الإثنين, 16 تموز 2018
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
كوميديا الحب الإلهي/وهم اللحظة المعاشة أم التخلص من الماضي؟
سعد هادي
كوميديا الحب الإلهي/وهم اللحظة المعاشة أم التخلص من الماضي؟



تتخلص شخصيات رواية لؤي عبد الإله( كوميديا الحب الإلهي-دار المدى2008) من سلطة المكان ولكنها لا تستطيع التخلص من ماضيها، إنها برغم الفروق والاستثناءات أسيرة لتشابكاته وتداعياته، المكان البعيد يرسل رسائله دائماً وهي مشحونة بالألم والسخط والمأساة، عبدل مثلاً: اللص منذ طفولته الذي يعاقبه والده بحذف جزء من اسمه الأصلي عبد الوهاب ليعيش بنصف اسم، البرغماتي، عاشق المال، الغامض في عواطفه والذي يذهب إلى لندن بعد أن يصغي بالصدفة إلى حوار بين رجلين في مقهى بغدادي يشيد أحدهما فيه بالضمان الاجتماعي في بريطانيا، لا يعيش سوى أربع سنوات مع زوجته الإنكليزية ويطلقها حالما يصله جواز السفر بالبريد ليتزوج من خطيبته العراقية "بيداء" الفتاة الخجولة، بردود أفعالها السلبية، التي حاول أن يعيد تشكيل عواطفها ومشاعرها لتنسجم مع ما يريد، إنها تأتي من بغداد بكل خواص الزوجة التقليدية: ماكنة للإنجاب والطبخ وأداة للتخلص من الشحنات الجسدية، وهي تأتي لقريبتها شهرزاد بدفتر ذكرياتها وصورها من بغداد، لتوقظ فيها مشاهد من ماض حاولت نسيانه، شهرزاد ابنة الإستقراطية، التي درست الطب وظلت تبدل عشاقها مع تبدلات الموضة والتي كان والدها يعمل مع العائلة المالكة قبل انقلاب 14 تموز 1958، تسربت إليها رائحة أليفة وغريبة من الدفتر، فبرغم انطفاء ملامح الماضي عن ذاكرتها ظلت تلك الرائحة تهب أحيانا من وقت إلى آخر من نقطة مجهولة في روحها لتتركها في حالة دوار خفيف، كما أيقظ ظهور بيداء المفاجيء فيها شعورا غريبا بالانتماء إلى بقعة ما من العالم وعبر الصور التي جلبتها كانت تستطيع تتبع أقدار أولئك الذين تركتهم وراءها، سألت مثلا عن مغن شاب صعد نجمه قبل مغادرتها: ناظم الغزالي فرد عليها عبدل ضاحكا لقد مات منذ قرن، أما عشيقها صالح الذي يهرب من العراق بعد أن عقد قرانه على إمرأة تنتمي إلى اليسار لا يكاد يعرفها وقرر السفر معها إلى لندن ليقضيا شهر العسل ولكن الشرطة تداهم البيت الذي تسكنه مع آخرين ويضطر هو للفرار وحيدا فينشغل بكتابة رواية عن الماضي جاءته فكرتها الأولى عندما كان يطوف مع الحشود ووسط اللافتات حول الجثث الأربع عشرة المعلقة في ساحة التحرير في 22 شباط 1969 بعد إدانة أصحابها بالتجسس في الشهور الأولى التي تلت استيلاء البعثيين على السلطة، كان ذلك الاندهاش المذعور الذي أصابه من رقصة الموت الجماعية هو الذي سيستفزه فعادة خلق مشهد الرعب، أما أسلوب الرواية الذي يستعير خصائصه الفنية من أسلوب سيزان في الرسم فيركز على سرد الأحداث من مواقع زمنية مختلفة بإدماج وتفريق صوتي الراوي والبطل مثل آلتين موسيقيتين، تتحدان وتفترقان على امتداد زمن المقطوعة، ثمة رواية أخرى داخل الرواية، وثمة فصول تعيد حكاية سلمى التي كادت أن تكون زوجته عبر شخصية حياة التي تتحول إلى عشيقة للمسؤول الأمني الكبير الذي يسميه "المبدع" في إشارة ملغزة وساخرة إلى أنه هو الذي ابتكر ذلك الطوق الحديدي الصارم الذي عاش العراق في داخله لأكثر من ثلاثين عام، فبفضل ذلك الخوف المتغلغل في الهواء عبر تأسيسه للقلعة(أو لسجن قصر النهاية الشهير تاريخيا وهو المعتقل الذي كان مسرحا لأساطير عن التعذيب وتصفية خصوم النظام الجديد) تمكن الزعيم ووزراؤه من التمتع بأمان مطلق واستفاد الناس من جهوده فطالما هم منصرفون إلى حياتهم الخاصة فقط يستطيعون التمتع بالأمان أيضا، بل حتى المجرمون أصبحوا جزءا من فرقه العاملة. وفي الرواية تسير حكاية حياة/سلمى بموازاة الحكايات الأخرى دون أن تلتقي بها، إنها حكاية متخيلة أعاد صالح تأليفها في روايته داخل رواية متخيلة أخرى أكثر اتساعا وتداخلا، سرد يناظر سردا ونسيج من الإستعارات التاريخية وإعادة الصياغة والتحوير ولعبة إمتاع ومؤانسة يتمكن منها لؤي عبد الإله ببراعة، إن روايته تقترب من التاريخ عبر "ذاكرات" تحاول أن تكشف عن ماضيها، ولكن هذا الماضي يعاد إنتاجه ثانية في رواية أخرى، يكتبها صالح بدلا عنه، أو يستعير وجهه داخل الرواية الأصلية كقناع يجرده من هيمنته المطلقة على النص، تجاور وخطوط متوازية لا تلبث أن تنتهي بتدمير الرواية الداخلية وتواصل الإطار الروائي الأساسي، شهرزاد تمزق المخطوطة والمواد والنصوص الأرشيفية التي جمعها صالح طوال سنوات بعد أن تكتشف علاقته مع بيداء، وهذه الأخيرة تحرق صور ابنها المصاب بمتلازمة داون ورسائل أبيها وتهيم على وجهها في شوارع لندن وثمة إشارات في الروايتين الأساسية والداخلية إلى أنها ستموت تحت عجلات المترو بالطريقة نفسها التي ماتت بها أنا كارنينا، على الجانب الآخر هناك دائما كوابيس وأحلام يقظة تطارد شخصيات الرواية، تبدو متشابهة إلى حد ما، هي أيضا جزء من وجود الروائي الدائم خلف شخصياته حتى لكأنه يروي أحلامه هو ويعيد توزيعها في "مخيلات" تلك الشخصيات، كوابيس طويلة يراقب فيها الحالمون ذواتهم في لحظات رعب وشهوة واكتشاف، هي بشكل ما استعادة للماضي الذي لا سبيل إلى التخلص منها، فإبن عربي "المتصوف المعروف" الذي يقحمه المؤلف في مشاهد اعتراضية داخل الرواية ليبحث بين سؤال يؤرقه: هل هناك بعث للحيوانات في العالم الآخر؟ يكتشف في الصفحات الأخيرة وهم اللحظة المعاشة: نحن لسنا سوى ظلال محض للذات الإلهية، حيث كسيت أعيان الممكنات بثياب الوجود ودفعت صوب عالم الشهادة إلى حين، لكنها لن تترك وراءها أي أثر.

سعد هادي
محرر موقع الروائي
saad@alrowaee.com
القائمة الرئيسة
البحث