورة في الدفتر الآخر وقد يتوفر لي الوقت مستقبلا لكي اجمع بينهما أي بين الصياغة العملية والمبادئ النظرية الواردة في الدفترين في سياق واحد متسلسل وعلى صفحات سفر واحد ولكن متى ؟ لا اعلم .
وتتضمن كل صفحة من الصفحات التالية للمقدمة مقطعا منفصلا يبدأ بحرف أو رقم هي كالآتي :


( أ )
ليس هناك من يصل إلى درجة ولعي بالنساء. أجد معهن لذتي وحلمي وإنسانيتي وأحاول التقرب إليهن دون أن أثير اهتمام أحد بل اصل إلى قلوبهن خلسة وذلك ما استطعته دائما بارتداء قناع مزيف يرتسم على ملامحه احتقار طفيف وإغفال وانشغال بأفكار علوية .
( ب /1)

المرأة لا تحقق أنوثتها إلا بذلك ولا تتجوهر ملامح روحها قبل أن نضعها في حالة شك بل في ارض مهتزة يعيد الذكر الاستقرار إليها .
(ب/2)
القلم لسان الروح .
(ج/1)
منذ سنوات بعيدة وجدت ملاذي في اللغة ومازلت مؤمنا إن العالم مصنوع من اللغة وليس من الأشياء وباستمرار ظلت تسحرني تلك الجدالات اللانهائية بين المتكلمين .
كنت أثناء دراستي الأولى أصغي إليهم وهم يتقارعون بالحجج والشواهد والأدلة دون أن ينتصر أي منهم على الآخر،كانت جدالاتهم تستمر لساعات وربما لأيام يعيدون خلالها صياغة العالم بالكلمات،الحق وكذلك الباطل كانا معا بين ألسنتهم معقولين وواضحين وعلى قدر إيماني باللغة بدأ الشك فيها يتسرب إلى قلبي ومن هنا كان تمردي ، قلت لنفسي : إن بإمكاني أنا أيضا أن اصنع عالمي بلغة يعود اصلها إلي ، لغة فريدة معجونة بالألم والمرارة وعذابات السنين التي ذهبت إلى الماضي ، ماضي الكلمات بلا عودة ولكن هل إن الزمان وحده قد مر أم إن اللغة قد امتطته واقتادته إلى الظلمات ؟
(ج/2)
حين اكتب هنا فأنت لا تقرأ سوى كلماتي ، إن ما يتبقى هو اللغة فقط وأمامها لا تدري هل إن ما يكمن خلف الكلمات حقيقي، حدث فعلا أم إن اللغة وحدها تكتب نفسها؟
قد لا أكون موجودا وان ما تقرأه قد ألف نفسه أو انبعث فجأة من لاشيء .
عودة إلى (ج/1)
في مرحلة تالية من حياتي بدأت أغوص في الكتب، أقتحمتني روائح الأوراق،مداداتها،ملامسها،ذكوراتها وانوثاتها،كانت المكتبة القديمة ملاذي وكنت أجد فيها حلا مؤقتا لعذابي في رحلة الشك و اليقين. كنت اجلس لساعات أفك رموز قاموس قديم أو ابحث عن كلمة شاردة أو عبارة ملغزة وكلما استغرقني البحث كلما ازداد يقيني بان الكلمات كلها هي من مصدر واحد،إنها تتقارب ويتوالد بعضها من بعض وتتصاعد في الأثير في اتجاه الملكوت السماوي .
( تفسير واستفاضة )
الكلمات كالبشر من اصل واحد،ولدت من رحم (أم عقل؟) واحد وتشتت في الألسن والأفئدة والألباب، تناسلت في الزمان لتؤلف شيعا وقبائل وأرساسا، بإمكان كل كلمة أن تكون بديلا لكلمة تتناقض معها ظاهرا بشكل تام. كلمة غراب بإمكاني أن احل محلها كلمة قوس وكلمة فراغ يمكن شطبها وكتابة كلمة لص بدلا عنها . أي كلمة هي دليل على كلمة أخرى مجاورة لها في نسيج لامرئي ولكنه مصمم مثل نسيج الكائن الحي،نسيج لانهائي من الكلمات.
(د)
ثم عشقت القواميس ، كانت لذتي هي رؤية أي كلمة حين تتشظى إلى عدد لانهائي من الكلمات (الكلمات لا المعاني) كلمة مقابل كلمة، بالإمكان انتزاعها ووضع كلمة أخرى بدلا عنها ، من العبث في رأيي أن نقول إن للكلمة معنى، الكلمة كائن لا يوصف، لا يجزأ إلى صفات و مسميات .
( د/ تابع )
واكتشفت الكتاب الفريد الذي غير حياتي ، كتاب ألفه رجل أعمى،انطلق من اللغة ليؤسس عالما غرائبيا وواقعيا فيه كل شيء . لقد سحرني ( مخصص) ابن سيده وجعلني أعيد بناء أفكاري عن اللغة ، أعيد بناءها أم اصنعها من جديد ؟
(د/أ)
قرأت هذا الكتاب الذي لا يشبه أي كتاب وهذا القاموس الذي لا يشبه أي قاموس عشرات المرات ، كان بحرا متلاطما يمثل تماما فكرتي التي عجزت عن إيجاد المثال الواقعي لها ولقد حفظت من بين أجزاء الكتاب جزءا واحدا عن ظهر قلب ثم نسيته ولكن تأثيره ظل في داخلي حتى الآن ، انه كتاب (النساء) وبه وجدت المعبر المفقود بين عالمين ، اللغة والمرأة .
(هـ)
علمني هذا الأعمى كيف انظر إلى المرأة ، كيف انظر إلى جسدها، جزءا بعد جزء وكلمة بعد كلمة ، انه يصنع منها كيانا لغويا ويمنحها عدا الروح والجسد مظهرا قدسيا من الكلمات،المرأة في كتابه هي كلمة تتجزأ إلى آلاف الكلمات والأخيلة والصور،إنها الكلمة حين تخلع ثيابها فيتولد عن عريها ما لانهاية له من اللذائذ والتهيؤات والرغبات والمعارف .
(و)
وهكذا فكرت أن اصنع امرأة من لغة ، لقد قادني ابن سيده بيد بصيرة لاكتشف هذه الفكرة،بدت غامضة للوهلة الأولى ولكني كنت ازداد يقينا بها يوما بعد آخر،امرأة من حطام الكلمات،من نسيجها، من رمادها ،من جبروتها ، من ضعفها ،من تداخلها وتفاعلها ، من تلاطمها في بحر لانهائي .
(ز)
لم يكن ابن سيده في مرحلة تالية هو دليلي الوحيد بل حاولت أن اقرأ بإمعان كل ما وجدته عن النساء واستغرقت في ذلك حتى لم اكن ادري إلى أين سأصل، كنت استعير من الكتب التي أقرأها كل ما يطور فكرتي حتى أصبحت لدي مجلدات عدة .
(ز/1)
ثم التجأت إلى الرمز ، بدأت أدون ما أريد بشفرة خاصة اخترعتها ولا يعرفها غيري وقد دونت بهذه الشفرة أشياء عديدة في الدفتر الذي يرافقني منذ سنوات.
إن مخطط اختراع امرأة موجود في هذا الدفتر ولكن الوصول إلى شفرة الاختراع لا يستطيعه غيري .
(ز/2)
هل أنا حالم أم مجنون ؟ لا ادري و لكن لدي فكرة ينبغي أن انقلها من حيز اللغة إلى صورة المادة واهتديت إلى طنجة بعد تفكير طويل لتكون مسرحا أجسد عليه حلمي وجنوني وإذا قيل لي ما السبب ؟ أقول : إن طنجة هي منزل جبلي مقدس،مفتوح على كل الاتجاهات،هي بابل المعاصرة التي توحد بين أفئدة البشر وألسنتهم. إنها كيان لغوي موحد من كيانات شتى وهي أيضا ملتقى البحرين ومولد الأسطورة التي تجمع بين السحر و الخلود.
(ح)
ذهبت بالأمس إلى ضريح ابن بطوطة وجلست عند قبره صامتا ، هذا الرجل المعذب بامرأة اسمها الأرض والذي قاده بحثه إلى أقاصيها ثم عاد ليصنع مجد جسدها بالكلمات . ماذا تبقى منه أخيرا ؟
قراطيس متناثرة ولغة مشحونة بحكايات عن الموت والألم واللذة والغربة والإخفاق والعوز والجوع .
سأقتطف وردة من الحديقة المحيطة بقبره لتكون مركز السر في خطتي ، إنها وردة الدم ومفتاح الذاكرة .

(ح/1)
سأذهب في الغد إلى منارة سبارتيل ، سأقف على قمتها واصرخ في المديات الأربعة :
يا رياح الشتات، هاأنذا، سأنادي آسيا البعيدة ، سأتمسك بذيل فستان أوربا الذي يتدلى مثل حدوة حصان فوق رأسي،سأتطلع كالمأخوذ إلى الآفاق اللانهائية لبحر الظلمات ثم اصلي من الأعالي إلى خالق الأعالي ليعينني في محنتي وجنوني ثم أعود من هناك بأوعية من ماء البحرين وبتراب معجون بدم الفرسان الأوائل الذين اخترقوا بكارة الأنثى العصية حاملين ذكوراتهم وفحولاتهم في قبضات السيوف .
(ح/2)
ولكن كيف سأصنع امرأة جنوني ؟ وهل تكفي تهيؤات وأحلام و نوايا لخلق مثال للجمال تتجسد فيه كل الكلمات؟ ألا يمكن لمثال الجمال هذا أن يكون خلاصة للقبح والشرور؟ أية امرأة هذه التي تكون سمراء وشقراء وزنجية وخلاسية في الوقت ذاته ؟ كيف لها أن تكون رشيقة وعجزاء معا،متوردة الخدين وشاحبة؟هل ستلخص امرأتي كل ما تحمله النساء من غرابات وسحر وآثام ؟
هذه الأسئلة وغيرها تعذبني منذ سنين ولكل منها جواب ولكن لمن أقوله ومن سيصغي إليه ؟

(ط)
تعلمت الكثير من الأشياء وحدي ونسجت أسطورتي على نولي الخاص ، نول عذابي وعكازي إلى الجحيم . صنعت دمى من الطين والورق ونشارة الخشب وتعلمت الرسم سرا وعلانية، كان طلاب الفن يتحلقون حولي ويسخرون من شخبطاتي والرؤوس والأجساد الغريبة التي كنت اخترعها ورغم ضيقي لم أيأس بل مضيت في لعبتي حتى آخرها .
(ط/أ)
كنت استعير كتبا من الطلبة ساعدتني على الخروج تدريجيا من عالم الكتب الصفراء الذي كنت أسيرا له وانتبهت إلى إن هناك عقولا مختلفة تتجاذب وتتحاور وتختلف وتنحسر وتسود، عقول لم تصنع من الورق وحده ، عقول من دم حار ، تعلمت من تلك الكتب طريقة جديدة في التفكير ملخصها : إن العالم هو الآن وإن اللغة وحدها لن تكفي لتفسيره وان علي أن ابحث وابحث عن حل لمشكلة كانت تبدو بلا حل .

(ط/ب)
سأصنع امرأتي من ورق الجرائد وسأنفخها بالكلمات واضعا فيها عصارة روحي وخلاصات أحلامي،ضياعي، عبثي،ألمي،صعلكتي،أكاذيبي،خطاياي،شعوذتي،افتراءاتي، فشلي .
وإذا كنت سأؤلف تمثالا من طين وورق وماء فإني سأرفع عقيرتي مناديا الأعمى،دليلي في محنتي في صرخة تتردد في أزقة المدن التي بادت ويعيدها الصدى إلى أسماع الأندلسيات المرحات :
يا ابن سيده .. خذ بيدي، اقتطفني كالثمرة، ساعدني على بلوغ أربي، انقذني و إن كنت لا تصغي ألي أو لا تريد ذلك فسأذكرك بقول لك تصف به سيدك: واراني كيف املك عنان الحقيقة ومن أي مكان اسلك متان الطريقة فأطعت وما أضعت وأجدت كل ما أردت فأعلقت وأقلعت.

(ك)
ولكن هل يصدقني أحد ، هل اتجه نحو الحقيقة وهل إن ما افعله هو الصواب؟
يا صديقي، أيها القاريء المخدوع مثلي، احتمل ضعفي، حاول أن تتخيلني وأنا امضي في برية من الأكاذيب والأخيلة والعجائب والآلام والافتراءات والبراكين الصغيرة والأحلام واخلاط الجسد البشري العجيب .
أيها الصديق ، هذه كلمتي لك فخذها كما تشاء أو أعدها إلى التراب .
أيها القاريء ، اغفر لي أو لا تغفر فما عاد في العمر بقية لأصغي لك ، لن تفزعني لعناتك ولن تغريني تنهداتك بل سأمضي في البرية وحيدا ، في ظلام دامس، اتبع وحوش الأرض واستدل برياح الجهات الأربع.

انتهى
كتبه العبد الفقير موسى حسين
عذرا لحدوث أخطاء لغوية أو وجود تشابه طفيف بين نصوص أصلية وما ورد في هذا الدفتر.
أما الدفتر الآخر فعدا البيت الشعري الذي يرد في الصفحة الأولى منه وهو:
ستلقى جفولا أو فتاة كأنها
إذا نضيت عنها الثياب غرير
والمأخوذ من / السفر الأول من المخصص وعدا بضعة تعريفات متفرقة :
أدماء : سمراء / خود : الجميلة إذا توسطت الشباب / رواح : عظيمة الردف / رعبوبة : بيضاء الجسم / شموع : لعوب ، ضحوك.
ثم بضعة أسماء مدونة على هوامش الصفحات:
رباب ، زينب ، كاترين ، سوسن ، جينا ، مريم ، راحيل ، قادرية ، فادية ، عشتار .
فان الدفتر لا يحتوي إلا على أرقام وإشارات وعمليات حسابية ومعادلات ورسوم بدائية ومخططات غامضة إضافة إلى أبجدية غريبة تجمع بين الحروف المسمارية والمقاطع الصورية كتب بها نص طويل معدل بإضافات وهوامش بقلم احمر يحتل معظم الصفحات الأخيرة وقد حاولت لساعات أن اصل إلى خيط أو دليل يوصلني إلى فهم ما ورد في النص ولكنني اقتنعت في النهاية أن لا جدوى من ذلك وإن السر المضحك المبكي قد ذهب مع موسى إلى القبر لتبدده ديدبانات الأرض ولكن هل كان لموسى سر حقا أم إنها حفنة من أكاذيب وشعوذات ؟.




(12)
جاء محقق ومعه شرطيان بعد نصف ساعة من اكتشافنا للجثة ، ذهبت فريدة وهي تولول إلى دكان قريب واتصلت من هناك بمركز الشرطة .
طلب المحقق وهو يتفحص وجهينا بعينين حمراوين أن لا نعبث بشيء ثم ذهب وعاد في العاشرة وأجرى تفتيشا دقيقا للشقة، كان يصرخ خلاله بالشرطيين ويغير أوامره بين لحظة وأخرى وخلال ساعة تقريبا رفع الأثاث مرات عدة وأزيحت الستائر ثم أعيدت ونبشت الدواليب وفتحت أكياس الملابس وفحصت لفافات الأغطية والملاءات أما مكونات المشهد الذي صنعه موسى فلم تتغير إلا قليلا، كان المشهد يتألف من مائدة طعام كبيرة وضع فوقها تمثال بدائي مصنوع من عجينة الورق والطين والأعشاب البحرية تحيط به شبكة من الأنابيب البلاستيكية وقطع القماش والأسلاك النحاسية تتصل بسلك طويل يمتد إلى مصدر التيار الكهربائي في الغرفة وبين المائدة والأريكة حيث كانت ليلى تنام شبه ميتة كان هناك حامل صديء يتدلى منه كيس دم متخثر ويتصل الكيس بخرطوم رفيع يؤدي إلى وعاء نحاسي موضوع قرب رقبة التمثال أما على الأرض فكانت هناك أوعية وعلب معدنية وأدوات مطبخ وسكاكين وأوراق جرائد ممزقة وقطع قماش ملطخة بالطين والدم .
بعد انتهاء التفتيش بقليل جاءت سيارة إسعاف وأخذت الجثة إلى الطبيب الشرعي ثم صعدنا إلى شقة العجوز وبعد بضعة أسئلة عن الميت وعني وعن تاريخ وصولنا إلى طنجة وسر بقاء موسى فيها وأين كنت أثناء الحادث ولماذا ذهبت وحدي إلى الرباط وهل لدي معارف فيها وبعد أن تفحص جواز سفري، سألني المحقق :
- برأيك ، ما الذي تسبب في موت صديقك ؟
قلت بعد قليل من الصمت :
- لابد انه بعد أن أنجز دميته الورقية أراد توصيل الأسلاك المحيطة بها بمصدر الكهرباء فحدث خطأ ما أدى إلى صعقه وقد انقطع التيار نتيجة لذلك كما انقطع السلك أيضا إذ إن طرفه كان سائبا على الأرض بالقرب من الجثة .
- وكيس الدم ؟
- اعتقد انه دم حيواني جاء به من مكان ما فمن غير المعقول انه أخذه كله من الطفلة ، ربما خدش جلدها فقط واخذ من دمها بضعة قطرات .
هز المحقق رأسه مستغربا .
- وماذا كان يريد أن يصنع من كل ذلك ؟
- لا ادري بالضبط ، كانت لديه أوهام وأفكار غريبة مع شعور بأنه ذو رسالة فريدة في الحياة .
- هل تعتقد انه مجنون ؟
لم اجب بل نظرت إلى فريدة التي دخلت فجأة وسألت المحقق :
- هل تريد شيئا يا سيدي ؟ الشرطي قال انك تريدني .
- لا ، تعالي بعد قليل ، أريد فقط كوبا من الشاي الأسود الثقيل ؟
التفت إلي ثانية :
- ها ، يا صديقي ، هل هو مجنون ؟
- لاأدري ، ربما.
ظل ينظر الى الارض لأكثر من دقيقة ثم نظر الي ولكني كنت متأكدا انه كان في عالم آخر ، صرخ فجأة :
- وماذا بعد ، لاله فريدة ، أين الشاي ، رأسي سينفجر.
*
كان نومي متقطعا وكلما استيقظت عادت إلي صورة موسى التي صنعها الموت، كان وجهه الأزرق المتشنج بعينيه الزجاجيتين وفمه المفتوح الذي تيبس أسفله خيط من زبد ودم يتأرجح فوقي وينشطر إلى وجهين أو ثلاثة ثم يعود ليلتئم من جديد ويحلق حول السرير باعثا أصواتا غامضة بين الصفير والتجشؤ والصراخ وحين كنت اغمض عيني لدقائق كان ينهض من موته ليجلس على الكرسي الوحيد في الغرفة فيغني أو يفرقع أصابعه أو يبكي أو ينقر على دف كبير يحمله معه وكانت الأصوات التي يحدثها تختلط بأصوات أخرى تنبعث من الغرف المجاورة أو من ممرات وغرف الطابق العلوي . كان هناك ما يشبه دحرجة مستمرة لكرات ثقيلة وأقدام تتحرك في كل الاتجاهات وهدير سيارات متصل وصدى أبواق ولغط وموجات متلاحقة من الثرثرة والصياح تتصاعد من مطعم ومقهى قريبين .
نهضت ونظرت من النافذة ، كان الشارع الفرعي الذي تطل عليه النافذة مظلما ولا اثر للمارة فيه، أحسست إني وحيد وحزين أمام الظلام والصمت والامتداد الذي يبدو لانهائيا للشارع . كان النعاس يغادرني ببطء وكان ذهني يصفو تدريجيا. تثاءبت وجلست على الكرسي الذي كان موسى يجلس عليه وقلت لنفسي:
- لعله لن يعود ثانية .
ولكني حين دخلت الحمام بعد دقائق تخيلته يقف خلف الباب حاملا دفه وحشرجة موت مدوية تنبعث من حنجرته ويتردد صداها في الغرفة .
*
أكلت سندويجا في مطعم صغير يقع على بعد خطوات من الفندق ثم ذهبت إلى بار شبه مهجور وجلست قرب الساقي وأفرغت في جوفي بسرعة وتلذذ زجاجتي بيرة وقدم لي الساقي الودود زجاجة نبيذ احمر صغيرة قال إنها ستجعل مفعول البيرة يتصاعد ويتركز كما قدم لي بعد ذلك كأسا من الجن بعصير البرتقال مع صحن لحم مقدد . كان يذهب لتلبية الطلبات القليلة ويعود ليحدثني بصوت خافت وعبارات غامضة عن أحداث لا ادري أين تبدأ وأين تنتهي . كنت منتشيا ومرحا ولكني لم اكن ثملا وقد فارقني تماما تعب نهار طويل أمضيته متنقلا في شوارع الدار البيضاء التي لم أألفها بين دوائر الشرطة والإدارات الحكومية لإكمال الأوراق الخاصة بشحن جثة موسى على الطائرة التي ستعود غدا إلى بغداد .
اخبرني أحد الموظفين إن الجثة ربما ستحفظ في ثلاجة الطب العدلي وستستغرق إجراءات إطلاق سراحها اسبوعا ثم سألني :
- ما الذي تسبب في موت صديقك ؟
قلت:
- كل شيء مذكور في الأوراق .
وخرجت .
كنت أتخيل طوال الوقت وسأظل أتخيل حوارا من طرف واحد مع موسى يبدأ وينتهي بموته :
- يا موسى ، أكان لابد أن تستعجل موتك هكذا وأن أكون أنا الوحيد المسؤول عنه ، تحملت أكاذيبك وجنونك وتنطعك ومباذلك وعشت بضعة أيام سود بين الشك واليقين . يا موسى غدا سيحلق جسدك في السماء فهل ستفتح تابوتك وتتسلل لتتسكع بين الغيوم مع اللقالق والطواويس والصقور والأرواح الشاردة والغرباء الذين لا مأوى لهم ، حاول إذن أن تكون عاقلا واحتفظ بكفنك الرقيق للأيام الباردة فأعالي السماء لا تشبه أوكار وجحور الأرض .
ودعت الساقي بحرارة وقلت له :
- ربما سأعود غدا إذا لم أسافر .
أحسست بعد بضعة خطوات في ظلمة الشارع إنني اكثر تركيزا واقل سكرا بل كانت لدي رغبة في كأس آخر من شراب قوي ارتشفه ببطء مع فخذ دجاج مشوي وشرائح ليمون .
وصلت إلى شارع محمد الخامس ، اشتريت جريدة من كشك مفتوح ثم دخلت إلى مقهى الزردة ، كانت تعج بالمومسات والسياح وكان سعاتها يلقون بطلبات الجالسين بعصبية ونفاد صبر . طلبت فنجان قهوة وبدأت اقرأ في الجريدة ، تأخر الفنجان وكان باردا حين جاء به النادل ، شربته على عجل وخرجت.
كان الهواء في الخارج منعشا وكانت ثمة أضواء شحيحة تصدر عن واجهات المحلات القليلة المفتوحة ، لم اكن ادري إلى أين اذهب ولكني بعد خطوات قليلة قررت أن أعود إلى البار الذي كنت فيه ولكن من زقاق فرعي، كان الزقاق شبه مظلم وفي منتصفه رأيت مومسا خلاسية ذات عجيزة ضخمة،اقتربت منها وساومتها .
سألتني :
- هل أنت طلياني ؟
- لا ، من بلاد الواق واق .
ضحكت وقالت :
- لا يهم ، عشرون درهما لي وعشرون درهما للفندق .
قلت:
- لا بأس .
ومضيت خلفها .
كان مدخل الفندق قذرا فيه منضدة صغيرة يجلس خلفها رجل اسود متجهم يتقاضى الأجرة مقدما وكانت غرف الفندق جميعها تقع في طابقين علويين. مررنا بالطابق الأول فبدا إن اغلب غرفه مشغولة إذ إن لغطا وصراخا يترددان خلف الأبواب المغلقة أما الأبواب المواربة فتتسرب منها أضواء ملونة خافتة.
سألت المومس:
- ألا توجد غرفة فارغة هنا ؟
ردت بابتسامة ملغزة :
- لا ، غرف الطابق الثاني اهدأ .
كان سرير الغرفة التي دخلناها متهالكا وكانت الغرفة شبه جرداء، ذات رائحة خانقة،دخلت المومس إلى الحمام ثم عادت بعد دقيقة وخلعت جلابتها ونامت وطلبت مني أن لا أتأخر ، كنت أنا أيضا قد خلعت ملابسي ولم يستغرق الأمر سوى لحظات .
حين نزلنا إلى الطابق الأول اختفت المومس خلف أحد الأبواب وسمعت صوت ضحكاتها يتردد ثم فتح الباب وظهر عجوز قصير القامة يعتمر طربوشا صافحني بحرارة وربت كتفي ثم اقتادني في الممر وفتح أحد الأبواب.كان الضوء في الغرفة التي دخلناها ساطعا وكانت هناك أريكتان وسرير كبير وكانت هناك نساء بين العشرين والثلاثين،عاريات أو بملابس شفافة قصيرة يستلقين فوق السرير أو يجلسن فوق الأريكتين،يبتسمن بوجوه ملونة تشبه الأقنعة ، كانت المومس الخلاسية تجلس في منتصف السرير وتحتضن جسدا صغيرا ملفوفا بجلابتها الزرقاء، اقتربت من السرير ومددت يدي ورفعت طرف الجلابة ثم أعدته بسرعة ، كان وجه موسى الأزرق بتجعداته وكدماته وخيط الدم المتيبس تحت شفته السفلي يختفي تحتها . وفي اللحظة التالية انطفأ النور في الغرفة وامتدت إلي أيد كثيرة جردتني من ملابسي وطوحت بي في الهواء وترددت في الغرفة صرخات وضحكات وتنهدات وهمسات غرام وتأوهات وأصوات اقتران جسدي عنيف وطوحت بي الأيدي ثم ألقت بي في فضاء مظلم لا حدود له وها أنا أسعى(أم احلق؟) وحدي في ذلك الفضاء البهيم،لا ادري إلى أين سأتجه ولا متى سأعود؟.
السبت 31/8/1996

انتهت الرواية

سعد هادي
محرر موقع الروائي
saad@alrowaee.com


القائمة الرئيسة
البحث