الأربعاء, 20 أيلول 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
العطر الفرنسي/فصل من رواية
أمير تاج السر
العطر الفرنسي/فصل من رواية
امير تاج السر


الفصل  الأول


  


 حين يأتي خبر ما



 


لم يكن خبراً عادياً ، ذلك الذي التقطه ( علي جرجار ) مصادفة، وأسرع به راكضاً إلى حي ( غائب ) الشعبي في أطراف المدينة حيث يعيش .وبالرغم من أن الخبر في حد ذاته كان مقتضباً وغامضاً وبلا علامات إرشادية ، إلا أن خيالات جرجار كانت حاضرة  دائماً، ومستعدة لتطويره في أي وقت ، إلى خبر ذي جدوى وتأثير .


-         ستأتي الفرنسية ( كاتيا كادويلي ) في الأيام القادمة ، للإقامة معكم في الحي فترة من الوقت ،كجزء من  دراسة عالمية .. استضيفوها  في أي مكان بينكم ،و عيشوا حياتكم كما هي .


هذا بالضبط ما ذكره المسئول الحكومي ( مبروك ) ، حين التقى ( علي جرجار ) في مبنى محافظة المدينة التي اعتاد  على زيارتها  من حين لآخر  بهدف وبلا هدف ..يعرفه المسئول منذ أكثر من أربعين عاماً ، حين تواجها مرة  في مباراة كرة قدم خشنة  ،جرت في زقاق ضحل ، وانكسرت فيها قدم الحكومي آنذاك ..ناداه وهو يوشك أن يعد ( سريرة) بائعة الشاي  المرابطة أمام المحافظة ،بالزواج كما وعد  العشرات من قبلها ..


 يا جرجار .. يا علي ..


توقف بوعده  للبائعة عند  قيمة المهر ، وعدد الجرامات في الخاتم الذي سترتديه  يوم الزفاف، وتبع  المسئول الحكومي  إلى  داخل المبنى..


-         وما هي تلك الدراسة  العالمية بالضبط ؟ ولماذا حي غائب  بالذات  دون أحياء  الكرة الأرضية ؟


-         لا ندري شيئا في الحقيقة .. هذا ما وصلنا حتى الآن .


-         ومتى ستصل تلك الفرنسية ؟


-         أيضا لا ندري .. ربما في الأيام أو الأسابيع المقبلة .


-         وما هو المطلوب من سكان الحي ؟


-         لا شيء  محدد..عيشوا حياتكم كما أخبرتك ، فقط انتبهوا إن بينكم غريب .


انصرف المسئول الحكومي إلى أشغاله ، تاركاً علي  جرجار حائراً .. في أثناء سكناه الطويلة في حي ( غائب ) الذي حاولت السلطة مراراً أن تسميه حي النور ،أو حي ( زهر الروضة )  أو حتى حي  ( حاضر)، وأخفقت .. استضافوا مئات الغرباء ، بعضهم جاء ضيفاً على أحد  يعرفه  أو يمت إليه بصلة القرابة، بعضهم اختفاء من جرم ارتكب في مكان بعيد ، بعضهم طمعاً في أرض يمتلكها بوضع اليد ، أو امرأة  يشتهيها، وبعضهم لا  لشيء أكثر من كونهم غرباء يستضيفهم حي فقير .. ومها كانت تلك الأفواج الغريبة  ومهما كثرت أعدادها وتشعبت ، إلا أنها كانت كلها من لحم الوطن ، قد تكون من  الشمال أو الجنوب ، أو الوسط .. لكنها في النهاية تتبع لذلك الجسد الوطني العريض..ويستطيع حي ( غائب ) أن يكلمها وتكلمه في أي لحظة .لكن الآن تأتي فرنسية  من مكان بعيد ، وثمة دراسة  عالمية غير معروف أصلها وفصلها.. وعيشوا حياتكم كما هي  ، فقط انتبهوا.. بالتأكيد لن يستوعب سكان الحي كل تلك الغوامض حين ينقلها لهم  كما سمعها، لكنه سيبهرها ، ويملحها ،ويطعمها تفاصيل من عنده  قبل أن يلقي بها في  أذن ( المايكروفون  ) ، وهو الاسم الذي كان يطلقه على ( حكيم النبوي )، مدرس التاريخ السابق ،و أحد سكان الحي المهمين ، والذي بدوره  قد يضيف إليها بهاراً آخر قبل أن يبثها في الحي  كما اعتاد في كل مرة يأتي فيها خبر جديد.خرج  ( جرجار ) من باب المحافظة  مسرعاً لدرجة أنه نسي أن يعود إلى سريرة بائعة الشاي ، يكمل معها ترتيبات الزواج المزعوم ، وأن يشتم ماسح أحذية صبياً هزأ بحذائه المتسخ  أمام الناس .


كان ( علي جرجار ) واحداً من أكثر سكان ( حي غائب ) إثارة للجدل ،يأتي في المرتبة الثالثة بعد ( الدقيل ) الذي عاد إلى ريفه البعيد في الشمال ، بعد أن عاش في الحي ، وعربد في المدينة لثمانية وستين عاماً ، و( ركشة ) بائع الثلج في موسم الصيف ، الذي استولى مرة على لقب ملوكي يخص واحداً من مواطني إحدى دول الجوار ، وظل يستخدمه في المدينة زهاء الثلاثة أعوام لدى النساء والمسئولين ، وحتى لدى الخفراء الذين يحرسون البوابات ، إلى أن  سمع به صاحب اللقب الأصلي ، فجاء ليعريه  في المدينة كلها، ومن ثم ليخسر خمس سنوات من عمره في السجن .


كان على جرجار طويلاً ، ممتلئاً ، قليل شعر الرأس وبلا شاربين ، ولد  ونشأ في الحي نفسه ، وعمل مراقباً لصيانة القاطرات في السكة الحديد إلى أن انهارت تلك الأخيرة بسبب الإهمال ونسيان الحكومات المتعاقبة لأمرها ، وكان يباهي دائماً بمقاومته لمرض الملاريا وحمى التيفود  والنزلات المعوية الموسمية ، التي تصيب حتى زعماء البلاد،و بقائه عازباً بلا زواج ، لكن عريساً دائماً لكل الفتيات منذ شبابه المبكر وحتى فتيات يومه الحاضر ، وانتمائه إلى حزب ( وطنك الكبير ) الذي كان في الواقع حزباً مغموراً جداً لا يضم في عضويته سوى ثلاثة أشخاص، هم مؤسسه الرحالة المقعد ( حاكم عذابو ) ، وعلي جرجار ، وواحدة قيل أن  اسمها ( سعاد سعد )، لم يرها أو يعرف عنها أحد شيئاً.كان يعشق نسج الحيل ، وتخليد ذكرى الموتى المهمين في نظره ، بفرضهم أسماء لمواليد الحي  وشوارعه المغبرة ، وابتدأ من سن مبكرة في تدريب مثانته على عدم حبس التبول ،ورئتيه على عدم السعال أبداً ، و ذاكرته على عدم الخرف حتى لو بلغ سنه المائة..وكانت أعظم أعماله على الإطلاق ، تلك الصيحة التي تنادي بحرية التخيل لدى الناس ، والتي أطلقها من حي ( غائب ) ذات مساء ، لتصل فيما بعد إلى كل أقاليم البلاد، ويطلق عليها الباحثون في السياسة والتاريخ  اسم( صيحة جرجار).لكن ذلك لم يعد عليه بمال أو جاه .


اختفى علي جرجار في لجة الحافلة المتجهة إلى الحي البعيد  مارة بأحياء أخرى في طريقها، كان في داخلها الكثيرون ممن يعرفهم وممن لا يعرفهم ،لكنه كان في الواقع بعيداً عن جو الحافلة ، غارقاً في نصه الجديد ، نص الفرنسية ذات المجيء الغامض التي التقط خبرها للتو، كان  يمحي في ذهنه  ويضيف ، يعدل ويلغي التعديل . أضاف باريس مرة كمدينة ذات جاذبية  وخصر دقيق، ثم عاد ومحاها مخافة أن يظنها البعض امرأة فيشتهونها، جعل ( كاتيا  كادويلي) الفرنسية فتاة في العشرين من عمرها، ثم استغرب كيف يجعل فتاة في العشرين من عمرها تأتي لتقيم في تلك الفوضى.. وضع حول عنقها عقداً من الماس ،في شقوق أذنيها أقراطاً مذهبة ، ثم خلع زينتها خوفاً من اللصوص الذين قد يسرقون حليها، في حقائبها بعض الصندل ، ودهن العود  وعباءة سوداء ذات حواف ، ثم عاد و تذكر عطراً كرنفالياً اسمه        ( موج ) ، و قمصاناً بلا أكمام ،وتنانير حتى الركبتين وبناطيل للجينز رأى السائحات الأوروبيات يرتدينها في وسط المدينة . أسكنها بيوتاً عدة في الحي ، وسحبها منها بحجة فجاجة الجيران وتطفلهم على خصوصياتها ، وكم من  مرة أجلسها على كرسي أو سرير من الحبال، ثم أوقفها على قدميها مخافة أن تتسخ  ثيابها . وحين اقتربت الحافلة التي يستقلها من حي  ( غائب ) ، كان ثمة سيناريو مقبول بالنسبة إليه قد كتب :


(ستزورنا في القريب العاجل ،النجمة الفرنسية ( كاتيا كادويلي ) ، لتجرب الحياة  الشعبية وسطنا ، وذلك بخصوص مشروع عالمي كبير يخص الدعاية والإعلان ، تقوم  بالمشاركة فيه، ثم تعود  بعد ذلك إلى بلادها ، وتذكرنا بالخير ) .


كانت كلمة ( تذكرنا بالخير ) قد جاءت بعد نحت شديد للذهن وليست مصادفة .. إنها تعني أشياء عديدة هامة مثل أن تجعلنا مشاهير في العالم كله بتوثيقنا في شريط تسجيلي.. ترسل لنا المال اللازم لتطوير الحي  ودفن بالوعاته وحفره..تعتني بكلابنا وقططنا الضالة،تطلب بعضنا للهجرة والإقامة معها في باريس  ،وربما تحب أحدنا بجنون  وتعرض عليه الزواج . كانت ( تحب أحدنا  بجنون و تعرض عليه الزواج )  بالذات تخصه هو شخصياً من دون سائر سكان الحي ،فقد كان علي جرجار برغم  وصوله لسن تسمح  ل( تنقو ) بائع الآيس كريم، وعمر الحلاق ، وصليحة الممرضة في المستشفى ، أن ينادونه يا جدي ، ما يزال مقتنعاً بأنه صاحب جاذبية لا تقاوم، ويمكن أن يكون العريس المناسب حتى ل(رقية ) الطالبة في الصف الثالث الابتدائي..وبنات صفها كلهن .


كان بيته في وسط الحي تقريباً ، بيت كسائر البيوت نصفه من طين ونصفه من خشب مشقق ،الذين أنشأوا الحي فيما مضى ، أنشأوه هكذا..كانوا واعين بسطوة الفقر على حياتهم، ومهووسين بغرسه في النطف حتى لا يموت أبداً ، حتى اسم ( غائب ) الذي يعني عدم الوجود أو الانمحاء ، لم يأت من فراغ أو سذاجة ، إنه الاسم  الذي اتفق عليه الجميع وهم يضعون اللبنات الأولى في بناء الحي ، وحين جاءت أجيال بعد ذلك ، طرقت التعليم ، أو عرفت سكة السفر إلى بلاد الخليج العربي وأوروبا وعادت، لم تحاول أن ترمم حائطاً مشقوقاً ، أو تدفن حفرة  يمكن أن تبتلع أحداً، أو حتى لتمد يد المساعدة لطريق معوج ، ليستقيم . عادت لتعيش الحياة كما عرفتها ، ونشأت عليها . فتح باب بيته فأحدث ذلك الصرير المزعج الذي كان أيضاً جزءا من ثقافة  أبواب البيوت  في الحي .. لا باب ينفتح بلا صرير ، والباب الذي ينفتح هادئاً وسلساً ، لا يحترمه  أحد. ولا يطرق حتى في مناسبات الأعياد  التي تعد مواسماً تطرق فيها الأبواب كلها.كانت تلك ساعته اليومية في تدريب ذهنه على عدم الخرف ليصل إلى سن المائة بلا مشاكل ،لتدريب رئتيه على  عدم السعال  أو الانهزام أمام الأنفلونزا، ومثانته على عدم حبس التبول  الذي لن ينجو منه إذا ماترك المثانة بلا تدريب ، ألغى كل  ذلك  وخرج مرة أخرى  من البيت..سيذهب إلى حكيم المايكرفون ويخبره  بذلك الخبر الغريب .


كانت السادسة صباحاً في الواقع ، ساعة غريبة .. تلك التي اختارها حكيم النبوي ، لتكون وقتاً لاجتماعات مكثفة ستجرى في بيته باستمرار، بعد أن انتهك جرجار قيلولته  المقدسة ،وأخبره بخبر الفرنسية القادمة للسكنى في حي ( غائب ) .إنها الساعة التي حدثت فيها ثورات عظيمة، وانقلابات عسكرية طائشة أيضاً.الساعة التي تصفو فيها الأذهان حتى من جريرة التذكر ..الساعة التي يشاهد فيها ( موسى خاطر ) ، الذي كان يعمل في إحدى الدوائر الأمنية ويتخذ الحي  مادة لتقاريره اليومية،راكضاً في الأزقة والحفر ، في رياضة عنيفة تلهيه عن قراءة النصوص المكتوبة والمسموعة ، والمرسومة على الوجوه.والساعة التي انتحر فيها الرومانسي الرقيق ( طه  أيوب) ، منذ  أكثر من سبع سنوات حين اكتشف فجأة إن عرق الأنثى لا يختلف أبداً عن عرق الذكر في جميع مراحل تكوينه وتصببه على الأجساد .في ذهن النبوي خطط وليدة قد تنمو إلى خطط كبيرة ، وقد تموت لتأتي غيرها ، وفي ذهنه الآن خمسة أشخاص انتقاهم بعناية ليقاسمهم تلك الخطط .هو باعتباره الرئيس غير الرسمي للحي ، لأن الأحياء كانت بلا رؤساء رسميين،باعتباره الوحيد القادر على نظم قصائد الشعر ذات المدح والهجاء ، والأهم من ذلك تاريخه الطويل في الثرثرة حين كان طفلاً ثرثاراً ، ومراهقاً يكتب رسائل الحب الثرثارة ، ومعلماً لمادة التاريخ ذات الثرثرة في المدارس الابتدائية .علي جرجار باعتباره ناقل الخبر ، وباعتباره مواطناً نشطاً في كل مرحلة من مراحل تأرجح الحي،وحلقة للوصل يمكنها أن تضفر خيوطاً عديدة قد تترنح في وسطها سيرة الفرنسية قبل أن تحط بسلام في حي ( غائب ) .( منعم شمعة ) تاجر الشنطة المسافر دائماً أو العائد من سفر ، باعتباره واحداً من وجهاء الحي ، وإن محله التجاري قد يضم عطراً سلساً أو تمثالاً من البرونز يمكن أن يقدم  هدية  للضيفة في احتفال قد يقيمه الحي يوما ما . (حليمة المرضعة ) قارئة الكف والمصائر، ما أهم تلك الحليمة ، وما أهم قراءتها المستقبلية لكفوف أهل الحي في وجود كل تلك الغوامض ..تعيس الذي كان اسمه شاكر ، واكتسب ذلك الاسم لأنه الوحيد الذي لم يذق ماء ( زمزم ) ، حين أرسله إلى الحي أحد المحسنين واصطف الناس طوابير شرهة ومجنونة لتذوقه أو الاغتسال به ..كان تعيس بالنسبة للنبوي ذا فائدة عظيمة، بالرغم من أنه لم يستطع تحديد تلك الفائدة إلى الآن ، وأخيراً ( أيمن داؤود  ) طالب الثانوي الذي قطع شوطاً كبيراً في دروب التكنولوجيا ، وعن طريق شبكة ( الإنترنت ) التي يدخلها باستمرار في  مقهى ( كريزي كافيه ) في السوق الكبير ، يمكنه أن يقدم الكثير في ذلك الشأن ..قد يقترح البعض اسم سلافة الجميلة جداً ، لأنها جميلة جداً ، لكن لا محل لجمالها هنا.. قد يصرخ البعض أين ( فرفور ) المغني ، صاحب أوبريت        ( العمامة ) ، الذي يعمل على تلحينه منذ أكثر من أربعين عاماً ولم يكتمل حتى الآن ؟ ، قد يحاول جرجار إضافة واحدة من حبيباته الهامشيات ليراقب نظراتها وابتساماتها أثناء الاجتماعات ، قد يصرخ أحدهم مطالباً بإشراك رجل دين ذي علم بالحلال والحرام والأمور المشتبهات ليدلي بفتواه إذا اقتضى الأمر  ، وقد يلغي موسى خاطر الأمني رياضته العنيفة ذات صباح ، يخترق الاجتماعات ، وربما يترأسها بلا استئذان.. لكن النبوي لن يلتفت إلى شيء .. ولن يضيف أو يحذف اسماً . كانت لجنة الستة التي كونها ، ومررها ببرود  من طرف لسانه لعلي جرجار ، في رأيه ، هي أفضل لجنة تكون لمناقشة أمر ما منذ استقلال البلاد .


التفت إلى علي جرجار ، وفي صوت فخم يكاد يكون الشيء الوحيد المتبقي من فخامته القديمة بعد أن أقعده مرض الروماتيزم ، قال :


-         لقاؤنا غداً في السادسة صباحاً لمناقشة هذا الموضوع ، ووضع خطط بشأنه ..لا تنس أن تحضر شاياً وزنجبيلاً .. وبعض البن .لا يوجد اجتماع بلا صداع .والآن دعني أكمل قيلولتي .


ثم  نادى أحد ولديه ، زوده بأسماء الأربعة المطلوبين لاجتماع الغد باعتباره هو وعلي جرجار حاضرين ، أمره أن يطوف عليهم  واحدا واحداً، وأن لا ينس أن يغرس في كل حفرة تطأها قدماه ، خبر الفرنسية القادمة إلى حي غائب المكتظ بآذان  شرهة لامتصاص الأخبار .


خرج ( علي جرجار ) من عند النبوي متجهماً ، لم يكن واثقاً من نزاهة النبوي  حين تلقف الخبر ، وحين كون لجنة  غريبة لمتابعة تداعياته ، وحين لم يكرمه حتى بكوب من الماء ، وبالرغم من أنه جاء راكضا لإخباره كما تعود في كل مرة يصطاد فيها خبراً أثناء تجواله في المدينة، إلا أنه أحس هذه المرة بشيء من عدم الارتياح ، اتجه إلى بيته مجدداً ، فتح الباب ذا الصرير ، واستلقى على كنبة قديمة كانت جزءاً مهما من إرث البيت..أرخى مثانته وقبضها عشرين مرة ، استنشق ثمانين نفساً عميقاً وأخرجها من دون أن يسعل ، عاد بذاكرته أربعين عاماً إلى الوراء ، تذكر ثوباً أحمر اللون ممزقاً في وسطه ، كانت ترتديه امرأة ، وطقماً للشاي من الخزف كان راكداً في رف ما ، وزجاجة من عطر ( الريفدور)،سقطت على الأرض وانكسرت ..وزهرة من زهور ( زنبق الصحارى)، نبتت بقامة طفل ثم يبست .. تذكر أمه حين كانت تبكي بمناسبة وبلا مناسبة ، وأباه حين كان  يعشق نوم القيلولة حتى مات في إحدى القيلولات ، وجارة اسمها سعيدة لم تكن أبداً سعيدة .أحس بمثانته قوية جداً ، ورئتيه سلستين في التنفس،وذهنه قد صفي  وعاد شاباً، نهض واقفاً ، خرج مرة أخرى إلى الطريق وخبر ( كاتيا ) القادمة من بعيد، لا يفارق تفكيره ، ولا يدري لماذا لا يفارق تفكيره .


 


أمير تاج السر

روائي من السودان يقيم في الامارات


 amirelsir@yahoo.com


 


 


مقالات اخرى للكاتب
القائمة الرئيسة
البحث