الثلاثاء, 16 تشرين الأول 2018
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
ليلى والقرد 6-7-8-9
سعد هادي
ليلى والقرد 6-7-8-9
سعد هادي

 


 


(6)


عثر موسى على رفيق له في القطار،عجوز نحيف، شبه احدب، كان يجلس في الممر على كرسي صغير، يدخن بلا انقطاع سكائر ذات رائحة لا تطاق ويقهقه في وجه أي عابر أو ينشغل حين يخلو الممر بكتاب مصور كبير يحمله معه .


 ذهب موسى إليه ثم عاد ليقول :


-         انه واحد من نحاتي فلورنسا المشهورين، تخيل .. كان في فيينا حيث أنجز تمثالا للملكة وسيذهب إلى الفاتيكان ليرى ماذا يريد البابا منه.


كان مظهر العجوز يوحي بأنه شحاذ قبل أن يوحي بأي شيء آخر.


-         موسى ، هل قال ذلك حقا أم …؟


-         انه أمامك وبإمكانك أن تسأله .. سنيور .. تعال ….تعال معنا


جاء السنيور وتمدد فوق المقعد ووضع قدميه عند حاجز النافذة وبدأ يهذي ويدخن ويتمخط حتى وصلنا إلى فلورنسا .


*


ضاع موسى في الاوفتسي بياتسه، حمله الرسامون الذين يجلسون في الساحة على أكتافهم ونقلوه من كتف إلى كتف وطافوا به وهم يرددون أي كلام يخطر في أذهانهم، كانوا كالمجانين الذين عثروا أخيرا على ملك لهم ، ثم أخذوه معهم واختفوا .


قال ربيع الصراف  الذي كان يراقب ما يجري  ببرود :


-         انهم قردة مثله .


دعاني إلى بار قريب وهو يرزم أشياءه ويضعها في حقيبة صغيرة .


سألني في الطريق :


-         متى وصلت ؟


-         اليوم فقط … مع موسى .


-         موسى الساقط .. ( و استدرك حين رأى رد فعلي المفاجئ)لا تستغرب..كنت اسميه هكذا لأنه …


-         …………. ؟


-                     في الحقيقة كلمة ساقط لم تكن عنه بل قيلت في وصف رجل آخر اسمه موسى أيضا من جلاس مقهى المعقدين .. ألا تتذكرها ؟.. كان يأتي في وقت متأخر كل ليلة فيسأله أحد الحضور: ما هي الأخبار يا موسى ؟ فإذا قال ناجح فذلك معناه إن العرق موجود .. أما إذا قال: ساقط فيعني ذلك انه لم يجد عرقا.. ولأنه كان يردد باستمرار : ساقط سواء كان لديه عرق أم لا فقد سماه الجميع موسى الساقط .. وكان لي دور في نقل التسمية إلى القسم الداخلي حيث كان صاحبنا موسى يعمل  فراشا .. يبدو انك لا تعرفه .. ربما،علاقتك معنا كانت في حدود المقهى المشؤوم.


شربنا البيرة ببطء ، خلع ربيع نظارته المدورة ووضعها على المائدة ، لم اكن اعرف عنه أشياء كثيرة ، كان يبدو لي عصبيا وحادا ومحدود الموهبة أو هذا ما كان يشاع عنه ورغم تكرار لقاءاتنا في المقهى والقسم الداخلي لكنه لم يكن صديقي .


سألته :


-         هل تظن إن فارس سيعود ؟


قال :


-         ربما ، لقد اختفى فجأة .. اختطفته سائحة جائعة ..هاهاهاها..لا يزال قلقا وسريع النسيان وقليل الاهتمام بنفسه .


 نهض ووضع قطعة نقود في صندوق الموسيقى فانبعث لحن أخاذ ثم جلب زجاجتين أخريين و سألني :


-         أليس لحنا دمويا .. ألم يسبب لك صدمة … هاهاهاها .انه اشهر لحن في هذه الأيام .. اصغ له بهدوء و ستحس كم هو دموي ..


*


كانت الساحة شبه فارغة حين عدنا إليها، وحده سامي رشيد كان يجلس في الجانب القريب من النهر يرسم صورة كاركتيرية لسائح إسباني. كان ينكت ويغني بالإيطالية ونهض مرتين ليقيس بمسطرة صغيرة انف الرجل ورقبته ثم عاد ليواصل الرسم .


   في الجانب الآخر من الساحة كانت عربات الملابس والأحذية والكتب وتذكارات السياح تغادر عربة بعد أخرى مثل علب كبيرة مغلقة إلى جانب عربات أخرى ما تزال بانتظار من يغلقها ويرفع أشياءها من الأرض وثمة مجاميع من الشبان تتنقل بين العربات المفتوحة كأنها تؤدي مشهدا مسرحيا صاخبا أو عرضا للقوة : صياح وحركات سريعة وشتائم وقفزات بهلوانية وكانت الأشياء المتناثرة على الأرض أو على المصاطب تتنقل بخفة بين الأيدي ثم تستقر على رفوف العربات وأدراجها حيث يعيد ترتيبها شابان أشار ربيع إلى أحدهما قائلا :


-                     انه صديقك البروليتاري ماجد.لقد نقل عدوى حب الشغيلة وآلامها إلى فلورنسا.. هاهاهاهاهاها ، انه حب دموي  لا فرار منه.


كان ماجد قد تغير كثيرا ، ذهبت بدانته واصبح اكثر وسامة .


 صاح ربيع :


-         ماجد .. انظر من جاء .. هل تتذكره ؟


ابتسم ماجد ببرود و لوح لي بيده ثم عاد ليعمل .


كنت أتوقع أن يتقدم باتجاهي أو أن يقول شيئا ما أو يطلب مني الانتظار حتى ينتهي من عمله وقلت لنفسي انه مشغول ومتعب ثم مرت لحظات بطيئة ، حزينة، مبللة بعرق الحمالين وشتائمهم ونقيقهم المتصل سرعان ما تبددت حين اختفى ماجد يتبعه ثلاثة ممن كانوا معه  في عتمة الأروقة المحيطة بالساحة دون أن يقول وداعا .


*


عبرنا جسر فيكو القديم الذي كنت اعرفه من خلال بطاقة بريدية بعثها لي فارس ثم سرنا بمحاذاة النهر .


قلت :


-         أتعرف .. إلى أين اخذوا موسى ؟  


-         سينتقلون به من حانة إلى أخرى ومن شارع إلى آخر ثم ينام مع أحدهم هذه الليلة وفي الصباح سيطردونه ويلاحقونه في فلورنسا كلها .. هذا ما أتوقعه.


سكت للحظات ثم سألني :


-         هل روى لك موسى قصة حياته ؟


-         نعم .


-         إنها مجموعة أكاذيب وخرافات ومواقف منتزعة من حيوات الآخرين … موسى كذاب كبير .. ألا ترى ذلك ؟


لم اقل شيئا . مر بنا عاشقان وتبادلا القبل وضحكا ، المرأة في فستان ازرق طويل مفتوح من الوسط أما الرجل فيرتدي بذلة رسمية سوداء ، كلاهما رشيق وطويل.


قال ربيع :


-                     سأتركك هنا ، لدي موعد .. هذا عنواني وهذا عنوان فارس،انه قريب من هنا، اذهب إليه،ربما ستجده أو انتظرني في البار الذي جلسنا فيه قرب الدوما بعد ساعة، سأذهب الآن ، هل تحتاج إلى شيْ .


-         لا ، شكرا .


ابتعد ربيع فجلست على مصطبة حجرية قرب النهر ، أحسست إنني متعب تماما،  بحاجة إلى أن أنام نوما عميقا لليلتين متصلتين ادخل بعدهما إلى حمام شرقي كالذي يتخيله موسى ، حيث يتم عجني وتركيبي من جديد وإعادة إنضاج جسدي في قدر بخاري كبير . أما فلورنسا الأنثى اللذيذة التي تسترخي في أخريات نهارها فهي الأخرى بحاجة إلى قدر هائل من الفخار تغطس فيه لتزيل ما علق بها من آثام وخطايا عبر العصور وإلى آلة عصر بحجم القدر تقوم بتنشيفها وكيّها ثم تعيدها يد جبارة إلى مكانها وتثبت حدودها بالطباشير وأثناء انتقال المدينة إلى السماء لإتمام هذه العملية يُترك نفر من الرسامين الصعاليك يقودهم موسى في الفراغ الأرضي الذي كانت المدينة تحتله وتُترك لهم سيوف خشبية وخوذ ودروع من الورق لحماية هذا الفراغ المقدس من هجمات السياح والرعاع ولا بأس من تزويد هؤلاء الرسامين بما لا يحصى من قناني النبيذ والبيرة وصحون الطعام والأغطية والأقلام والخيول الورقية .. الخ الخ .


 


*


لم يكن البيت الذي يسكنه فارس بعيدا ، وصلت إليه بلا مشقة ،بحثت عن الجرس فلم أجده فطرقت بشدة على البوابة الحديدية السوداء ، لم يرد علي أحد في البداية ثم مد كلب كبير رأسه من نافذة علوية ونبح باتجاهي وظهر بعد ذلك رأس فتاة تضحك أعقبه رأس امرأة عجوز ثم عاد رأس الكلب للظهور ثانية ومعه رأس اصلع وكبير لرجل في الخمسين تقريبا .


صحت بقوة:


­­-I need senior Faris


فرد  الرجل بغضب :


-No Faris..  No..  go away


وتردد كلام بالإيطالية خلف النافذة ثم أغلقت بشدة .


*


   عبرت جسر فيكو وحدي هذه المرة ، توقفت عند واجهات المتاجر بآلية ودون تركيز متأملا طرازها وزخارفها والأشياء المعروضة فيها ، لا رغبة لدي في التسكع، الأزقة المتتالية شبه مظلمة تسعى في ظلالها السود أقدام خفية لكائنات قادمة من المتاحف والمقابر ومشاغل النحاتين والرسامين ومن صفحات الأسفار القديمة.إنها تأتي من كل الجهات وتذهب إلى كل الجهات،حاملة رائحة الماضي .


   وصلت إلى البار الذي أخذني إليه ربيع، جلست قرب الواجهة الزجاجية وشربت ببطء زجاجة بيرة صغيرة .


   لا ادري ماذا سأفعل إذا لم يحضر فارس ؟ .. علي أن أجد مكانا في فندق رخيص وأن أنام قليلا وأن استحم ثم علي أن اعد نفسي للأيام القادمة .. أنا الآن في مفترق طرق وعلي أن اختار .


بعد ثلاث زجاجات بيرة وقليل من الويسكي انفتحت شهيتي .. أكلت قطعتي بيتزا مع صحن مرق وفخذ دجاج مسلوق ثم شربت قنينة فينو احمر .


جاء ربيع وجلس أمامي دون أن يقول شيئا ، ظل يحدق في وجهي .


-         عيناك حمراوان .


-         أنا ثمل قليلا .


-         ستأتي معي هذه الليلة ثم نبحث لك غدا عن مكان .


-         شكرا ..


-         هل نذهب الآن ؟


أومأت برأسي : نعم .


دفع الحساب وخرجنا ، سرنا معا مثل غريبين.اكتشفت إنني أترنح وبالكاد أستطيع اللحاق بربيع أو تمييز كلماته وفي إحدى الأزقة المظلمة خيل لي انه كان يردد دون أن يفتح فمه :عيناك حمراوان .. عيناك حمراوان .. عيناك حمراوان .


 


*


أيقظني ربيع في التاسعة ، ارتدى ملابسه على عجل وقال :


-         سأعود بعد ساعة .


نهضت وجلست لدقائق عند النافذة . نظرت إلى الزقاق الخالي وإلى شرفات ونوافذ و أبواب البنايات ثم عدت إلى السرير .


   نمت بعمق طوال الليل ولم استيقظ إلا عند الفجر . رأيت ربيع وهو يذهب إلى الحمام .ثم رأيته يجلس عند حافة السرير ويدخن ، كان وجهه حزينا وأصابعه ترتعش ثم اضطجع ثانية واستسلم لنوم عميق ، نمت أنا أيضا . 


كانت لوحات ربيع وتخطيطاته تغطي الجدران ، لعله قد تطور قليلا ولكن أسلوبه ما يزال بحاجة إلى أشياء كثيرة : قوة في الخط ووضوح وشيء من الخيال وبينما كان يمتلك اقل ما يمكن من الموهبة كان لديه اكثر مما يجب من الاعتداد بالذات وكان سريع الاهتياج ولديه إحساس مرضي بان اقل ملاحظة حول رسومه هي إهانة شخصية له مما يجعله شرسا وعدوانيا باستمرار ولا ادري لماذا أطلق عليه زملاؤه لقب غوغان وظل ملازما له ، هل لشراسته أم لشبه بعيد بينه وبين غوغان أم لأنه كان يقلد رسومه ولكني على يقين انه كان وما يزال سعيدا بهذا اللقب ويعتبره اعترافا ضمنيا بموهبته رغم إن أحدا لم يكن يجرؤ على  ذكره بشكل صريح أمامه . كان يأتي إلى مقهى السرور  وحيدا ويخرج وحيدا ونادرا ما كان يتكلم مع أحد ، كانت المقهى مزدحمة دائما : طلاب فن ، طلاب جامعيون، معلمون متقاعدون، دلالون ، مدمنو سباق الخيل ، موظفون من الدوائر القريبة ، جنود ، شيوخ بلا مهن وبلا أعمار محددة . ولعل موقع المقهى (كانت تقع في بداية شارع الأمين،خلف تمثال الرصافي) ونظافتها وطراز مقاعدها ولمسة الذوق في أشياء كثيرة فيها ثم الساقي الشاب في ثياب بيض نظيفة بدلا من شيخ أدرد يتمخط ويمسح أصابعه في بنطلونه كل ذلك جعلها أشبه بمحطة صغيرة تضم كل الوجوه . كان الرسامون ابرز من يتردد على المقهى ، يدخلون إليها وهم يتأبطون فايلاتهم الكبيرة في ملابس قديمة وشعور ولحى طويلة،يجلسون صامتين أولا، يحدقون في الوجوه ثم يستلون أوراقا ويشرعون في الرسم.كانوا يختارون الوجوه الكئيبة ، ذات الغضون ، المجعدة ، التي ترك الزمن عليها آثاره . و أثناء الرسم يتظاهرون بأنهم يدونون أشياء خاصة وتتجه أنظارهم إلى العابرين في الشارع أو إلى بعضهم أو إلى الأرض حين ينتبه الشخص المرسوم و يلتفت بغضب ، الشيوخ تعودوا على ما يفعله الرسامون بل إن رواد المقهى اعتبروا ذلك جزءا من تقاليدها وربما حدثت مشادة أو مشادتين أو تكررت جمل حادة مثل:يكفي هذا، لست بهلوانا أو لماذا تحدق في وجهي أو هل تريد أن تصنع شبيها لي. ولكن الأمر كان ينتهي بسلام دائما إذ تختفي الأوراق وتوضع الفايلات جانبا وينشغل الرسامون لدقائق بالحديث مع بعضهم ثم يعودون بعد هدوء الضجة ليرفعوا فايلاتهم مختارين هذه المرة وجوها اكثر شبابا واكثر سماحة .


   في مقهى السرور تلك والتي اكتشفتها بالصدفة وكنت مهووسا بها وبرساميها تعرفت على فارس احمد أو بشكل أدق رأيته لأول مرة ، كان طويل القامة، نحيلا، هادئا يحمل معه باستمرار كتابا صغيرا لرسوم مودلياني ويحاول أن يقلد طريقته في الرسم:الوجوه المسطحة،الأعناق الطويلة،المساحات اللونية المتناقضة، الخطوط الحادة وذلك الشجن الذي يشحن الوجوه والأجساد . 


لقد سحرني مودلياني الذي بين يدي فارس ، سحرتني رسومه عن بعد واقترن  الرسام والمريد في صورة واحدة واكتشفت إن فارس هو الآخر ينظر إلي ، كان سيعطيني الكتاب أو يمزقه أمامي أو يتركه على مقعده لو إنني تجرأت وقلت له كلمة واحدة ولكنني كنت خجولا مثله.


أتذكر إن فارسا قد نقل إعجابه بمودلياني إلى الجميع ولكن ربيع وحده كان يردد :


- ماذا يعجبكم في مودكلياني هذا ( مشددا على الحرف الأوسط الذي لا يلفظ في


اسم مودلياني Modigliani ) انه رسام تافه ، انه رسام كاركتير .


كنت اهرب من مدرستي وألوذ بالمقهى واستغرقني حلم أن أكون رساما وتقمصني تماما حتى إنني قررت أن احمل فايلا كبيرا محشوا بالأوراق وأطيل شعري واحشر نفسي بين الرسامين،أجالسهم وأحاور أي واحد منهم في أي شيء ثم امضي مع من يتبقى منهم في ذلك الطريق الساحر الذي يمتد عبر شارع الرشيد إلى واحدة من حانات أبي نؤاس أو إلى مصطبة على دجلة حيث نجمع آخر الدراهم في جيوبنا لنشرب عرقا صرفا مغشوشا .


في تلك الأيام بدأ ماجد خليل يتردد معي إلى المقهى ، كنا في صف واحد ، طالبين كسولين نجلس في المقاعد الخلفية، نتبادل الكتب والمجلات ونخربش أي شيء يخطر في أذهاننا .


كان ماجد طريفا ومرحا ومؤدبا ولكنه كان يتصرف بحذر دائما مع الآخرين  ويراقب تصرفاتهم ثم صارحني بميوله وطلب مني أن اقرر إما الانضمام إلى تنظيمه السري أو أنسى الأمر تماما . فكرت لأسبوع ثم قلت له ونحن نتسكع في الوزيرية :


-         ماجد .. سأكون رساما فقط .


و بعد أيام قليلة اقتحم رجال الأمن المقهى وتم القبض علينا أنا وماجد وثلاثة آخرين بتهمة الانتماء إلى تنظيم سري ، حشرنا في غرفة صغيرة مع سبعة آخرين في شقة في شارع الكفاح وجرى تحقيق مطول معنا ولم اكن اعرف بماذا أجيب أمام الأسئلة المتتالية إذ لم يكن يربطني بماجد في حقيقة الأمر سوى سؤال عابر وإجابة غامضة .


ثم أطلق سراحي و أطلق سراح ستة آخرين أما ماجد فلم يعرف عنه أي شيء منذ ذلك الوقت .


ذهبت إلى المقهى فاكتشفت إنها أغلقت وإن رساميها ومشرديها وصعاليكها تحولوا إلى مقاه أخرى . سألت عن فارس فقيل لي انه مريض وربما لا يزال في المستشفى .


في اليوم التالي ذهبت إلى القسم الداخلي وجلست في الاستعلامات بانتظار أن يأتي أحد من أصدقاء فارس ، انتظرت لأكثر من ساعة دون جدوى ثم وهذا ما أتذكره الآن فقط بوضوح دخل موسى إلى الغرفة ، كان ثملا تماما وكانت ملابسه قذرة وملطخة بالوحل ، نظر إلي ثم سقط على اقرب أريكة ونام وتدلى رأسه الأشعث المغبر خارج الأريكة ، بعد دقائق دخل باسم محمود وكان ثملا أيضا،ساعد موسى على النهوض واتجه به إلى السلم،أتذكر الآن إن موسى كان يهذي ببعض الكلمات وهو يلوح بدفتر مجعد كان يحمله معه ثم غابت صورته تلك في ذاكرتي لسنوات ولا ادري لماذا غابت ولا لماذا ظهرت ثانية، هل إن التسلل المنطقي للذكريات هو الذي كشف عنها ؟ أم إن موسى يمارس شعوذته في ذاكرتي أيضا فيختفي متى يشاء ويظهر متى يشاء ؟


من تلك الأيام امتلك تذكاراً مادياً واحداً وسط خضم لانهائي من ذكريات أو شظايا ذكريات ، تخطيط سريع رسمه فارس بأسلوب مودلياني وهو على سرير نقاهته في القسم الداخلي بعد يوم واحد من خروجه من المستشفى : وجه مستطيل مسطح برقبة طويلة و عينين فارغتين تنظران إلى الداخل .


جلست أمامه صامتا ، لا ادري ماذا أقول و لم يجد هو الآخر سوى كلمات قليلة ليخبرني انه وجد نفسه وهو يعبر الشارع تحت سيارة مسرعة وإن ساقه أصيبت بكسر مضاعف وقد ظل لثلاثة أيام بين الموت والحياة ثم جاء حازم أمين وصنع لنا شايا و قبل أن اخرج انحنى فارس وهمس في أذني :


-ربيع الصراف هو الذي كتب التقرير عن المقهى .


 


 


(7)


 


 نظر إلي موسى بعينين متورمتين ، مجهدتين ، تفيضان بالألم والخوف  .


سألته :


-         موسى ، هل أنت مريض ؟


أجاب بصعوبة:


-         لا .. أنا متعب قليلا . من أنت ؟


-         لا يهم ، اعطني يدك .


  ولكنه بدلا من ذلك رفع رأسه وأطلق في وجهي سحابة من الدخان من عقب سيجارة كان بين أصابعه . ثم انحنى ثانية وردد مع نفسه بضعة كلمات لعله كان يقصدني بها : خائن ، قذر ، جبان ، مغرور. ثم حاول أن ينهض ، امسك بالحاجز الحجري بإحدى يديه ومد يده الأخرى باتجاهي ولكنه ترنح وسقط ، انتبهت الفتاة التي  تعزف على ماندولين صغير وتجلس في الظلام إلى ما حدث وانتبه الرجلان اللذان يجلسان على يسار موسى ويخفيان ملامحهما تحت قبعتين كبيرتين ، تبادلا حديثا قصيرا ثم سكتا .


انحنيت وقربت رأسي من صدره ، كانت يتنفس بصعوبة . قلت :


-         موسى ، انهض .. لنذهب إلى مكان آخر .


وأضفت بعد لحظات :


-         موسى ، هل أنت ميت ؟


-         لا ، قلت .. لا.


وبدا فجأة كأنه استيقظ من نومه ، رفع رأسه و أشار بيده إلي  و بدأ يصرخ :


-         لست ميتا ، لا أريد أن أموت .. الموت للجبناء .. الموت للخونة ..


please , help me     


انتبه المارة على الجسر وتوقف بعضهم لينظر الى موسى وخطت الفتاة ذات الماندولين باتجاهنا . بدا وجهها تحت الضوء كأنه وجه حصان بري ونهض الرجلان ورفعا موسى وأوقفاه مثل دمية كبيرة من القماش ثم أطلقاه كما أراد أو كما بدا انه يريد ولكن لم يكن بإمكانه أن يقف وحيدا فترنح وسقط . ثم حاول أن يرفع رأسه ثانية ، فتح عينيه و نظر باتجاهي .


قلت :


-         موسى .. أنت مريض .. تعال معي لنذهب إلى أي فندق .


رد بصوت حالم:


-اتركني ، أريد أن أموت هنا بين عذارى فلورنسا، أخيرا وجدت ..


-         موسى أنت تهذي .


-         نعم .. من الحب والمتعة والحرية .أنا متعب .. أنا طليق.. أنا حر ..ألا ترى .. انظر إلي ..


ثم اخرج من جيب سترته الداخلي لفافة تبغ صغيرة وأشعلها وحشرها في فمي وهو يقول :


-         خذ ودخن وستفهم حالتي .


 كان دخان اللفافة كثيفا ومرا ولزجا.


قلت :


-         موسى ، أين ذهبت بالأمس ؟


-          ضربوني كثيرا ، انظر إلى عيني ، ضربوني بأعقاب البنادق والأحذية،داسوا فوق رأسي .. أرادوا أن يقطعوه ثم حاولوا أن يفعلوا ذلك الشيء معي ، نعم الشيء المخزي ثم وضعوني في قدر كبير فيه ماء يغلي و قشروا فوق رأسي بصلا وخيارا وفلفلا وقطعوا أوراق جرائد وسراويل نساء وأثداء طازجة ثم أكلوني وأنا حي .


-         موسى،أسألك عن البارحة ، حين أخذك الرسامون من الاوفيتسي  وتركتني وحيدا ؟


-          أخذوني إلى بار كبير ثم إلى كنيسة كبيرة ثم إلى فندق كبير .. شربت كثيرا ورقصت وأكلت ، لا ادري ماذا أكلت  أو ماذا شربت ثم وجدت نفسي في الصباح كما ولدتني أمي في حديقة مهجورة،كانت ملابسي ملطخة بالدم والطين ومرمية في حفرة .. ألا ترى ، أكلوني وأنا حي، أكلوني مشويا.


وتهدج صوته وبدأ يبكي ويضحك ثم بدأ يتمخط وامتدت بضعة اكف لتعصر انف موسى وتمسح مخاطه.استطال الأنف واستطالت الرقبة وابتعد الرأس باتجاه السماء ثم انقطع وتحول إلى كرة كبيرة من الطين وجاءت الفتاة التي يشبه وجهها وجه حصان وصهلت في إذني ثم تجزأت إلى نساء كثيرات ، كل واحدة منهن بطول إصبع ولها وجه حصان ثم ظهرت للنساء أجنحة وبدأن بالتحليق كالفراشات وصعدت من الماء ثيران مجنحة داست فوق رأسي ورأس موسى ورؤوس وأجساد النائمين على الجسر وسالت دماء كثيرة وتبعثرت أشلاء وانبعثت صيحات  تبعتها صفارات إنذار وتردد زئير خافت ونباح كلاب ثم سقط جسدي في بئر لا قرار له وأيقنت إنني مت ثم رفعتني أيادٍ ناعمة لثلاث نساء .


قلت :


-         من أين انتن ، أيها الجميلات ؟


-         نحن من لوحة بوتشللي ، طقوس الربيع التي رأيتها صباحا في الاوفيتسي .


-         وماذا تفعلن في هذا البئر ؟


-          انه ليس بئرا ، إنها مغارة .. مغارة الشهوة، انظر، هذه فينوس، إنها تولد في مرآة مظلمة وسيحملها السينتور ليطوف بها عبر العصور ، دعها تجلس على ركبتيك ، انفتحي يا قوقعة ، اقتربي يا ضفدعة ، قاق..قاق..قاق …


وأحسست بيدين قويتين تضغطان على رقبتي ، التفت فرأيت كيوبيدا عملاقا يحاول خنقي ورأيت فينوس التي تخفي جسدها البلوري تحت ملابس داخلية وردية تحاول إبعاده . ثم جاء دانتي وقال من تحت انفه الضخم :


-         احملوه إلى الجحيم . وعذبوه الى الأبد .


واختلط وجهه بوجه موسيليني وبأوجه عديدة لجنود وفلاحين وقراصنة ومتسولين ومهرجين وممثلين سينمائيين .


استيقظت فرأيت إن هؤلاء جميعا يمرون على جسر فيكو بملابس تنكرية مزركشة وأحذية جلدية ضخمة مليئة بالماء يتصاعد منها نقيق الضفادع: قاق..قاق..قاق..قاق..قاق. رأيت موسى ميتا هو الآخر إلى جانبي فمت أنا أيضا.


 


*


 استيقظت مرة أخرى فوجدت ورقة كبيرة موضوعة في جيب قميصي . فتحتها وقرأت :


             عزيزي


            لا تبق في فلورنسا ، كل الذين اعرفهم يعتقدون انك وراء قضية شخص اسمه ماجد ، تحدثوا  عنك بالأمس كثيرا في مطعم الطلبة .


              أنا ذاهب إلى روما ، إذا أردت أن تجدني ، ابحث عني في الجنترو ( المحطة الرئيسية) اسأل عني أول شخص يصادفك ، أي شخص حتى عمدة روما .


              وداعا .


                                              موسى                                     


كان فجر فلورنسا باردا ونديا وكنت وحيدا أسعى في متاهة متصلة ، متعب وثيابي مثل قشور ورقية ، أدخن واسعل واسمع صدى خطواتي، المأوى الوحيد الذي اعرفه هو غرفة ربيع الصراف وهي بعيدة وإذا ذهبت إليها فقد لا أجده ، قال لي سأعود بعد ساعة ثم اختفى نهارا كاملا ، لعله فعل ذلك لكي لا أبقى اكثر من ليلة في غرفته بل لعله لا يريدني أن أبقى في فلورنسا كلها .


*


طويت الورقة التي تركها موسى وصنعت منها زورقا يتهادى فوق مائدة خشبية في مطعم منزوٍ ثم يحلق بين المقاعد والرؤوس ويحط على مائدة كونتيسة فقيرة تجلس أمامي ، تتناول طعامها ببطء بينما أدخن أنا وأتأمل اللوحات وباقات الورد الورقية على الجدران وأراقب من خلال الزجاج مرور سيل لا ينتهي من العربات تحت مطرٍ خفيف .


هكذا تنهار أحلامنا يا موسى ثم تتمزق تحت حوافر خيول لا نعرف من أين أتت ولا إلى أين تمضي ، أحلام يشبه كل حلم منها ورقة مجعدة مبللة بالدموع على مائدة فوقها كؤوس فارغة وبقايا طعام .


انقطع المطر ومرت وجوه كثيرة أمام عيني ، بعضها بلا ملامح وبعضها الآخر بملامح ناقصة ، أهذا من تأثير دخان البارحة ؟


مرت الوجوه واختلطت ولكني استطعت أن أميز وجها أليفا من بين حشدٍ الوجوه، وجها لا أخطئه ، تكرر ثلاث مرات ثم اختفى ، وجه بملامح حزينة وعينين حادتين يلوذ بظلال مظلة سوداء .


 في الخارج كان المطر قد ترك رائحة غريبة وبدت فلورنسا مثل عذراء قديمة تحممت بعطر طفولي، تسعى في ثنايا جسدها أشباح وعربات وخيول وسينتورات تدوس فوق عجينة الجسد المصنوع من حجارة وطين ورطوبة ودماء وخمور ومني … وما الى ذلك ، تتبعج عجينة الجسد ثم تعود لتستوي ثم تتبعج مرة أخرى ثم تعود لتستوي ثم تنهار وتتكسر ثم تستوي ثم… واستمر في هذياني وأتخيل إن بمقدوري إخراج دماغي لخمس دقائق هي الوقت المعقول الذي لا تموت فيه كل خلاياه فاعتصره بأصابعي حتى تسيل من مساماته الأخيلة المريضة و مخلفات الكحول والنيكوتين والعادة السرية والمضاجعات العابرة والضغائن والهرطقات والأحقاد والأكاذيب والنزوات ثم اعتصره مرات ومرات حتى يقيء كل ما يختزنه واغسله بالصابون والمطهرات وأنشفه جيدا وأعيده نقيا إلى رأسي ثم أعيد لصق جمجمتي بالغراء .


 


*


كان باسم محمود يجلس في نهاية الممر وحوله خمس عجائز يضعن عباءاتهن على أكتافهن ويدخنّ أعوادا رفيعة تصدر دخانا اسود ، كان شاحبا، مغمض العينين ، يسيل خيط دم رفيع من فمه


جدران الممر مغطاة بالشعارات والكتابات والرموز: دوائر ، مطارق ، مناجل ، سيوف ، أهلة ، وجوه ، أجساد في أوضاع مختلفة وشتائم مكتوبة بكل اللغات .


   لا ادري متى تعرفت على باسم محمود ، ربما كان معي في المدرسة أو ربما التقيت به مصادفة أو اكتشفت وجوده في إحدى المقاهي أو اصطدمت به في شارع فرعي ولكنه كان يتجسد دائما في ذهني مثل صورة لرجل ميت منذ قرون مدسوس بين الأحياء،بلا عواطف،بلا ماض،بلا عداوات، بلا مواهب،يرسم بآلية، يأكل بآلية ويتنقل بين الأحداث والأماكن بآلية أيضا، صديق الجميع ولا صديق له، تابع متوج على عرش من ورق. رأيته بعد خروجي من المطعم، دعاني أن نتسكع معا ، في الطريق سألني :


-         هل تريد أن نذهب إلى بيت دانتي ؟


بعد قليل أضاف :


-         لا بأس أنا اذهب إلى هناك باستمرار ، انه مكان جميل وقريب .


بعد عشر دقائق من السير في أزقة مزدحمة غيّر رأيه وقال :


-         لنشرب كأسا في هذا البار ، هل معك نقود ؟


دخلنا إلى البار وقبل أن يسألنا أحد عن ما نريد اقترح باسم :


-         الأفضل أن نأخذ زجاجة فينو رخيصة من الشارع ونشربها في غرفتي ، هل ذهبت إليها من قبل ؟ إنها تشبه المدخنة ، هاهاهاهاها.


في الطريق اخذ جرعة كبيرة من الزجاجة التي اشتراها وقدمها لي ، قلت :


-         لا رغبة لي الآن ، ربما سأشرب في الغرفة .


-         كما تريد .


ولكننا بدلا من إن نذهب إلى الغرفة جلسنا تحت مطر خفيف على إحدى المصاطب بالقرب من كهل يبيع شرائح من جوز الهند واختلطت رائحة الفينو برائحة الجسد الفتي ، رائحة العذراء الأزلية التي خرجت من الحمام قبل لحظات،  رائحة فلورنسا، تلك الرائحة التي سأظل أتذكرها لقرون قادمة أمام أي جسد أنثوي.


أخذت ثلاث جرعات متتالية ووضعت القنينة على المصطبة ثم أعطاني باسم حبة صغيرة قال إنها لزيادة النشوة  وبدأ يروي إحدى عجائبه :


-         تبعت العربة ذات الهيكل الزجاجي ، كان فيها تابوت عليه ريش وزهور، اتخذت مظهرا وقورا ووضعت على وجهي قناعا حزينا وفي المقبرة انتبهوا إلي ونظروا إلي بحذر ،بدأت ابكي أولا ثم بدأت اضحك .. اضحك و اعفط واشتم الميت وتحولت الجنازة إلى مهزلة وصفعني أحدهم وبصقت عجوز في وجهي، ركضت وركض بعضهم خلفي حتى وصلت إلى بوابة المقبرة ، رأيت العربة قرب البوابة ، كان حصانها الوحيد يمضغ الشوفان من كيس حول رقبته، جلست في مكان الحوذي ثم قدت العربة في شوارع فلورنسا، احيي المارة وهم يصفقون لي ، اغني لهم وهم يرشقوني بالزهور والأوراق والقمامة وحين صحوت بعد أيام وجدت نفسي في زنزانة منفردة ، أنام عاريا على الأرض،لا ادري كم شربت في تلك الظهيرة بالإضافة إلى ثلاث سكائر وحفنة من الحبوب، اشرب يا صديقي ، اشرب ، لنشرب حتى الثمالة، هكذا أفكر أنا ، إن سبب اختراع الإنسان للخمر هو بحثه عن إكسير للضحك ، اضحك أنا أو يضحك الآخرون ، لا فرق ، المهم ، إن كائنا ما يضحك ، أين القنينة ؟هل فرغت ؟ لنذهب لشراء قنينة أخرى ، أريد سيكارة أيضا ، اقصد سيكارة من نوع آخر، تشعل المخ والقلب .


شعرت بحاجة للنوم واختلطت لدي الصور ، رأيت باسما يترنح  بين كلاب تحمل رؤوسا آدمية ثم مرت بنا حشود من صبايا جميلات ،أتذكر أنه قال شيئا عن الجمال المعذب وأن أقسى ما يمكن تعذيب رجل به أن نجعله عاجزا عن فعل أي شيء أمام الجمال :


-         نقيده في غرفة ونمرر أمامه طرزا مختلفة من الجمال ، أي عذاب هذا ، هناك وجوه أنثوية تحمل شحنة غامضة من العذاب ، في العينين والغضون وحركة الفم وحين يختلط الحزن بالجمال تكون للوجه طاقة تدميرية ، الست فيلسوفا على مذهب المرحوم ديستويفسكي ، هاهاهاهاها . ..هل أنت جائع ؟ لنذهب إلى مطعم الطلبة .


واخترقنا سوقا وركبنا حافلة واجتزنا حديقة بلا نهاية ثم اكتشفنا وجودنا في الممر وأمامنا العجائز الخمس اللائي يولولن ويتمخطن تحت عباءاتهن.جلس باسم ووقفت أنا أتأمل الكتابات والرسوم وأحاول فك ألغازها .


فجأة صرخ باسم :


-         سأختنق .


و تغير المشهد ، كان نحيب العجائز يتصاعد وكان المطر يتساقط بغزارة وتردد صوت بعيد في ذكرياتي وآلامي :


-         سأختنق ، سأختنق .


ثم ساد ظلام مفاجيء وأحسست إن جسدي يتمزق في الظلام .


 



(8)


 


  لم يتبدد وقت طويل للعثور على موسى بل كان لدي هاجس حتى وأنا في القطار المتجه إلى روما إن باب العربة سيفتح في أي لحظة وسيدخل هو،سيجلس إلى جانبي دون أن يفتح فمه ثم يتثاءب ويقول كلمة أو كلمتين وبعد ذلك يغط في نوم عميق .


وضعت الحقيبة في مستودع الأمانات واجتزت حشود المسافرين والمتسكعين، كنت جائعا وكئيبا وكان الورم الذي تركته إحدى الضربات في أعلى جمجمتي يتحول تدريجيا في ضجيج المحطة إلى بيضة طاووس ربما ستنفصل ويتولد عن سقوطها صدى هائل .


اصطدمت بفتاة تحمل مظلة شتمتني ومضت وكدت أدوس على قدمي عجوز يجلس على حقيبته حين كنت انظر إلى سقف المحطة الشاهق ومرت امرأة ترتدي أسمالا ونفخت في بوق قريبا من إذني وفعلت الشيء نفسه وهي تخترق صفا من تلاميذ صغار يرتدون ملابس زرق متشابهة وقبعات بيض.ضحك التلاميذ ونظروا إلى مؤخرتها التي كشفت عنها من بين الأسمال وهي تبتعد .


حين وصلت إلى البوابة الكبيرة التي تؤدي إلى الخارج رأيت شابا ذا ملامح عربية يقف كالمتسول ، تذكرت ما كتبه موسى لي : اسأل عني أي شخص في محطة روما .


قلت للشاب :


-         هل تعرف كهلا عراقيا وصل إلى هنا قبل أيام اسمه موسى ؟


-         ها ، موسى السخيف ، شيخ الكذابين ، ومن لا يعرفه .


انحنى وقرب فمه من أذني كأنه يهمس بسر ومضغ بضعة كلمات من بين أسنانه السود المنخورة:


-         تعال بعد نصف ساعة إلى النفق القريب من الحمام،لدينا اجتماع استثنائي،ستجد موسى هناك وستجدني وستجد الجميع،هل تعرف المكان؟اسأل عنه وستصل.


ثم تركني ولحق بامرأة تحمل حقيبة كبيرة ، انتزعها منها وتواريا في الزحام. خرجت من المحطة وتطلعت إلى ما بدا لي انه المشاهد الأولى لروما: موقف الحافلات الكبير،البنايات القديمة،المطاعم،البانسيونات،الباعة الذين يفترشون الأرض،الإعلانات الضوئية العملاقة التي تغطي الجدران،حشود المارة التي تسعى في اتجاهات مختلفة،عربات الترام التي تتهادى وسط الشوارع ، المظلات الملونة التي تغطي واجهات المحلات . وبلا شعور قلت


-         عمت صباحا ، ماما روما .


و مضيت وحيدا بلا هدف .


*


عدت إلى المحطة بعد نصف ساعة و لابد إنني كنت أبدو مثل ابله وأنا اسأل المارة المتعجلين :


Where is the bath?


أرشدني أحدهم إلى دورة المياه وضحك آخر في وجهي ثم بدأ يشرح لي ويؤشر بيده ثم تركني وهو يائس واعتقد عجوز متأنق إنني من الشاذين فوضع يده على كتفي واخرج محفظة كبيرة متخمة بالنقود وقال شيئا ما ثم ابتعد خطوتين وأشار إلي أن اتبعه فمضيت في الاتجاه المعاكس واعتقد آخرون إنني متسول فنفحتني سيدة ذات مظهر مأساوي قطعة نقدية وشتمني شاب رياضي طويل القامة ورسمت فتاة علامة الصليب حين رددت كلمة bath عدة مرات وابتعدت .


وتضاعفت حيرتي وبدأت ابحث في ممرات المحطة عن أي وجه ذي ملامح عربية ولكن دون جدوى فقد اختفت تلك الوجوه بملامحها وسيماءاتها والعلامات الفارقة التي تميزها وحلت محلها وجوه منغولية ملساء ملوثة بالغبار والرماد .


جلست في المقهى الذي يتوسط المحطة وقلت لنفسي :


-         قد تساعد قنينة بيرة باردة على رفع الغشاوة عن بصري .


ولم أتمتع إلا برشفة سريعة واحدة حين مر موسى في الجانب البعيد من المحطة يتبعه شابان يحمل أحدهما كيسا ورقيا كبيرا ويحمل الآخر مظلة ملونة وصندوقا خشبيا . نهضت وأشرت له وصرخت كالمجنون ولكنه اختفى مع تابعيه دون أن يترك أثرا . دفعت ثمن البيرة واتجهت إلى الممر الذي اختفى فيه فاصطدمت في طريقي بالشاب الذي يشبه متسولا وكان يبدو متعجلا هو الآخر . صرخت في وجهه:


-         أي حمام خراء هذا الذي أخفيت فيه موسى ، هل كنت تسخر مني ؟


ضحك و أشار إلي أن اتبعه ثم هبطنا معنا سلالم مظلمة تتلاحق باتجاه الأعماق .  


 


*


كان موسى يصرخ في الظلام :


-         النظام أيها الاخوة ، لا أحد يتكلم من مكانه . هل أعددتم الشريط السينمائي ، هل كل شيء في مكانه 


ثم غير طبقة صوته حين أبصرنا واستطرد :


-         أهلا بالأخ العقيد وأهلا بضيفنا الكريم،سكوت رجاء،اسمعوني..قلت اسمعوني  أيها الاخوة ، اقدم لكم صديقي الذي كنا بحاجة إلى وجوده ليكتمل النصاب ، اقدم لكم هذا الشاب المثقف الذي سيمثل دور الزعيم الأوحد .


وصمت قليلا وأضاف وهو يحدق في وجهي :


-         لاحظوا الشبه الكبير بينهما ، لكل منهما رقبة طويلة وإذنان كبيرتان وبقليل من السخام نستطيع أن نضيف نصف شارب لنحصل على مطابقة شبه كاملة، هل هناك اعتراض ؟


وتصاعدت همهمات متفرقة وأشعلت بضعة شموع واتضحت في ضوئها وجوه ملطخة بالأصباغ كوجوه المهرجين . وفتح موسى الكيس الورقي الكبير الذي كان مع تابعه ووزع على الحضور أقنعة وقبعات ونظارات طبية وشمسية .


صرخ أحدهم :


-         أريد عقالا .


رد عليه موسى :


-         استعمل الجريدة التي تضعها تحت مؤخرتك .


ثم نهض آخر وصرخ بأقصى ما يستطيع :


-         لا صوت يعلو ، لا صوت يعلو .


ودمدمت فتاة إيطالية ترتدي سروالا قذرا ببضعة كلمات فأسكتت وأعطيت خوذة ذات قرنين كبيرين وقدم لي موسى طربوشا مجعدا وقناعا يحمل وجه كلب وقال :


-         لن يختلف الأمر ، أنت كلب أصيل بثياب آدمية .


وقرع على طبل في إحدى الزوايا وتلى ذلك عفطة قوية وصفير وصياح ثم أشعل موسى شمعة ووضعها في كوة في الجدار قريبة من رأسه ورفع يده طالبا من الحضور الصمت وقطب جبينه وقال في صوت وقور :


-         أيها الاخوة ، نبدأ اجتماعنا هذا بهدي من مبادئنا وشرفنا ، شرف الآنسة المصون سونيا ، الأنثى الطليانية التي وافقت على مشاركتنا في السراء والضراء والتي لا مثيل لها لا بين الأنس ولا بين الجن .


وأشار إلى الفتاة العرجاء التي كانت ترتشف جرعات متتالية من قنينة فينو إلى جانبها وبدت كأنها في عالم آخر واستطرد :


-         نحن نجتمع هنا لنتباحث ونناقش ونقرر ولا أقول لنضحك فالضحك بلا سبب خيانة للمباديء .


وقرع على الطبل مرة أخرى وأطفئت الشموع وساد الظلام وتصاعدت الشتائم وانبعثت أصوات غريبة كأن معركة حدثت أو إن وحشا قد تسلل وقلب كل شيء.


أشعلت الشمعة وعاد موسى ليقول :


-         سنمثل نحن الثلاثة .. أنا وبودغية وبكر فاصل القردة الثلاثة رموز الفضيلة الأبدية ، أنا لا أرى وأنت يا بكر..


و اخرج بكر ذو الأسنان المنخورة صوتا من انفه قائلا :


-         أنا لا اسمع .


وأشار بودغية إلى لسانه ورسم كلمة لا وأضاف مثل دمية موقوتة :


-         لن أتكلم ، لن أتكلم .


وردد الذي يجلس إلى جانبي مرة أخرى :


-         لا صوت يعلو ، لا صوت يعلو .


ثم قال موسى :


-         أما انتم أيها النخبة الشريفة الطيبة يا قادة الفكر والفقر فستمثلون أدوارا حرة كما انتم في الحياة ، سلطاتكم بلا حدود وأحلامكم بلا نهاية ، انتم شموع الدرب المضيئة والآن اطفئوا الشمعة مرة أخرى .. أنا لا أرى .


-         و أنا لا اسمع .


-         و أنا لا أتكلم .


-         لا صوت يعلو .


صرخ موسى :


  - ليبدأ العرض الآن .


وتداخلت في الظلام الأصوات والصرخات والحشرجات :


-         أنا المشير ..أنا العقيد … أنا اليوزباشي ..أنا الفريق .. أنا الرفيق ..أنا العريف .. أنا حلال المشاكل.. أنا هادم اللذات ..أنا مبيد الحشرات .. أنا الأوحد ..أنا الأعظم …..


وظهرت على الحائط مشاهد متتالية لجنود يلوحون بأيديهم ثم لآخرين يطلقون النار من بنادقهم ولدبابات تهدم جدرانا وارتفعت أعلام وظهرت رؤوس مهشمة وجثث معلقة على مشانق وظهر وجه عبد الناصر ثم تبعه غاندي ثم ماركس ثم جيفارا ثم مارلين مونرو ثم وجوه أخرى تلاحقت بسرعة وانبعث نشيد الفرح من اسطوانة مشروخة وظهرت صورة  بيتهوفن وهو يحمل سيفا وتعالت أصوات طبول ثم هبطت أقدام مسرعة من آخر السلم وتقدمت من الحشد وعلى بصيص الشمعة التي أشعلت مرة أخرى اتضح إنها المتسولة ذات البوق ، ادارت ظهرها للجالسين ورفعت تنورتها وضرطت ثم نفخت في البوق وصرختpolice:  


   وسادت الفوضى وانبعث قرع وحشي على الطبل وشعرت إنني بحاجة إلى نوم طويل في قلب الظلام الذي بدا كأنه بلا نهاية وسمعت موسى يقول من مكان بعيد:


-         سكوت أيها الاخوة سكوت .. لا صوت يعلو ، لا صوت يعلو .


وتلاحقت الأقدام قادمة من السلالم العليا  .


 


*


كان الصوت قريبا هذه المرة و بدت الضربات المجنونة كأنها تتردد في المقصورة المجاورة :


-         افتح يا مصري ، افتح .


وتلاحقت في الممر خطى متعجلة . التفت موسى باتجاهي وقال :


-         هل أنت نائم ؟


-          لا ،  أيقظتني الأصوات .


-          انهم أولاد القحاب ، سكارى أو حشاشون ..


ثم رفع رأسه وصرخ في الظلام :


-         يا حمير الليل .. اذهبوا وابحثوا عن المصري في فروج أمهاتكم .


ومد أحدهم بوزه من فتحة الباب التي ربطناها بشرشف قديم وقال شيئا ما بسرعة وارتباك فرد عليه موسى :


-         لا اعرف .. لم أشاهد ممدوح منذ يومين ، ابحث عنه في مكان آخر .


وأضاف حين ابتعد الرجل :


-         مسكين ، سرقوا نقوده وملابسه وجواز سفره .


ثم استطرد بعد قليل :


-          لدي فكرة : لماذا لا يعود إلى موريتانيا على بساط الريح ، لن يطالبه أحد بجواز سفر .


ونهض من مكانه وصرخ :


-         يا ولد السابط ، يا أخي في العروبة  ، عد إلى هنا لدي اقتراح يهمك .


ولكن ولد السابط كان قد اختفى وعاد الصمت إلى ممر العربة ثانية . جلس موسى على سريره واخرج شمعة وكيسا من جيب سترته المعلقة خلف الباب وسألني :


-         هل معك علبة ثقاب ؟


-         لماذا ؟


-          لدي بعض الرسائل المكتوبة بالحبر السري ، أريد إظهارها على ضوء الشمعة .


-          آسف ، لا ثقاب لدي .


عاد موسى إلى فراشه ، خلع قميصه وطواه ووضعه تحت رأسه ثم رفع الدفتر باتجاهي :


-         كانت لدي ملاحظة مهمة ، قلت أدونها قبل أن تذهب مع الريح .


-         موسى ، هل تدون ملاحظاتك يوميا ؟


-          لا ، أحيانا أنسى الدفتر لأسابيع .


-          ماذا تدون فيه ؟


-          ملاحظات ، ذكريات ، نكات ، خطط ، مكائد ، مشاريع وأشياء أخرى تخصني وحدي .


-          هل بإمكان شخص مثلي أن يستفيد من الدفتر ؟


-          لا ، لأن ما اكتبه شديد الإيجاز.. أدونه بشفرة من اختراعي .


وسكتنا لبضع دقائق اعتقدت خلالها إن موسى قد نام ولكنه انقلب على بطنه فجأة وسألني :


-         هل قررت أن تبقى في إيطاليا ؟


-         لا ادري .


أضفت بعد قليل :


-         سأفكر في الأمر ، حين أتخلص تماما من آثار الصدمة .


-         لم تحدثني بالتفصيل عما حدث .


-         لقد رويت لك ما أتذكر .. استدرجني باسم محمود إلى مطعم الطلبة وكان ماجد يظهر ويختفي خلال تسكعنا ثم ظهر مع ثلاثة آخرين أو اكثر وانهالوا عليّ بهراواتهم في الممر المظلم ، سقطت وأنا اصرخ وتدحرجت بعيدا ، تصلب جسدي وبكت فوق رأسي خمس عجائز ولمحت وجها اعرفه خلفهن، وجه فوزية وكانت تبكي أيضا .


-         هل هذه كل التفاصيل التي تتذكرها ؟


-         كنت ثملا ومتعبا وكان باسم محمود يحشر حبة في فمي كل عشر دقائق .


-         هل ذهب باسم معهم .


-         لا ادري ولكنهم ضربوه هو الآخر .


-         وضربوا العجائز وفوزية أيضا وربما ناكوها هاهاهاهاها.


وسكت على مضض، وبدأت استعيد بحزن وقائع ذلك الصباح الغريب ، كيف بدت لي صفوف الرسامين الجالسين في الاوفيتسي مثل تماثيل شمعية ، كيف تخيلت إن الأزقة هي ظلمات متداخلة تؤدي كل ظلمة فيها إلى ظلمة اكثر حلكة ، كيف كنت أمر كالأعمى تحت ظلال اللوحات في المتحف الكبير الذي لا ادري كيف دخلت إليه وكيف خرجت منه ، كيف تقمصني ذلك المزيج من الحزن والخيبة والإحساس بالهزيمة .


في اللحظات التالية شعرت برغبة في البكاء ، وضعت رأسي على كتف موسى وبدأت نشيجا خافتا سرعان ما تصاعد لتشاركني فيه خمس عجائز معفرات بالتراب يتبادلن أقنعة الحزن والشيخوخة والخوف في ظلام العربة ويدخنّ أعوادهن الطويلة و لكن فوزية لم تكن معهن هذه المرة .


 


*


قضينا بضعة أيام أخرى في روما ، نتصعلك طيلة النهار ثم نعود إلى محطة القطار المهجورة ليلا . كنا نسعى بلا هدف،تأخذنا الأزقة إلى أزقة شبيهة بها وتمضي بنا مسالك الحدائق الخيالية فوق التلال السبعة إلى مسالك اشد غموضا وسحرية وتقودنا الشوارع المزدحمة إلى شوارع أخرى لا نهاية لها ، اقتحمنا أماكن لا حصر لها : متاحف ومتاجر وفنادق ومستشفيات وأديرة ومكاتب مراهنات وأوكارا سرية وباستمرار ونحن نمضي كنا نلقي التحية على كل من نصادفه : المتسولين والباعة والكهنة والراهبات والإناث المتأنقات والبغايا والشاذين والموظفين العموميين والعشاق في ظلال التماثيل الرخامية.واقترح موسى في ظهيرة إحدى الأيام ونحن نزدرد قطعتي خبز يابستين ونتجرع زجاجة بيرة سوداء وننظر إلى العابرين في شارع فرعي يؤدي إلى المحطة :


-         لنذهب غدا إلى جنوه فلدي صديق هناك .


و لم اعرف بماذا أجيب .


*


كان صديق موسى هذه المرة رجلا صموتا ، متجهم الملامح يرتدي ثيابا شبيهة بثياب راهب ، ينظر باتجاه واحد ولا يلتفت إلى محدثه وإذا تحدث فان غضونه تتجعد وتلتوي وتكاد تختلط مع بعضها .


قال موسى وهو يقدمه لي :


-         هذا عبود سكراب ، صديقي منذ سنوات .


اعتقدت للوهلة الأولى إن موسى يسخر من الرجل ولكنه ذكر لي في ما بعد إن عبود كان يعمل فعلا قبل هجرته إلى إيطاليا بائعا للسكراب في سوق الهرج وقد اتهم بقتل زوجته وسجن لشهور ثم أطلق سراحه حين اعترف شقيق زوجته انه هو القاتل فقرر أن يمضي وحيدا في بلاد الله تاركا أربعة مشردين صغار لقدرهم .


اقتادنا في ساعة متأخرة إلى غرفته وتكومنا أنا وموسى على أرضها وسط تل من الجوارب والأواني وعلب البيرة والسراويل الداخلية وبينما كنا نتقلب طوال الليل على الأرض القذرة كان هو يشخر مثل ثور ويتحدث في نومه عن نساء وغلمان وسكاكين ومدن بعيدة وفي الصباح سألنا ونحن نجلس في مطعم صغير قرب الميناء :


-         هل تريدان العمل على مركب يغادر إلى البرتغال غدا ؟


بدا موسى مرتبكا ولم اعرف أنا بماذا أجيب  فحسم عبود الأمر حين نهض قائلا :


-         انتظراني سأعود بعد دقائق .


 


*


وصلنا إلى طنجة ليلا وبدت المدينة لأعيننا في الظلام مثل ثريا ضخمة مقلوبة ذات أضواء لا متناهية لها منثورة على تل خفي ومع التقدم البطيء لسفينتنا باتجاه الميناء حيث ستستقر لبضعة أيام ومع طلوع الفجر أيضا كنا نرى المدينة وهي تقدم لنا تفاصيلها وتنهض بكسل ورقة في البخار الذي يتصاعد من صفحة الماء مع لسعات البرد وقطرات الضوء السماوي ، تفاصيل تتضح وتتداخل ، غامضة وغريبة ثم أليفة وفاقدة للجاذبية تدريجيا،تفاصيل تظهر وتختفي ، تغمرها وتجلوها ظلال أول النهار .


هذه هي نهاية رحلتنا إذا ، نهاية أسبوعين طويلين ، كنت في الأيام الثلاثة الأولى منها شبه أعمى أتشبث بالظلال وامضي زحفا لأفرغ معدتي في بالوعة صغيرة ، كان أنين البحر يحاصرني من كل جانب مع رائحة المياه والإيقاع البطيء لحركة السفينة والصعود والهبوط غير المحسوسين . مزيج حاد يحرض أحشائي في كل لحظة على طرد ما تبقى فيها .


ثم تغير الوضع تدريجيا وبدأت أتحرك متشبثا بالحواجز والسلالم والحبال واغتسلت وقدم لي عبود شرابا يتعاطاه البحارة المهدمون بعد مضاجعات عنيفة وساعدني موسى في حلاقة لحيتي ثم ارتديت بدلة عمل فضفاضة وأعطاني رئيس العمال مكنسة وطلب مني أن أسعى على سطح صقيل في مؤخرة السفينة واستمر في تنظيفه بلا انقطاع وفي أحيان أخرى كان يطلب مني أن أجر حبالا لا تنتهي وأعيد لفها في بكرات كبيرة أو أن احمل صناديق من قاع السفينة المظلم فاعرضها في نور الشمس ثم أعيدها إلى مكانها بعد ساعات أو أن اغسل أوعية ضخمة و افرغ ما ترسب فيها من سوائل وزيوت . هكذا كنت استمر ممسكا بقشة نجاتي في متوالية من الأفعال الجسدية وكان موسى الذي وجد له عملا ما في مطبخ السفينة يأتيني في ساعة الغداء كل يوم ، كنا نجلس صامتين لدقائق ونحن نمضغ طعامنا وبعد أن ننتهي  نغوص في مقعدينا المتجاورين  نتأمل السماء اللانهائية ونحن ندخن أو نرتشف البيرة ثم يشرع موسى في رواية قصصه التي لا تنتهي ناظرا بين حين وآخر إلى دفتره المفتوح إلى جانبه :


-         هل تعرف يا صاحبي إن هناك لسان يسميه المغاربة القحبة الرومية ويقال إن المرأة التي أضاعت إسبانيا مدفونة في ذلك المكان المشؤوم .


أطلق تنهيدة طويلة و أضاف :


-         آه لو إنني الآن امسك بتلك القحبة .


و في مرة أخرى سألني :


-          أتدري ماذا كان العرب يسمون مضيق جبل طارق ؟


قلت :


- لا أدري.


-         كانوا يسمونه الزقاق ، نعم الزقاق بدلا من التسمية القديمة ، أعمدة هرقل . 


  كان موسى يستفيض في ذكر الشواهد وفي التعليق على الأحداث كأنه يحاول إيصالي معه ذهنيا إلى مدينة خياله ووجوده : طنجة، كان البحر يؤدي إليها والحلم يؤدي إليها وحكاياته المفككة وأوراقه ذات الأطراف الممزقة تؤدي إليها.


كنت أحيانا أثناء سرده لحكاياته لا أصغي لما يقول بل انشغل بترميم صورة باهتة تعاودني تفاصيلها الموجزة مثل وسواس ، صورة لعجوز ثرثار يجلس إلى جانب شاب نحيل في بدلة عمل فضفاضة تنبيء عيناه عن حزن عميق على مصطبة في سفينة ضائعة في البحر ، كلاهما مهدم وكلاهما يبحث عن قدره في خضم لا نهائي من الأسئلة الغريبة والإجابات الغامضة .


 


 


(9)


 


كان يومنا الأول في طنجة شاقا، صعود وهبوط مستمران في أزقة وشوارع معلقة تنحدر فجأة ثم تتصاعد بحركات افعوانية لتصل إلى ذروتها ثم تهبط ثانية مؤدية إلى سفوح وحافات متعرجة.كانت المدينة تبدأ من قمة تل ثم تتسرب بمبانيها وشوارعها وأزقتها وكائناتها لتتبعثر بهندسة ملغزة باتجاه الماء الذي يحيطها من كل جانب.ورغم أن موسى بذل كل ما لديه ليبدو قويا وقادرا على الصعود والهبوط والتأرجح إلا انه بعد نصف ساعة من التسكع أعلن عن استسلامه، اخترنا مقهى صغيرا في بداية سوق شعبي وضعنا وسط حشد من مزارعين وباعة خضراوات يتبخترون أو يجلسون أمام المقهى بأردية ملونة وقبعات عريضة الحواف .


قال موسى متنطعا :


-                     انهم من بقايا المطرودين من إسبانيا .


أكلنا لحما مشويا في مطعم قريب وحملنا أمتعتنا وسرنا باتجاه مقهى آخر يطل على شارع فرعي ، كان مكتظا ، يختنق فضاؤه بالدخان وروائح البيرة . استرخى موسى في كرسيه واغمض عينيه وانشغلت أنا بمراقبة السيارات التي تقف أمام المقهى لتلقي بأشباح نساء متعجلات بملابس مبتذلة يتجهن إلى باب عمارة مقابلة ويختفين في الظلال المؤدية إلى سلمها .


كان المشهد يتكرر كل خمس دقائق تقريبا وكان ثمة شاب يظهر على الرصيف للحظات برفقة النساء العابرات ليقول لهن شيئا أو يتناول أوراقا نقدية ملفوفة يضعنها في يده أو يدفع أجرة التاكسي عنهن . كان أنيقا ووسيما ، يتلفت بحذر وله نظرة شبيهة بنظرة صقر ، فيها لؤم ومكر وتحفز وكان يتعمد كلما عاد إلى مكانه على الرصيف المحاذي للمقهى أن يثير انتباهي فيبتسم ويؤشر بحركة خفية إلى أعلى ثم اشترى جريدة من بائع عابر وجاء ليجلس إلى جانبي ، كان موسى ما يزال نائما ، سألني وهو يشير إليه :


-                     هل العجوز مريض ؟


-                      لا ، انه متعب بسبب الصعود والهبوط .


-                      هكذا هي طنجة ، لا تمنح الغرباء وقتا ليلتقطوا أنفاسهم .


-                     السلالم المتوالية تحتاج إلى أجساد من حديد .


 - لا عليك يا صاحبي ستتعود خلال أيام ولكن بعد أن تسفح كل ما اختزنته من…


نهض وأشار إلى الساقي ثم عاد ليقول :


-                     الصعوبة هي في الأيام الأولى فقط ، ستتعودان صدقني ، ولكن قل لي هل تفكران بالبقاء في طنجة ؟


-                      لا ادري ، لم اقرر بعد ، أنا بلا هدف تقريبا .


-                     و العجوز ؟


-                     ربما سيبقى ، لديه حلم قديم يريد تحقيقه هنا .


سعل موسى وفتح عينيه وطلب قدح ماء شربه على عجل ثم نام ثانية .


-                     هل أنت من طنجة ؟


-                     لا ، من الرباط واسمي ميلود بن عيسى .. تستطيع أن تناديني بن عيسى فقط فالأمر لا يختلف كثيرا .


-                     و ماذا تفعل هنا.


-                     أتنزه ، أغازل النساء ، اعمل .


وفي تلك اللحظة توقفت أمام المقهى سيارة سوداء وهبطت منها فتاتان واتجهتا إلى العمارة المقابلة،نهض ميلود وأشار بيأس إلى الفتاتين من خلف الواجهة الزجاجية ثم هرع إلى الرصيف مع جريدته ورفع يده وصفـّر واصدر أصواتا ولكن ذلك لم يجدي إذ اختفت الفتاتان في ظلمة الممر .


 


*


أوصلنا موسى إلى سريره ، خلعنا ملابسه وتركناه لينام في هدوء ، كان شاحبا ، يتنفس ببطء ويسعل بين لحظة وأخرى .


سألني ميلود :


-                     هل سيموت ؟


-                     نعم  لليلة واحدة ثم يستيقظ كالحصان.


-                     هاهاهاهاها حصان متقاعد .


عدنا ثانية إلى المقهى ، شربنا زجاجتي بيرة وأكلنا ثم ذهبنا إلى بار آخر ، مزدحم وشبه مظلم , جلسنا إلى مائدة كبيرة مع ثلاث بغايا طاعنات في السن . همس ميلود في إذني :


-                     لا تتحدث معهن إنهن عابرات سبيل .


ثم غاب لدقائق وعاد تتبعه فتاة في العشرين ذات فهم شهواني مرسوم بعناية . قدمها لي :


-                     رباب خطيبتي .


جلس وأدار ظهره للعجائز الثلاث وأشار لي :


-                     صديقي….. رجل أعمال .


وطلب أن نشرب نخب غاليته ووحيدته رباب .


-                     سامحك الله وعافاك ورقق قلبك يا …


-                     لا تزد على ما قلته كلمة ، بدأت أتقزز من أكاذيبك وحيلك .


-                      اسمعيني فقط وستعرفين .


-                     لا أريد أن اسمع أي شيء ، أنت كذاب وأحمق .


واختطفت سيكارتي التي أشعلتها توا وأخذت منها أنفاسا عميقة متتالية وأعادتها لي، كان في صوتها بحة شهية تنسجم مع شهوانية فمها .


-                     سأتحدث لك بصراحة ، خسرت كل شيء ولكنني ..


-                      ولكنك مازلت تقف على قدميك، وستحاول ان تعوض خسارتك ، هذه الحكاية كررتها ألف مرة من قبل ، ما هو رأيك أنت  ؟


قلت :


-                     لا ادري ماذا أقول ، أنت اعرف به .


-                     اعطني سيكارة إذاً .


راقبتها وهي تمسك بالسيكارة بأناقة وترفـّع ثم رأيتها تشرب كأس البيرة الأخير ، انحنى ميلود وقبّل يدها ثم بدأ يتوسل إليها أن تغفر له ولكنها كانت تزداد شراسة وحدّة ثم جاء نادل اسود واخبرها إن رجلا ينتظرها في الخارج فلم تصغي إليه وعاد النادل مرة أخرى حاملا لها وردة حمراء يفوح عطرها فوضعت حقيبتها على المائدة وذهبت وذهب ميلود خلفها ولكنه لم يغب سوى دقيقة واحدة إذ عاد بعينين منطفئتين ، سألني :


-                     هل هي جميلة ؟


-                      لا ادري .


رأيتها وهي تخترق صفوف الموائد متألقة في فضاء معتم يختنق بالدخان وأبخرة الشراب . نهض ميلود من مكانه حين عادت ولكنها لم تجلس ، رفعت حقيبتها وأشارت إلى الخارج :


-                     التاكسي في انتظاري .


انحنت علي وقبلتني واصبح فمي للحظة واحدة جزءا من فمها المضمخ بعطر غريب ورائحة بيرة طازجة وانحنت أيضا على ميلود وقبلت رأسه وغمزت لي :


-                     بالسلامة ، سنراك قريبا .


ثم اتجهت إلى الخارج برفقة النادل الأسود . سألني ميلود:


-                     هل نذهب إلى بار آخر ؟


-                     لا بأس .


 وخرجنا .


*


  أيقظني قرع متواصل على الباب ، فتحت عيني بصعوبة ، كان نور الشمس يغمر الغرفة وكان موسى مازال يشخر أما ميلود فكان ممددا على الأرض شبه عار. نهضت وفتحت الباب ، ظهرت أمامي عجوز تحمل مقشة وصفيحة قمامة ، قالت شيئا ما بسرعة ، تثاءبت وأشرت للأسفل ثم عدت للنوم. تردد في الغرفة المجاورة صياح وضحك وغناء ثم قرع مجنون على الحائط . حين استيقظت ثانية كانت الستائر مسدلة ولم يكن موسى في مكانه ، أغمضت عيني لدقائق وحاولت أن أتذكر وقائع ليلة أمس ، تذكرت كيف خرجنا من البار الذي تركتنا فيه رباب ثم الشارع الذي سرنا فيه وكان فارغا ومظلما ، أتذكر أيضا إننا دخلنا إلى حانة أخرى وجلسنا قرب الباب وإنني كنت اضرب نادلة أربعينية على مؤخرتها كلما مرت من جانبي وإن ميلود كان يشرب ويضحك ويحرضني على الاستمرار ثم لا أتذكر شيئا بعد ذلك .


عاد موسى من الحمام ، كان يلف جسده بالشرشف وكان رأسه مازال مبللا ، جلس على السرير ، بعد لحظات نهض ونظر من النافذة ، كان عريه مضحكا ، بطن صغيرة مدورة بارزة قليلا ترتكز على عظمين معروقين ويرتفع فوقها قفص صدري من الممكن بسهولة تعداد مكوناته ثم رقبة نحيلة يعلوها رأس شبيه برأس طفل .


أزاح الستار ثم عاد إلى السرير وارتدى ملابسه ببطء وجلس في انتظارنا.


 


*


عندما خرجنا من الفندق قبل حلول الظهيرة  كان ميلود يترنح ويتجشأ ويفرك عينيه الحمراوين بشدة لاعنا البيرة والصابون والشمس والطرق المتعرجة، انتزعته من السرير بقوة ، قلت له :


-                     سنغادر طنجة الآن ولن ترانا ثانية .


كان موسى يجلس في الشرفة يتظاهر بأنه لا يسمع ولا يرى ، اختفى ميلود لخمس دقائق وعاد عاريا يحمل ملابسه بيدٍ وحذاءه باليد الأخرى ، اتجه إلى المغسلة الموجودة في الغرفة وملأ من صنبورها جرة زجاجية كبيرة ، شرب نصف الجرة ودلق النصف الثاني على رأسه .


-                     لا بد إن الصابون الموجود في الحمام خاص بالكلاب ، انظر لقد انسلخ جلدي.


-                     رائحتك أيضا قذرة .


-                     ذلك لأنني كلب وابن كلب وأعيش مع الكلاب .


وأثناء هبوط السلم كاد ميلود يفقد توازنه لولا إمساكي به وفي المرحاض الموجود في الطابق الأسفل تقيأ وبدا كأن عينيه توشكان على الخروج من محجريهما ، رفض يدي التي مددتها إليه وسار مستندا إلى الحائط وإلى الأشياء القريبة منه حتى خروجنا من الفندق وهبوطنا درجات السلم الحجري المؤدي إلى زقاق فرعي، في الدرجة الأخيرة توقف لحظة واتخذ مظهر من يفكر عميقا في شيء ما ثم صرخ :


-                     السيارة ، ليست في مكانها .


وعاد يتسلق السلم تاركا لدي شعورا انه إما مجنون أو مازال ثملا . ظل موسى طوال الوقت صامتا كأن الأمر لا يعنيه ، لم يعلق بشيء ولم يعترض ولم ينظر إلى ميلود، بدا مشغولا ومكتئبا ، عيناه حائرتان وفمه مزموم ولكي اكسر حدة الصمت بيننا سألته :


-                     موسى ، هل نمضي خلفه ؟


-                      لننتظر ، سيعود بعد قليل .


وسكتنا لدقائق كنت أحاول خلالها قول شيء ما دون جدوى ، لقد انطفأ ضوء ما في داخل كل منا  .


بعد ربع ساعة عاد ميلود حزينا ولكنه اقرب إلى الصحو ليقول جملا عديدة مدغمة يغطيها الزبد فهمنا جملة واحدة منها :


-                     لقد سرقوا السيارة .


ولم اسأله أنا ولا سأله موسى أي سيارة يقصد ولكننا مضينا خلفه صعودا ونزولا في كل جزء من المدينة بحثا عنها ثم جلسنا في مقهى ، شربنا  شايا اخضر وأكلنا فطائر باللحم واعتقدت إن ميلود سيتقيأ ثانية إلا إن تشنجاته والتواءاته مرت بسلام. وتحت شمس الظهيرة كنا ثلاثة أشباح تسعى في أزقة تبدأ وتنتهي بالبحر. اقترحت على ميلود ان يذهب إلى الشرطة ولكنه رد علي ساخرا :


-                     أي شرطة تقصد ، هل هي سيارة الوزير الأول ، إنها بقايا فيات قديمة لا ادري بماذا ستفيد الغبي الذي سرقها .


وروى ميلود قصصا عن لصوص السيارات في طنجة الذين يأخذون المومسات في السيارات المسروقة إلى شواطئ البحر القصية ويضاجعوهن طوال الليل ثم يحرقون السيارات ويعودون إلى المدينة على أقدامهم تاركين المومسات أمام هياكل السيارات المحترقة .


ذهبنا إلى المقهى التي رأينا فيها ميلود بالأمس ، لم تكن مزدحمة ، كان ثمة مقاعد كثيرة شاغرة وكان هناك شيوخ يتثاءبون في المقاعد الخلفية وعجائز أوربيات يتحاورن ويتجرعن أقداح البيرة ببطء عند الواجهات الزجاجية، قرأنا الجرائد وتطلعنا إلى أجساد العابرات الرشيقة التي تزيدها الجلابات الضيقة والطويلة بهاءً، كن يتلاحقن بأنوثات مزخرفة ، مترفة ، منسوجة بأياد متأنية تمر أمام أبصارنا في دفقات متوالية ، كأنها أمواج مصدرها البحر أيضا .


كانت الدقائق تمضي بطيئة بانتظار ميلود الذي ذهب إلى البناية المقابلة التي كان يحوم حولها بالأمس ثم ظهر لبضعة لحظات على الرصيف وانتظر قليلا لإشعارنا انه موجود واتجه بعد ذلك برفقة رجل قصير يضلع في مشيته إلى شارع فرعي ، كان الرجل يضع يده على كتف ميلود ويضحك وبعد نصف ساعة عاد الرجل وحده ثم عاد ميلود بعد ذلك في سيارته التي بدت أشبه بلعبة من الصفيح داسها قطار . 


*


استدار ميلود باتجاهي وقال :


-                     سيرتاح موسى مع العجوز ، إنها صبورة وحنونة وشهية .


و أضاف بعد قليل :


-                     صدقني ، انه الآن بين أيد أمينة ، لن تستطيع إن تفعل اكثر مما فعلت .


-                     ولكنه ليس موسى الذي اعرفه ، انه شيخ مهدم .


-                      ستعيده لاله عائشة إلى صباه ،  هل تراهن على ذلك ؟


لوح لي موسى بيد متعبة ، ثم ابتعد تتبعه نساؤه الثلاث ، لاله عائشة التي تتحرك ببطء لبدانتها وآثار الروماتيزم في قدميها ثم فريدة الأربعينية الشهية التي تحمل المظلة خلف لاله عائشة تتبعها شقيقتها نوال التي تنوء بحقيبة كبيرة وأخيرا ليلى ذات السنوات الخمس التي ورثت عن جدتها ملامحها وترفعها.


-                     هذه حال الدنيا ، لا تحزن يا صاحبي أمامنا رحلة طويلة.


وسكتّ أنا بينما ظل ميلود يهذي ويقود سيارته بعصبية ويشتم أي عابر سبيل .


قلت :


-                     ميلود ، يبدو انك لا تطاق في النهار .


لم يرد بل واصل صراخه و شتائمه .


- أرجوك ، انزلني هنا .


أوقف السيارة ونظر لي بغضب ثم اخرج رأسه من النافذة وبدأ يلعن طنجة ولصوص طنجة . فتحت باب السيارة وأردت النزول ولكنه أعادني إلى مقعدي بقوة وتمتم ببضع كلمات ثم انفجر في ضحك وصراخ هستيريين واحتواني بين ذراعيه وبدأ يبكي :


-                     اعذرني ..أنا منزعج ، لأنهم عبثوا بالسيارة .


-                      لنشرب قليلا ، ربما يذهب عنك انفعالك .


-                      عندما سنصل إلى أصيلة سنقتحم أول حانة نصادفها .


-                     لا بأس .


وبدأ يقود بهدوء وظل صامتا ولكنه كان ينفجر في أوقات متباعدة انفجارات صغيرة تفصح عن غليانه الداخلي .


 


 


سعد هادي


محرر موقع الروائي


saad@alrowaee.com



 الفصول الخمسة السابقة من الرواية نشرت من قبل

القائمة الرئيسة
البحث