الإثنين, 20 تشرين الثاني 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
خوزيه ساراماغو: كيف تتحول الشخصيات إلى أستاذ ومؤلف لصانعها ؟
ترجمة: خضير اللامي
خوزيه ساراماغو: كيف تتحول الشخصيات إلى أستاذ ومؤلف لصانعها ؟
خوزيه ساراماغو
ان اكبر رجل حكيم عرفته في كل حياتي*، هو رجل لا يعرف أن يقرأ ويكتب. فهو يستيقظ مع أولى تباشير الفجر الذي يتباطأ فوق الأرض الفرنسية ، ينهض ذلك الرجل من فراشه صباحا ويغادر إلى الحقل ليقود إلى المرعى نصف دزينة من الخنازير التي يقتات عليها هو وزوجته. وهما جدي وجدتي من أمي اللذين يعيشان على هذه الندرة، في تربية هذه الخنازير، وبعد فطامها يبيعونها في قرية ازينهاغا القريبة ، في محافظة ريباتيخو .وكان اسميهما: خيرونيمو ميرينهو وخوزيفا شايكسنها . وكلاهما أميان. وعند حلول الشتاء، حينما يزداد برد الليل وينجمد الماء في الإبريق المركون إلى جانب المنزل يذهبان إلى الزريبة ليجلبا صغار الخنازير ويضعانها في فراشها، ويغطيانها في بطانية سميكة، وتتسرب حرارة الإنسان لتخلص تلك الخنازير الصغيرة من معاناة الانجماد ومن موت مؤكد . ورغم إنهما كانا إنسانين رقيقين، فان روحيهما الرقيقتين تدفعانهما إلى السلوك بهذه الطريقة، في الحقيقة ، ليس إشفاقا على تلك الخنازير الصغيرة ، وإنما ما يقلقهما هو أن يوفرا خبز حياتهما . وهذا شيء طبيعي لدى الناس، الذين يريدون أن يديموا حياتهم. ولا يتعدى تفكيرهم أكثر من توفير ضرورات الحياة . وقد ساعدت جدي مرات عديدة في تربية هذه الخنازير، ومرات عديدة في حرث مزرعة الخضار المجاورة للمنزل . كما قمت بتقطيع الخشب لاستخدامه في النار ومرات عديدة راوغت حراس الحقول لأقوم بضخ الماء من بئر القرية وحمله على كتفي، حدث هذا مرات عديدة، وبطريقة سرية . كما كنت أذهب مع جدي مع طلوع الفجر أيضا ، مسلحا بمذراة القمح ، حاملا الأكياس والحبال، وجامعا القش المتساقط الذي يستخدم علفا للحيوانات . وأحيانا، وفي ليالي الصيف الساخن، وبعد العشاء، يقول لي جدي: " يا خوزيه ! سننام هذه الليلة معا تحت شجرة التين هذه ." شجرتا تين كبيرتان ثمة، ولكن هذه الشجرة هي الأكبر والأقدم عمرا ،ولا يعرف احد عمرها كل من يسكن المنزل . وفي أثناء هدوء الليل ، ومن بين أغصان الشجرة العالية ، تظهر لي نجمة ، ومن ثم تدريجيا تتوارى خلف أوراق الشجر. وأحول نظري، باتجاه آخر، لأرى نجمة أخرى ترتفع من خلل المشهد، مثل نهر يجري بصمت في فضاء السماء . ثم أشاهد التلألؤ الجلي لدرب التبانة ، وطريق سانتياغو، الذي ما زلنا نطلق عليه هذا الاسم في القرية . وبين النوم واليقظة، وإثناء الليل الآهل بالقصص والحكايات التي يسردها ويسردها جدي: أساطير وأشباحا ورعبا وأحداثا غريبة وأموات قدماء، شجارات وعصي وأحجارا. وكلمة أسلافنا توقظ ذاكرتنا التي تجعلني مستيقظا وفي الوقت ذاته، تهدهدني بعذوبة. بعدها لا اعرف إن كان جدي قد توقف عن سرده، حينما يدرك إنني رحت في إغفاءة أو انه مستمر في الحديث للإجابة عن أسئلتي التي يضعها في الحسبان. وكنت اطرح عليه بعض الأسئلة حينما أجد نفسي بين النوم واليقظة. وماذا حدث بعد ذلك ؟ ربما يكرر بعض الحكايات لنفسه كي لا ينساها أو بمعنى آخر كي يغنيها بتفاصيل جديدة، كما يفعل الجميع في ذلك العمر. وليس ثمة حاجة للقول، أنني كنت أتخيل جدي خيرو نيمو عارفا بكل علوم العالم ، وعندما ينبلج الضياء الأول يوقظني تغريد الطيور ،حينها لا يكون جدي هناك ، فهو يغادر إلى الحقل مع ماشيته ، يتركني أغط في نومي ، وبعد أن استيقظ ، اطوي البطانية الخشنة وانطلق حافي القدمين الى القرية – وما زلت اتذكر القش لاصقا في راسي - وحين بلغت الرابعة عشرة من عمري ، انتقلت من حرث الحقل الى حقل زريبة الحيوانات القريبة من المنزل . وحدث ان اقتربت جدتي منا، ووضعت امامي ابريقا كبيرا من القهوة، وبعض اقراص الخبز، وسألتني ، ان كان نومي مريحا الليلة الفائتة، وكنت اقص عليها احلامي الرديئة التي تستولدها حكايات جدي . وكانت غالبا ما تطمئنني ، وتقول لا تحلم كثيرا فالاحلام لا صلة لها بالواقع. في ذلك الوقت فكرت ان جدتي هي الاخرى، إمرأة حكيمة جدا، بيد انها لا تصل الى مصاف حكمة جدي الذي ينام تحت شجرة التين والى جانبه حفيده خوزيه. ويستطيع ان يحرك العالم بكلمات قليلة. وبعد مرور سنوات رحل جدي الى مثواه الاخير. وفي ذلك الوقت كنت قد اصبحت راشدا، وادركت بعد كل ذلك ان جدتي تؤمن هي الاخرى، بالاحلام، ولم يكن لديها ثمة سبب اخر، غير الجلوس امام كوخها، إذ انها تعيش وحيدة الان، ومافتأت وهي تحدق في النجوم الكبيرة والصغيرة المبثوثة فوق راسها تردد هذه الكلمات :" العالم جميل جدا ، ومن المؤسف جدا ان يغادره المرء ! " بيد انها لم تقل انها تخاف الموت، ولكنها تأسف لأنها تغادر الحياة . كما لو ان حياتها الصعبة وعملها الشاق في تلك اللحظة النهائية تستقبل فيها نعمة السمو وكلمات الوداع الأخيرة . ومشاهد الجمال الاخير . وكانت تجلس امام الكوخ وهي لا تشبه اية إمرأة اخرى في كل العالم ، كما كنت اتخيل اناسا يعيشون فيه وينامون مع الخنازير الصغيرة ، كما لو كانت هذه الحيوانات أولادهم . والناس يأسفون على مغادرة الحياة لان العالم لديهم جميل ؛ وجدي خورونيمو راعي الخنازير وسارد الحكايات ، كان يحس بالموت يقترب منه ليقتطفه مما يدفعه الى ان يقول للاشجار: وداعا ايتها الاشجار ! ويروح يعانقها واحدة بعد الأخرى، والدموع تنهمر من عينيه ذلك لانه يدرك انه لن يراها مرة اخرى !


وبعد سنوات عديدة ، كتبت لاول مرة عن جدي خيرونيمو وجدتي خوسيفا " لم اقل حتى الآن ان جدتي كانت وبشهادة الكثير من الذين رأوها انها كانت امرأة فائقة الجمال " وأدركت اخيرا ، انني كنت احول الناس العاديين الى شخصيات ادبية. ربما كانت تلك طريقة امارسها كي لا انساها . فكنت ارسم واعيد رسم وجوهها بقلم الرصاص الذي استطيع من خلاله ان اغير الذاكرة واللون او انير وتيرة الغباء وضيق افق الروتين اليومي ، كما لو انه يخلق هذا القلم فوق خارطة غير مستقرة من الذاكرة ولا واقعية خرافة هذا البلد الذي يقضي الانسان فيه حياته . وبالمقابل ، يحفز على حيويتي لرسم شخصية جدي البربري المبهمة . وتقودني هذه الكلمات الى قليل او كثير الى الصورة القديمة لهما ( الان مضى عليها ثمانون سنة ) يظهر جدي وجدتي وهما واقفان، جميلان وشابان، وهما يواجهان الة التصوير والمصور لحظة التقاط العدسة صورتيهما، ويظهر وجهاهما جلال التعبير، ربما ثمة رعب امام الصورة التي لا يمكن ان تعاد بنفس التعابير الحالية ، لان اليوم التالي ، هو بالتأكيد يوم آخر .. كانت امي متكئة بذراعها اليمنى على عمود طويل وتحمل بيدها وردة ، ووالدي يضع يده على كتفها مثل جناح . كانا واقفين ، خجولين ، على سجادة منقوشة بالاغصان ، وتشكل القماشة خلفية ارضية خادعة للصورة التي تظهر بريق الفن المعماري النيوكلاسيك المتنافر. وقررت :" سياتي اليوم الذي اسرد فيه هذه الاشياء، مهما كانت الاستثناءات تحول دون ذلك " وجدي البربري القادم من شمال افريقيا هو جد اخر، راع للخنازير ، وجدة ذو جمال ، وجدان ؛انيقان وجادان وردة في صورة - اي نسب اهتم به ؟ واي شجرة افضل من غيرها اتكيء عليها ..


كتبت هذه العبارات قبل اكثر من ثلاثين سنة تقريبا ، و ليس لدي هدف اكثر من اعادة بناء وتسجيل حيوات اولئك الناس الذين يولدون ويكونون اقرب الى كينونتي ،واعتقد ان لا شيء آخر بحاجة الى توضيحه لهؤلاء الناس الذين يرغبون ان يعرفوا من اين اتيت وما هي الاعمال التي انجزتها ، وكيف تحولت خطوة بعد خطوة الى هذا الحال . بيد انني كنت على خطأ ، لان البايولوجيا لا تحدد كل شيء ، وكما هو الحال بالجينات ، ولا بد ان يكون الغموض في مساراتها كي تخلق رحلاتها الطويلة جدا ... وشجرة سلالتي ( وانك ستغفر لي افتراض تسميتها بهذه الطريقة لإنقاص مادة نسغها ) لا تفتقر الى تفرعاتها في ذلك الزمان بسبب مواجهات الحياة المتعاقبة ، لتنبجس من النسب الرئيسي حسب، ولكنها تفتقر الى من يساعد على تنمية جذورها ليكتشف اعماقها المطمورة ، وهي تفتقر ايضا الى من يستطيع ان يؤكد متانة ونكهة ثمرها ، والى من يوسع ويعزز قمتها ليجعل منها حامية للطيور في رحلاتها وبناء اعشاشها. وحينما رسمت والديٌ وجديٌ بالصور الادبية ، حولتهم من اناس عاديين مخلوقين من دم ولحم الى شخصيات جديدة، لبناء اساليب مختلفة لحياتي . وكنت ودون ان الحظ ، اثر المنعطف الذي ابدعته اخيرا عن طريق تلك الشخصيات، والشخصيات الاخرى، كانت مادة شخصيات ادبية فعلا ، مخلوقة نحو الأفضل او الأسوأ ، بدرجة كافية او غير كافية ، في الربح او الخسارة، في الاكتفاء او عدمه ، كل ذلك هو نادر ولكنه كثير، وهو الذي خلق مني ذلك الانسان الذي يقف امامكم الان : صانع هذه الشخصيات ؛ ولكن في الوقت ذاته ، هي التي صنعت مني كاتبا مبدعا ، كلمة بعد كلمة ، وجملة بعد جملة ، وصفحة بعد صفحة، وكتابا بعد كتاب. وكنت على التوالي منغرسا في انسان تلك الشخصيات التي خلقتها . واعتقد انني من دونها لن اكون هذا الكاتب الذي يقف امامكم الان . ومن دونها لن تكون حياتي قد لاقت كل هذا النجاح الذي ازعم انني قد حققته .


والان استطيع بكل وضوح ان ارى اولئك الذين كانو اساتذتي في الحياة ، واغلب اولئك الذين علموني مشقة العمل ، فضلا عن مجموعة من الشخصيات في رواياتي ومسرحياتي التي اراها تعبر الان مباشرة ، تمر امام عيني ، اولئك الرجال والنساء المصنوعين من الورق والحبر ، اولئك الناس الذين اعتقد انني قدتهم بوصفي ساردا اخترتهم طبقا لنزواتي وطوعتهم لرغباتي كصانع، مثل دمى ناطقة ،اعمالها لا تؤثر علي اكثر من عبء وتوتر خيوطها التي احركها حيثما اشاء .اولئك الأساتذة دون شك هم لوحة طرزتها بيدي واسميها H. الشخصية الرئيسية للقصة التي ربما اشعر بطريقة ما ، بعقلانية المعرفة المضاعفة (معرفة المؤلف ولكن ايضا بطريقة حديث المؤلف الموسوم ) كراسة الرسم والخط Manual of Painting and Calligraphy. الذي علمني صدق و نزاهة القرار والمراقبة دون الاستياء من الاحباطات وامكاناتي الخاصة ، كما انني لم استطع الايحاء ولن استطيع ان اجازف عبر حبكتي المتواضعة في حرث الارض وكل ما تركته هو امكانية الحرث بعمق نحو الاسفل باتجاه الجذور جذوري وجذور العالم ايضا. وان قدرت ان اسمح لنفسي بطموح متواضع وهذا لم يعد لي بالطبع ، ان اكمل نتائج الجهود التي بذلتها . ولكنني اليوم اعتبرها واضحة في كل اعمالي من الان فصاعدا قد رضخت للهدف والمبدا .


ثم جاء رجال ونساء الينتيخو Alentejo، وهم ذات الاخوة الذين صادرت الدولة ارضهم ، التي تعود ملكيتها الى جدي خيرونيمو، وجدتي خوسيفا، وهم فلاحون خام اضطروا الى بيع سواعدهم القوية للحصول على اجور العمل وتحسين ظروفهم ،الذي يستحق ان نقول عنه سيئ الصيت، والحصول مقابل ذلك ، على الحد الادنى لمتطلبات حياة اناس مهذبين وحضاريين ، نحن فخورون ان نكون سعداء في ان نطلق على حياتهم، حياة نفيسة، مقدسة، او شريفة، واعرف أناسا بسطاء قد خدعتهم الكنيسة ، ومقترفي جرائم، ومستفيدين من السلطة والاقطاعيين وملاك الارض . واعرف اناسا تحت نظر الشرطة بشكل دائم . والناس وفي اوقات كثيرة هم ضحايا تعسف العدالة المزيفة ، وثمة شخصيات تنحدر من ثلاثة اجيال من عوائل فلاحية، منذ بداية القرن العشرين الى ثورة نيسان 1974، التي اطاحت بالدكتاتورية وهم يتحركون في نسيج رواية: النهوض من الارض " ، The Risen from the Ground ، و هذه الرواية تنهض من الارض مع هؤلاء الرجال والنساء، هم اناس حقيقيون في البداية، ثم شخصيات بعد ذلك . وقد علموني كيف اصبر وكيف اثق واتعامل مع الزمن . انه زمننا ذاته الذي بنانا ودمرنا في الوقت ذاته . بيد ان الشيء الوحيد الذي لم اكن متاكدا من عملية استيعابه بقناعة هو شيء صعب الى حد ما ، ومن نوع تلك التجارب التي تحولت فيما بعد الى قوة فاعلة لدى تلك النسوة واولئك الرجال : وبالطبع ، ان هذا موقف صارم ازاء الحياة . ان هذا الدرس علمني وما زال بعد مرور اكثر من عشرين سنة ساكنا في ذاكرتي، وفي كل يوم يمر علي اشعر بحضوره في أعماق روحي مثل شيء يناديني بإلحاح : انني هنا ، الان على الاقل . وسياتي الوقت الذي سيسرد علينا حكاية الينتيخو .


ما هي الدروس الاخرى، التي ساتلقاها من شاعر برتغالي، عاش في القرن السادس عشر ، والف Rimas and glories ، الريماس والامجاد ،و تتحدث عن الضياع ، والتحرر من السحر والوهم الوطني في Lusiadas ، كان عبقرية شعرية بامتياز و يعد اعظم شاعر في ادبنا ، ولا يهم مبلغ الاسى هذا الذي سببه الى فرناندو بيسو . ليس ثمة درس من دروسه أستفيد منه ، وليس ثمة درس يمكن ان اتعلمه ،في وقت استفدت من ابسط الدروس التي يقدمها لي لويس فاز دي كامي Camoes Luis Vaz de في انسانيته النقية، على سبيل المثال، التواضع الكبير الذي اظهره عندما راح يطرق الابواب للبحث عن شخص يرغب في طبع الكتاب الذي الفه ، بما يتصل بمعاناة ازدراء الجهلاء للدم والسلالة ، ولا مبالاة واحتقار الملك وحاشيتة المتسلطة للشعب، وسخرية الناس التي يقابل بها الجمهور الشعراء، العقلاء والمجانين . على الاقل مرة واحدة في الحياة . وكل مؤلف يريد ان يكون او سيكون لويس دي كامي ، حتى وان لم يكتب قصيدة... Rios Sobolos ،ومن بينهم النبلاء ورجال البلاط ، ومفتشو المخابرات المقدسة ، وغراميات الايام الخوالي . وبين الم القصيدة ومتعة كتابتها .كان هذا الرجل المريض العائد صفر اليدين من الهند ،الذي ابحر مرات عديدة للحصول على ثروة ، كان هذا الجندي الذي فقد بصر احدى عينيه، المنكسر نفسيا، انه الرجل الغاوي، الذي لا يملك شروى نقير، لن يجعل قلوب النساء تخفق في البلاط الملكي الذي كتبت عنه مسرحية سميت : ماذا افعل بهذا الكتاب ؟ ومثلت على خشبة المسرح وبنفس العنوان: ماذا افعل بهذا الكتاب ؟ ويتكرر في نهايتها سؤال اخر، ماذا تفعل بهذا الكتاب ؟ والحقيقة المهمة والوحيدة حتى وان كان لديه جوابا كافيا : ماذا ستفعل بهذا الكتاب ؟ انه مرة أخرى ، تواضع كبير ان يحمل تحت ذراعه رائعته الادبية، وليس من العدل ان يرفضه العالم ! انه التواضع الكبير ايضا ، والعناد ايضا . وأراد ان يعرف ما الذي يضمنه المستقبل للكتب التي نؤلفها الآن ؟ وفجأة شعر بالشك ان كان هذا الزمن سيستمر طويلا وان استمر فالى اين ؟ والسبب المطمئٌن هو اننا لن نسمح للاخرين بخداعنا ..


وهنا، ياتي رجل الى العالم اخذت الحرب يده اليسرى ، وتجيء إمرأة الى هذا العالم تحمل قوة غامضة ، يا الهي ! انها ترى ما تحت جلود الناس. اسم الرجل بالتزار ماثيوس ويكنى ب : الشموس السبع ، وتسمى المرأة بليموندا وتكنى بعد ذلك ب: الاقمار السبعة ، لانه من المنطقي جدا حينما توجد شمس لا بد من وجود قمر . وهذا هو الحضور الهارموني الوحيد الذي يوحد بين احدهما بالاخر ، من خلال حب يجعل الارض جديرة بالحياة . وثمة قس كاثوليكي يسمى بارتولوميو الذي اخترع عربة قادرة على السفر الى السماء ، تحلق دون وقود، وتسيرها مشيئة الانسان ، الارادة التي يقول عنها الناس بامكانها ان تفعل أي شيء، والإرادة التي لا تفعل، والإرادة التي لا تستطيع ان تفعل شيئا وما تعرف كيف تفعل ، وحتى الآن ما أرادت ان تفعل ، لتكون شمس وقمر ذلك الرجل وتلك المرأة . هؤلاء البرتغاليون الثلاثة الذين عاشوا في القرن الثامن عشر ، قرن الخرافة وأفكار الغرور وجنون عظمة ملك ، يشيد ديرا للرهبنة ، وقصورا للحكومة والكنائس ليذهل بها العالم الخارجي ، إذا كان افتراض ذلك العالم غير محتمل ، في ان يملك عيونا لرؤية البرتغال ، عيون مثل عيون بليموندا العيون التي ترى ما خفي ... وهنا ، ايضا ، تأتي آلاف الحشود وآلاف الرجال ، بايد سميكة ومتسخة، وأجساد منهكة ، بعد ان بقيت سنوات وسنوات، ترفع الحجر بعد الحجر، لبناء جدران الدير الصلبة وغرف القصر الفخمة ، والأعمدة والابراج الهوائية للكنيسة، وقممها المعلقة في الهواء. وأصوات نسمعها آتية الينا من قيثارة سكارلاتي دومينيكو ، ولا ندري ان كانت تضحك او تبكي تلك الأصوات – هذه هي قصة بالتزار وبلوميندا . وما قدما من درس لزمن طويل ، يعود الى زمن جده خورونيمو وجدته خوسيفا ، واستطاع ان يكتب عبارات تقترب من عبارات الشعر ، بالإضافة الى حديث المرأة والأحلام التي تحمل العالم في مداره ، ولكنها أحلام أيضا توجهها الأقمار لذلك نرى روعة السماء في مخيلة الرجال ، وما لم تكن مخيلتهم هي السماء إذن ، لتكن هي السماْء .


وفي مرحلة المراهقة ، تعلم بعض الدروس ، تعلم من نصوص كتب بعض الدروس ، تعلم بعض النصوص حينما كان في المدرسة التقنية في لشبونة ، وكان مهيئا لمهنة ستكون بداية حياته العملية: الميكانيك ، كما سيتعرف على بعض الشعراء الجيدين . وخلال ساعات المساء الطويلة كان يقرأ عشوائيا في المكتبة، رغم وجود فهارس للعناوين، دون الاعتماد على مرشد، لا احد ينصحه ، وبمتعة البحار المبدع كان يخترع كل مكان يكتشفه ، ولكنه بدأ الكتابة في مكتبة المدرسة الصناعية، كان الكتاب الأول له: سنة وفاة ريكاردو ريس The Year of the Death of Recardo Rias.... وهناك ، وفي احد الأيام كان الشاب الميكانيكي ( في السابعة عشرة تقريبا ) قد اكتشف مجلة اسمها ، Alenta، تحتوي على قصائد موقعة بذلك الاسم ، ومن الطبيعي ، ان تكون معرفته بالخارطة الأدبية فقيرة في بلده . وقد اعتقد انه الشاعر البرتغالي ريكاردو ريس ، ومع انه ، اكتشف أن هذا الشاعر هو فرناندو نوغويرا باسوا الذي وقع اعماله بأسماء شعراء ليس لهم وجود إلا في مخيلته وأطلق عليهم heteronyms ، وهي كلمة غير موجودة في قواميس ذلك الوقت ،ولهذا السبب ، كان من الصعوبة بمكان لصانع أن يعرف ما ذا تعني تلك الكلمة .(الآن تعني التبعية أو فقدان تقرير المصير . المورد الحديث 2009.. المترجم ) وقد تعلم ذلك الصبي كثيرا من قصائد ريكاردو عن طريق الحفظ ، (" ان تكون عظيما كن واحدا ") ولكن بالرغم من انه كان شابا وجاهلا للأمور ،فهو لا يستطيع ان يقبل ذلك العقل الكبير ،ولا يستطيع ان يتخيل حقا ، دون ندم . الخط المتشدد في الحياة ويعتقد " إن الحكيم هو الذي يكون مقتنعا بواقعية مشهد العالم " واخيرا فالصانع الان ، الذي وخط الشيب رأسه امتلك حكمته الخاصة ،وأمسى مقتدرا على كتابة رواية ليظهر فيها شاعر الاوديسا ويظهر ايضا فيها شيئا عن مشهد عالم 1936، حين وضعه خارج ايامه القليلة الماضية : ان احتلال الراين لاند من قبل الجيش النازي وحرب فرانكو ضد الجمهورية الاسبانية وخلق سالازار للميليشيا البرتغالية كانت طريقته في السرد: هنا هو مشهد العالم وشاعري المعبر عن الألم الجلل وغطرسة الشكوكية . استمتع ، أشاهد ، منذ أن امسيت حكيما .


انتهت، سنة موت ريكاردو ريس ، بهذه العبارات الحزينة جدا " هنا ينتهي البحر ، هنا ، تنتظر الأرض ." وهكذا، اذن ، لم يعد ثمة اكتشافات جدية يقوم بها البرتغاليون، كما لم يعد أمامهم غير الانتظار اللانهائي المحتوم ، لمستقبل غير منظور ، انه قدر اعتيادي ... و على صانع الروايات بعد ذلك ان يتخيل انه ما زال ثمة البحث عن إمكانية إرسال سفن مرة ثانية للمياه ، وعلى سبيل المثال ، تحريك الارض ومن ثمة الانطلاق نحو البحر، والقطاف السريع لاستياء البرتغاليين الجمعي ، نتيجة الاحتقار التاريخي لأوربا ( وإذا ارتأينا الدقة هو ثمرة استيائي انا ...) والرواية التي كتبتها ثمة هي – طوف الحجر – موضوعها ، انفصال جزيرة أيبيريا كلها عن القارة وتحويلها إلى جزيرة طافية ، وتحريكها بلا مجاديف ، وبلا إبحار ، ودون رفاصات ، باتجاه جنوبي . وتغطي كتلة الحجر المدن، والقرى، والأنهار، والغابات، والمصانع، والأعشاب ، وأراض مزروعة ، بناسها وحيواناتها " في طريقها إلى يوتوبيا جديدة: واجراء لقاءات ثقافية للجزيرة مع شعوب في الجانب الآخر من المحيط الأطلسي ، وبهذا يكون التحدي - وستراتيجيتي تذهب الى ابعد من ذلك – وممارسة دور الخنق على المنطقة من قبل الولايات المتحدة الاميركية ... ورؤية اليوتوبيا الثانية ترينا هذا المخيال السياسي أكثر قوة واستعارة إنسانية : ان اوربا كلها ، ستنتقل الى الجنوب لخلق موازنة في العالم كتعويض عن تعسفها الكولونيالي الراهن والماضي ، وهكذا ، فان اوربا في نهاية الأمر، ستكون مصدر الوثنية . أما شخصيات الرواية : إمرأتان وثلاثة رجال وكلب وكلهم يسافرون باستمرار الى الجزيرة ، كلما ثار المحيط عليهم . والناس يتغيرون ليجدوا في دواخلهم أشخاصا آخرين وسيتحولون (ويهملون الكلب لأنه لا يشبه الكلاب الأخرى)، وهذا ما فيه الكفاية لهم ..


واستحضر الصانع الزمن البعيد لحياته التي مارس فيها تصحيح تجارب الطبع : وهكذا ، اذا اردنا القول،انه في : طوف الحجر،The Stone Raft ، قد غير المستقبل ، ولا نستطيع ان نقول كلاما سيئا عن تغيير الماضي ، وكتبت رواية اسميتها : تاريخ حصار لشبونة " في الوقت الذي كان مصحح تجارب الطبع يصحح كتابا بنفس العنوان ولكنه ،اي الكتاب ليس رواية بل ، تاريخ حقيقي عن حصار لشبونة. وقد أتعبني التفكير ، كيف ان " التاريخ " يستطيع ان يدهشنا ، ويقرر ان يستعيض كلمة " نعم "ب "لا " ويدمر سلطة " الحقيقة التاريخية " وكان ثمة رجل بسيط مصحح تجارب طبع ، يدعى رايموندا سلف ، يتميز عن الاخرين ، باعتقاده ان كل الأشياء لها جوانبها المرئية ، في الوقت ذاته لها جوانبها اللامرئية . لذا ستبقى معرفتنا ناقصة بالأشياء ، ما لم نتمكن من معرفة كلا الجانبين للأشياء . وقد تحدث عن هذا بطريقة تاريخية هكذا : يجب ان اذكركم ان مصححي التجارب الطباعية هم افراد جادون ، ويملكون تجارب كثيرة في الأدب والحياة ، ولا تنسوا ان كتابي يتعامل مع التاريخ " وعلى كل حال ، أنني لا املك نوايا قصدية في توضيح تناقضات أخرى . وفي رأيي المتواضع ، يا سيدي ، ان كل شيء ليس ادبا هو حياة ، والتاريخ ايضا هو تاريخ بصورة خاصة ، وبدون نوايا سيئة . وهذا ينطبق على الرسم والموسيقى، فالموسيقى مثلا ، تقاوم منذ الولادة الاتية والذاهبة ، ان تحرر ذاتها من الكلمة ، والرسم هو لا شيء ، اكثر من ادب ينجز عن طريق فرشاة الرسم ، وهنا ، انني اثق بكم ، لا تنسوا ان البشرية قبل معرفتها بالكتابة ، بدأت بالرسم . وهنا ، ايضا اذكركم بالمثل الشعبي : "اذا لم يكن لديك كلب ، اذهب واقنص بالقطة." بعبارة اخرى ، ان الانسان الذي لا يستطيع الكتابة والرسم ، كما لو انه طفل . ماذا تحاول ان تقول، بعبارة اخرى ايضا ، هل ان الادب موجود قبل ان يولد ؟ نعم ، يا سيدي ، بطريقته للكلام ، انه موجود قبل ان يأتي للكون ، وانه لمما يدهشني ، انكم افتقدتم نداءكم الباطني ، يجب ان تكونوا فلاسفة ، او مؤرخين ، يجب ان تكون لديكم نزعة تمييز للتمرد ، تحتاجونها لهذه المعرفة . وانكم بحاجة الى التمرين الضروري ، ماذا يستطيع رجل بسيط ان ينجز عملا ما دون تدريب؟ انني اعد نفسي اكثر من محظوظ حينما جئت الى هذا العالم وانا احمل جيناتي بانتظام ، بيد انني ما زلت خاما ، كما كنت ، وحينما كنت طفلا غرا لم اتلق تعليما خلال المدرسة الابتدائية . ويمكن تقديم نفسي على انني حاصل على تعليم ذاتي ، وحاصل على ثروتي بجهود ذاتية ، وليس ثمة ما يخجلني ، فالمجتمع في الماضي يفتخر بتعليمه الذاتي ، ثم جاء التقدم ووضع نهاية لذلك ، والتعليم الذاتي الان يعبس بوجه اولئك الذين يكتبون اشعارا مسلية ، وقصصا تعتمد على ثقافة التعليم الذاتي ، اتمنى لهم حظا سعبدا ، ولكن ما يتعلق بي يجب ان اعترف انني لا املك موهبة في الابداع الادبي ، وكي تكون فيلسوفا ايها الرجل ، يجب ان يكون لديك احساس حاد بالسخرية ، ونزعة تهكم متميزة ، وهنا ، اتساءل مع نفسي كيف حدث ان تكرس نفسك للتاريخ ، وللعلوم الجادة والعميقة ، انني اسخر من الحياة الواقعية .


، وما يدهشني دائما هو ان التاريخ ليس حياة واقعية ، بيد ان الادب هو الحياة الواقعية ، ولا شيء آخر غيره ، ويمكن ان نطلق عليه تاريخا، وهكذا ، انك تعتقد يا سيدي ، ان التاريخ هو حياة واقعية ، وبالطبع ، اعترف انني ، اعني ان التاريخ هو حياة واقعية ، ولا شك في ذلك ، وما ذا سيحل بنا اذ كان مصحح بروفات الطبع يؤشر لنا علامات الحذف الطباعية . هو غير موجود اصلا . انه من العبث ان نضيف ان صانع الروايات قد تعلم مع رايموندو سلف درسا في الشك ،كان ذلك عن الزمن .


حسن ، ربما أن تعٌلم الشك هذا ، هو الذي دفعه الى كتابة رواية : The Gospel According to Jesus Christ، واستطرد أيضا ، كان عنوان الرواية نتيجة خداع بصر ، ولكن من الانصاف ان نسأل إن كان ذلك ، مثالا شفافا لمصحح تجارب الطبع الذي بقي طيلة هذا الوقت ، يهيء الارضية من اي منطلق ستتدفق كتابة الرواية الجديدة ، وهذه المرة ليس النظر من خلف صفحات العهد الجديد ،New Testament بحثا عن التضادات ، ولكن من اجل إنارة مظهرها الخارجي ،مثل لوحة يسلط عليها ضوء خفيف لإظهار وضوحها ، وآثار تقاطعاتها ،وظلال تقعرات سطحها . هكذا يقرأ الصانع ، وهو الان محاط بالشخصيات الإنجيلية ، كما لو انه لاول مرة، يقرأ وصف مذبحة الأبرياء ، ثم يستمر بالقراءة ، بيد انه .لم يستطع أن يفهم في ذلك الحين ، ثمة شهداء في الدين عليه أن ينتظر ثلاثين سنة ليصغي إلى مؤسس لفظ كلمته الاولى (هنا يعني المسيح ، المترجم ) ، ولم يقدر ان يفهم لماذا كان الشخص الوحيد الذي فعل ذلك كي لا يجرؤ على إنقاذ حيوات أطفال بيت لحم ، ولم يستطع أن يفهم حاجة المسيح إلى مشاعر الحد الأدنى من المسؤولية ، والندم ، والذنب ، وحتى الفضول ، بعد عودته وعائلته من مصر .ولم يستطع ايضا ان يناقش ليدافع عن ضرورة موت اطفال بيت لحم لانقاذ حياة المسيح : والاحساس العام البسيط هو ان يشرف على كل الاشياء على الارض وفي السماء . هل هناك من يذكرنا ان الاله لم يرسل ابنه الى الارض ، وبشكل خاص مع بعثة فداء ذنوب البشرية بقطع راسه من قبل جند هيرود وهو في الثانية من عمره ... وفي الانجيل الذي كتبه الصانع بعناية شديدة ليكون دراما عظيمة كي يدرك المسيح ذنبه ، وسيقبل عقوبة ذنبه الذي اقترفه ويقتاد للموت في الغالب دون ان يبدي ادنى مقاومة ، كما لو ان هذا اخر ما تبقى له في الحياة لتوضيح اعترافاته وكشف حساباته للعالم. وإنجيل الصانع ليس في النتيجة أسطورة تنور الكائنات المقدسة والآلهة ، ولكن قصة كائنات إنسانية قليلة هدفها محاربة سلطة لا تستطيع دحرها. والمسيح الذي سيرث النعل القذر الذي انتعله والده في طرقات مدن كثيرة ، سيرث أيضا المشاعر التراجيدية في المسؤولية ، والذنب اللذين لن يحرمانه حتى عندما يرفع صوته من أعلى قمة الصليب ،" أيها الناس ، اغفروا له لأنه لا يعرف ماذا فعل ؟ " والإشارة هنا بالتأكيد إلى الرب الذي أرسله الى هناك ، ولكن ربما أيضا إن كان ذلك الألم الأخير ما زال يذكره بوالده الحقيقي الذي عممه على الناس ، وكما تستطيع ان ترى الصانع الآن قام برحلة طويلة في إنجيله المهرطق وكتب الكلمات الأخيرة عن حوار المعبد بين المسيح والناسخ " الذنب هو ذئب يأكل جروه بعد أن يلتهم والده ، الذئب الذي تتحدث عنه الآن ، قد التهم والدي ، وسيأتي حالا دورك والذي من حولك أيضا ، وهل سبق لك ان التهمك ذئب ؛ ليس التهام حسب ، إنما يتقيأك أيضا!


هل ان الامبراطور شارلمان لم يؤسس ديرا في شمال المانيا ، وهل ان ذلك الدير لم يكن من اصل مدينة ميونستر ، وهل ان ميونستر غير راغبة في الاحتفال بالذكرى المائتين بعد الألف بعزف أوبرا حرب القرن السادس عشر المرعبة بين البروتستانت والكاثوليك ، فان الصانع لم يكتب مسرحيته Nomine Die IN، اكثر من هذا ، دون مساعدة أخرى، أكثر من إنارة خفيفة لمبرره ،فانه اي الصانع سيؤول الى متاهة غموض القناعات الدينية ، تلك القناعات التي جعلت ببساطة البشرية يقتل بعضها بالبعض ، وماذا رأى ،مرة أخرى غير هذا، رأى قناع التسامح البشع ،ذلك التسامح في ميونستر تحول إلى حمى جنون ،ذلك التسامح الذي أهان حركة مزاعم كلا الطرفين في الدفاع عن نفسيهما . لان ما حدث ليس مسالة حرب باسم إلهين متحاربين ،ولكنه حرب باسم إله واحد ، إلههما ، وقد عماهما الإيمان ، إيمان البروتستانت وإيمان الكاثوليك على حد سواء لمدينة ميونستر ،وكانا غير قادرين على تفهم الوضوح التام لكل التجارب: وفي يوم القيامة، حينما يأتي الطرفان ويتقدمان لتسلم الثواب أو العقاب ، على أعمالهما التي اقترفاها في الحياة الدنيا ، أما الإله – إن كانت قراراته محكومة بمنطق شبيه بمنطق الإنسان – فانه ، بهذا سيدخل الجميع في الجنة، لسبب بسيط جدا ، هو ، إنهم جميعا امنوا به . والذبح الفظيع في ميونستر علم الصانع ان الأديان بالرغم من إنها أقسمت كلها ،لم تعتاد أن تجلب الناس كلهم ،معا وان العبث لجميع الحروب هو حرب مقدسة ،معتبرة بذلك إن الإله لا يستطيع حتى وان استطاع إعلان الحرب على نفسه .


العمى ، فكر الصانع " جميعنا عمي " ثم جلس، وراح يكتب " العمى " ( العمى رواية لساراماغو . المترجم ) ليذكر أولئك الذين ربما يقرؤون هذه الكلمة. وربما نضلل العقل حينما نحاول أن نهين الإنسانية ،ذلك أن الكرامة الإنسانية ،تهان كل يوم من سلطة عالمنا، وان موقع الكون حلت محله الحقائق الجمعية ،لذلك فقد الإنسان احترامه عندما فقد احترام الآخرين ،ومن ثم فان الصانع كما لو انه يجرب طرد الأرواح الشريرة بالرقي والتعاويذ التي نشرتها الوحوش بسبب عمى العقل ، راح يكتب ابسط القصص : احد الأشخاص ينظر بوجه الآخر ، لأنه أدرك أن الحياة ليست شيئا مهما يطلبه من الإنسانية .ورواية كل الأسماء ، غير مكتوبة ،كل أسمائنا هي هناك . أسماء الأحياء وأسماء الموتى .



ختاما ،الصوت الذي يقرأ هذه الصفحات يريد أن يكون صدى أصوات موحدة لشخصياتي ، فانا لا املك كما كنت صوتا أكثر من أصواتها ، واعذروني إن كان بدا لكم هذا قليلا ، فهو شيء كثير بالنسبة لي ..



* خطبة خوزيه ساراماغو أمام الأكاديمية السويدية في ستوكهولم أثناء تسلمه جائزة نوبل عام 1998..


ترجمها من اللغة البرتغالية الى اللغة الانجليزية تم كروسفيلد وفرناندو رودريغو..




خضير اللامي
كاتب ومترجم عراقي مقيم في السويد
alaame2003@yahoo.com
مقالات اخرى للكاتب

لا يوجد

القائمة الرئيسة
البحث