الجمعة, 22 أيلول 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
شاكر الأنباري: لا أريد أسطرة الواقع
سعد هادي
شاكر الأنباري: لا أريد أسطرة الواقع
شاكر الأنباري

غادر شاكر الأنباري (1957- ) العراق عام 1982 بعد أن أكمل دراسته للهندسة ، كان قد نشر بضعة قصص قصيرة في مجلة الطليعة الأدبية البغدادية ولم يحصل بسببها الا على شهرة محدودة في الوسط الأدبي، إلتجأ الى كردستان العراق أولاً، ثم عاش سنة في إيران، وإنتقل الى دمشق ليمكث بضعة سنين، ثم هاجر الى الدانمارك حيث ما زال يعيش، أرسل من هناك مخطوطة روايته الأولى لتنشر في دمشق عام 1994، قسم من أحداث تلك الرواية: "الكلمات الساخرات" يدور في بلدة الحامضية وهي البلدة نفسها التي تدور فيها أحداث روايته الأخيرة "بلاد سعيدة، دمشق 2008"، في تلك الرواية إستعاد أجواء الإيمان القدري الذي يهيمن على البلدة، أما روايته التالية "ألواح" فإستلهم فيها حادث ضرب الطائرات الأمريكية لملجأ العامرية في حرب 1991، وهذا ما يذكرنا بالرواية الأخيرة أيضاً، فكلا البطلين فيهما ينجو من القصف ليسرد تاريخ مدينته في مونولوج لا يخل من الهذيان، في حين تشكل روايته التالية "كتاب ياسمين" تجربة روحية لرجل يحاول أن يتسامى على الحياة الواقعية، باحثاً عن المعنى في حضارة الشرق.
 
وجاءت روايته "الراقصة" المكرسة لدمشق أشبه بهدية الى المدينة التي أحبها، وجردا لحساب ذكرياته قبل عودته الى بغداد، وهي العودة التي إعتقد إنها نهائية، ولكنه بعد ثلاث سنوات مريرة عاد ليستقر ثانية الى المنفى الإسكندنافي (الدانيمارك)ناظراً الى الوراء بحزن
عبر وصفه لمجريات الحياة في بلدة عراقية شبه منسية يحاول شاكر الأنباري في روايته الجديدة: بلاد سعيدة "دار التكوين، دمشق 2008" أن يقيم يوتوبيا تعادل خراب الواقع العراقي، مختصراً ما مرت به بلاده في سنوات ما بعد الإحتلال من خلال حيوات شخصيات عاشت تلك التحولات، أو بالأحرى عاشت كوابيسها المأساوية المتتالية، يعترف الأنباري أنه في روايته هذه وهي السابعة في قائمة رواياته، لم يتدخل الا نادرا في إعادة صياغة الواقع، فالواقع الذي حاولت الرواية الإقتراب منه كان برغم واقعيته المفرطة يمتلك أبعاداً أسطورية وخرافية، مثقلة بالعنف واليأس، فمثلا حين يكتشف أناس تلك البلدة وجود مقبرة تحت مياه نهر الفرات فأن ذلك يشبه وصولهم الى مفترق سريالي، لم يفكروا به من قبل، وكذلك الحال حين يضطروا لرفع الرايات البيض وهم يدفنون موتاهم في مقبرة البلدة، إنهم يمضون هنا بخطى خائفة بين شواهد القبور في طقس كان روتينيا ولكنه تحول الى مواجهة حربية وتخلى عن إنسانيته وقدسيته.
لماذا إذا هي بلاد سعيدة؟ من أين تأتي طيور السعد الى بلاد كهذه؟ يقول صاحب كتاب "الكلمات الساخرات، 1994"  أنه إعتمد مبدأ الـ paradox ، أو ما يحمل في داخله نقيضه لصياغة العنوان، فبلدة تعيش كل هذه المآسي والأزمات والموت اليومي، بالتأكيد يمثل وصفها بالسعيدة قمة السخرية، في الوقت ذاته يمكن أن توحي لنا جماليات المكان وإنسانية الشخوص وطراز معيشتهم الذي يستند الى نسق حضاري خفي، بقراءة أخرى تدلنا على بلاد سعيدة حقاً، فالجمال موجود في الحياة اليومية ولكن القبح يكمن في العبث الزلزالي الذي حول بلدة الرواية الى بلدة مسكونة بالخراب، هناك تأرجح مستمر بين الواقع والخيال، فالأحداث منطقية، يدركها القاريء ويكاد يلمسها، أما الخيال فهو في المناخ الأسطوري الذي يسكن دواخل الكائن البشري، أو يتولد من خلال الأحداث التي تتتلاحق في متوالية من الغرائب والعنف اللامعقول، ثمة حدود للمخيلة الإنسانية وخصوصا أمام الموت ولعل ما يرد في بلاد سعيدة هو محاولة للوصول الى مشارف تلك الحدود.
يضيف الأنباري: لم أقصد "أسطرة" الواقع، وإنما أردت نقل الأساطير التي دارت في أذهان الناس بشأن الجيوش الأجنبية التي جاءت من أقاصي الأرض، والمسلحين في الداخل أو من جاؤوا من خارج الحدود ليشاركوا في حفلات قتل لا مثيل لها في عبثيتها، وما شاع بشأن هؤلاء القتلة من حكايات وقصص وأوهام، تم تداولها بعد أن صنعت ووظفت من قبل هذا الطرف أو ذاك، المسلحون مثلاً رسموا حول "ميتاتهم" هالات أسطورية فالمسك يتصاعد من أجساد قتلاهم وهم يقاتلون بأسلحة لا مثيل لها، كما أن طيورا ًمن السماء تقاتل معهم، رصدت الرواية أيضاً الأساطير التي شاعت عن الأمريكان، فهم مثلاً يتخلصون من قتلاهم برميهم في مياه الفرات، لذلك إمتنع الكثيرون عن شرب مياه النهر لإيمانهم بأنها ملوثة بجثث الغزاة.
ولا يخفي الأنباري أيضاً أن روايته هي تجربة مأساوية ذاتية مرَّ بها، حين قصف منزل عائلته في الحامضية "البلدة التي تجري فيها احداث الرواية" ولكنها ليست سيرة ذاتية فالكاتب هنا شخصية ثانوية، أما بطل الرواية أو الشخص الذي يروي ما جرى فهو رجل إحترق بنار الأحداث، لقد عاش كل التفاصيل وهو يعيد وصفها كما جرت ولا يحاول فلسفتها، كما أنه أيضا يستعيد صور المحيطين به بلا رتوش ومنهم أحمد الأعرج الذي يكاد يكون ذاكرة حية للبلدة، إنه يسخر من المسلحين ويعتقد أن الخلاص يكمن في التواصل مع المحيط الخارجي، أو لمياء التي تختلق القصص عن سعيد الذي غاب عن البلدة عشرين سنة ثم عاد إليها، إنها تعيد رواية هذه القصص بشكل مختلف في كل مرة لتضفي أهمية على الأحداث المتخيلة وايضاً لتعطي أهمية لنفسها.
ويؤكد الأنباري أنه كان حياديا في نقله لوجهات النظر المختلفة، لقد أن ينقل صورة مختلفة للبلدة في ظل الإحتلال، بعد إنهيار مؤسسات الدولة وسقوط الديكتاتورية، لقد تسبب ذلك في فوضى "قيمية" وإختلافات شاسعة في وجهات النظر، فكمال الذي قتل إبنه في القصف يتمنى أن يحصل على قاذفة لينتقم من الأمريكان، أما شقيقه علي فيتحمس لوجودهم لأن وضعه الإقتصادي قد تحسن بعد الإحتلال، أما محمد الذي يروي الأحداث فهو حالة وسطى، هو أشبه بسجل يلتقط كل القناعات دون أن يصل الى قناعة محددة، وهذا ما ساد في نفوس العراقيين في تلك المرحلة وما زال سائدا حتى الآن، ذلك ما حرَّض الأنباري الذي غاب عن بلاده مهاجرا ومنفياً بين عامي"1982 و2003" أن يفكر برواية ثانية عن الوضع العراقي عبر شخصيات يصفها بأنها ذات حساسيات مختلفة، يرصد عبرها طبيعة المكان البغدادي الحاضر، بعد الخراب والدمار الذي ألحقته الحروب المتتالية، في تلك الرواية يعود مغترب بعد عشرين سنة من الغياب ليكتشف التباين الكبير بين الصورة التي كان يحملها عن بغداد مقارنة بالصورة التي يراها أمامه. وهو يرى أنه حقق في "بلاد سعيدة" ما هو مختلف تماما عن ما تحقق في رواياته السابقة التي كانت أحداثها تقع بين دمشق وبغداد وكوبنهاغن "حيث يقيم منذ سنوات" ضمن صيرورة الهجرة العراقية الشاسعة التي بدأت منذ عقود وتصاعدت في الثمانينيات، فهذه الرواية كرست تماماً لشخصيات لم تهاجر ولم تتأثر بإختلالات المكان الذي عانت منه شخصيات رواياته السابقة، وتجلى فيها أيضاً فهم الكاتب للواقع العراقي وتوثيقه لمرحلة يعتقدها فاصلة في تاريخ بلاده.


 


سعد هادي


محرر موقع الروائي


saad@alrowaee.com

القائمة الرئيسة
البحث