الأحد, 19 تشرين الثاني 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
اعترافات كائن/مقاطع
إبراهيم حسيب الغالبي
اعترافات كائن/مقاطع
-1-
أبحث عنها..... في كلّ لحظة أشعر بأنها تضاف إلى هيكلي الذي يعدّه الرماد . في كلّ خطوة تدوس أمنية في الطريق ، أبحث عنها .. في أدنى حركات جسدي و في أشدّها رفضا لرقعته التي ينبت فيها تأريخه الضائع .
أبحث عنها كلّما لعقت الريح المالحة من مستنقع خسارتي .. و كلّما لامست يدي أكاذيب المرايا التي تلفّق ملامحي .. لا أعرف فاصلة من فواصل الوقت و المكان تغادره هذه اللحظة الشائكة . ربّما حاولت أن أقتفي أثرها غير مرّة إلا أنّ حقيقتها اللبقة تصرع كل ما أقوى على افتعاله و تحيله نطاقا من الظلّ ، خيبة لمنطق الوجود .. و يبقى المعنى لا يعدو مجرد مثال زائف . لا أنفكّ أجري وراءها ، تجذبني من أوهن النقاط .. وأطيع قوّتها القاهرة التي تستبدّ بي . كُثْرٌ هي المحاولات التي لا تقبل أيّ حكم ، فالأثر كان وهما لكلّ ما جرّبته من أمرها . إنّها اللحظة التي يكبو عندها الزمن وفي نفس الوقت يمضي إلى غايته دون تأخير .
حين كنتُ خاليا من قسوتها ، لم أضرب إلاّ موعداً يبلّ الحشد المرسل من أحلامي الملغومة بغيبها . أطرب في علبة من القارّ وأشهر سنابل للدعةِ من شرفات مسائية تختلق لنفسها أصنافا من العطور و الألوان الغريبة .. و لكم كانت الأشياء تنزلق بي مكانها ، تنعدم تحت حُلّة شغفها أوزان الغيوب الناطقة و الأحاديث المحروقة للنصف . لم أسجّل في لحظات هوسي فاصلة مرفقة بنكهة الزمن و مذاق السير إلى قصدٍ ما . كنتُ بريئا من اليقين و الشكّ والاحتمالات التي لا أطيقها ، و حين أبصر نخلةً عاريةً فلا أفكّر إلاّ بثمرها الضائع .
لكنّني الآن أبحث عنها .. عن صخب مُنتظَر ، عمّا يشبه فكرةً تُراد لاكتشاف مئات الأفكار المخبّأة . لم يخطر لي ما كانت تمليه عليّ خلال الأشهر الماضية .. أشهر البحث عن لحظة .. فمن يخترع لي هذا الشيء ؟ من يخلق عدما حيّاً يبصر ويسمع و يتنفّس و يشتهي ، و ربّما أردته أن يكون شاعراً يخترق نوايا الموتى ،و يطّلع على خبايا جنّاتهم ؟ لا يمكن لميّت أن يكون بلا جنّة ،و إلاّ فلماذا يموت الناس ! في أوّل يومٍ من تلك الأيّام رأيتُ أحدهم يموت ، موتاً بلا هوادةٍ ، نزف مخّه و غطّ في سكون بشريّ . و لكم هو قاسٍ و بشع سكون البشر هذا ! كنت أحدقّ بشيء بدا كقيء المُتخَم و أنا أقف وراء فمي المفغور الذي انتهزته معدتي كي تهرب .. واحد من الذين كانوا يراقبون أنفسهم قضى حاجته نيابةً عن الآخرين ، و جعل من الضروري تنظيف المكان من الأقذار الساكنة ، لتعود الحركة الدؤوب ثانيةً كما كانت .. ركل و لطم صارخ على الوجوه ،انتزاع للملامح .. إعادة ترتيب لأجزاء الجسد .. تلاعب بمقاسات الطول و العرض و تحطيم للأرقام الشخصية الأخرى . عندها بدأت أبحث عن لحظتي . و أخذت أهتمّ بالوقت لأوّل مرّةِ منذ ولادتي . قدحوا شرارة الأرقام ليحطّموها ، في أسئلتهم الواضحة و تلك التي لا إجابة عنها ؛ كان يدور الشرر يتطاير ملء الأرقام التي تصلح أن تكون هويّةً لكلّ شيء .
الاسم : ثائر مجدول مهدي . المواليد : ثلاثة و سبعون . و كم العمر بالضبط ؟ لم أجب بطلاقة ممّا دفع للشكّ بالإجابة السابقة ….نظروا إليّ و كانت المفاجأة أن تضاحكوا ، قال أحدهم أن العمر لا يهمّ ما يهمّنا هو تاريخ الولادة و ثمة فرق بين الاثنين .انتقلوا إلى أرقام أخرى يدوّنونها في سجلاّتهم ؛ و دوّنوا معها لحظتي .. لحظتي المنهكة بخلودها و تفرّدها و نبوغ قدرها . ثمّ مرّ الوقت رموزاً لا أقوى على استنطاقها و فهم معمّياتها . كان هذا الوقت شيئاً جديداً ، جديداً بذاته هو ، و لعلّه من الفطنة البالغة أن أعي هذا الوصف .. و لا تنتظروا إثباتاً لصحة هذه الخرافة العقلية صدّقوا فقط أنّ الوقت يمكن له أن يكون شيئاً جديداً بذاته هو . في تلك القطعة من الليل البشريّ التي كنتُ ملتصقاً بها ؛ درتُ كثيراً حول أحداث ماضية فعيوننا لا تطيق النظر إلى الظلمة ولهذا نرى الأحلام نستعيد الذكريات فإن لم تكن ابتكرنا عالماً آخر من الوهم لأعيننا . استعدت من طفولتي صورة جارة قديمة أُعدِم زوجها أثناء الحرب وفي ذات اليوم الذي شاع فيه الخبر سمعتها تقول لوالدتي إنّهم أبلغوها بمنع الحداد عليه و إبعاداً للشبهة عنها و عن أولادها سوف تتزيّن و تخرج إلى الأسواق بثوبٍ أحمر و عينين مكحولتين . لا أدري كيف تختار الألفاظُ ذكرياتِها .. تختار الذكرياتُ ألفاظَها ..من يناغم بين اللحظات المعروفة والتي نجهلها ..!
حين طرقتُ الباب بيدي الفارغة كانت زوجتي ترتدي ثوباً أحمرَ و عيناها غابتان من الكُحل . جعلني المنظر الذي يخون زمنه مع زمن آخر أقف على قدميّ أكثر ممّا توقعتُ . تختضّني اللحظة الشائكة .. تنطّ إلى وجهٍ كان خارج الوقت هكذا هي المفارقة و إلاّ فليصمت الزمن .
- من ..!
- أنا ..اللحظة الواقعة ..القادم من الآن .. الآن التي هي زمني الذي مضى . هل ستعرف هذه التي تجهل كلّ شيء سوى الألوان أنّني جئتُ و معي لحظة واحدة بلا لون ..لحظة واحدة من كلّ عمري الذي مررتُ به أو مرّ بي .


-2-
من يشتهي طبق الحصار .. لكنه الوحيد أمامي على السماط ، بندورة مقلية و رأس بصل كبير مع خبز بلون التعب و طبق حساء لا لون له و لا رائحة . أحدّق لبضعة دقائق جائعة . ربّما نسيتُ كيف استخدم الملعقة ؛ و ربّما انتبهت خمائل لحيرتي فراحت تدسّ الطعام في فمي بحنان ساخن . ترتفع حرارة الحساء في جوفي ؛ و زوجتي لا تنقطع عن ملاعقها المتلاحقة ، لم يسبق أن أطعمتني كلّ هذا الدلال ، لم يسبق أن أطعمتني بهذا الشكل منذ زواجنا إلى ما قبل اعتقالي بساعة أو ساعتين . هاهي ذي تحشد صدقها في يدين تتردّدان بين فمي و الطبق ؛ بينما ترزح يداي تحت ثقل اللاكتيك المجتمع في أنسجتي . لم أقل لها بأنّي شبعت ، سئمتُ من شبعي .. أتت ملاعقها على الطبق و انتقلت قبل أن أتجشّأ إلى الخبز و البندورة كانت أصابعها مخضّبةً بحنّاءٍ أحمرَ ..وقف اللون مارداً يتوعّدني بغصّةٍ داميةٍ ، يُشهِر لزوجتَه الرهيبة الخالية من الوقت . لقد أطلق المارد سراحي و أعاد خاتمي العقيقي من أماناته و قال لي : أذهب إلى المنزل ، كرّرها ما لا يحصى من المرّات ، فما معنى أن يمتطي يديها الآن ؟! ما معنى أن يندلع وعيده في لقمة الخبز المغموسة بحسناء الفقراء ؟! أيّة لعبة يكرّر مواعيدها البذيئة معي ! .. و قبل أن أقرّر جهة الاعتراض .. كميّة العصيان .. لون الممانعة التي أرتضي ، كان الحساء الساخن يعترض اعتراضاً متواصلاً ، أندفع و وقع على الأطباق ؛ اختلطت أجزاؤه بما تبقى من الطعام . تصرّفت هي بهدؤ و لم تُظهِر إلاّ تقزّزاً لم يتّضح على وجهها تماماً لولا أنني أقرأ في طبقته الثانية منذ عامين . لم أجد في رأسي إلاّ عينيّ و رحتُ أجيلهما فيما حولي إجالة الطفل في الذات الواجبة . و حين ذهبت لتأتي ببعض الخرق الجافّة لتنظيف المكان حاملةً معها بعض الصحون من الخليط ؛ سئمتُ أنا من عينيّ .. من المنظر الذي يكرّر نفسَه فيهما ، و انتبهت إلى جزءٍ آخر منّي . كان حريّاً بيدي اليمنى أن تعترض بإرادة كاملة غير منقوصة الضجيج ، و لهذا حملت إناء الماء و طوّحت به بعيداً في فضاء الغرفة ؛ و هبط ليرتطم بالجدار ؛ صرخ هناك كبريء معلّق في كنّارة المردة . و ما لبث أن تظاهرت كلّ أعضائي بتلوّناتها و عروقها و شتّى اتجاهاتها … لا أنكر أنّني كنتُ كغيري ، من الصعب أن أقود جميع أعضائي في لحظة واحدة . لكنني كنتُ منضبطاً أسير في كلّ الجهات بانتظام خارق و كان هو مشبعاً بالفوضى ، مُسرِفاً بضخامة صوته الذي لا يكفّ عن وعيده ، يؤكّد لي أنّني مُدان بأكثر من تهمة لم يحاسبني عليها من قبل .
كان المارد يحاصر جمعي المعترض . يبصق على شعاراتي المرفوعة بوجهه ، مع أنّها هتفت تحت غيبوبة الوقت بالروح ..بالدمِّ ... و في لحظة ما تحول الأمر إلى مطاردة حين أيقنتُ أنّه قرّر قمعي و إلقاء القبض على بعض الأعضاء النشطة . هربتُ منه ؛ و لذتُ بجميع الأشياء التي أبت نصرتي على هذا المارد و راحت تتآمر معه ؛ تهزأ بشتاتي و تناثري بينها . كنت يهوديّاً يحاول الاختباء وراء حجارة ناطقة .. حجارة تدعوه بإخلاص " ورائي يهوديّ تعال فاقتلْه " … و يأتي ، يأخذ بخناقي ، يلكم وجهي بقبضته الفولاذية و يطرحني أرضاً على بقايا القيء .. على رأس زوجتي الهاربة . كنتُ أهجس أنّ شيئاً جديداً يعتري هذه المواجهة ، شيئاً له آثاره التي يمكن أن تقلب موازين الأمور لصالحي . كان قدراً .. ذلك الشيء الذي ليس له قيمة إلاّ في لحظته ، و لهذا دلّني على لحظته . و مع ذلك فلا يمكن للؤلؤتي الكريمة أن تخضع للوصف ، إنّها جوهر الغموض .. سحر العبث الذي يرتّب الأشياء ، يصنّفها إلى ما هو ضارّ و ما هو نافع . و من تلك اللحظة .. من التوتر الهائل في مضغتي الهادرة ولَجِتُ إلى حيث يقف المارد على أنقاض عودتي . لم استعطفه و لم أسأله بوجهٍ أصفرَ أن يجعل يده بيضاء ناصعة المعروف معي . بل اتجهت إليه ، إلى رأسه الضخم و ملاك جرأتي يرفرف على طول المسافة التي تفصلني عنه . تصدّيت له بركلةٍ ماضية جعلته يترنّح و أعلنتُ زفاف لحظتي إلى زمنها الصحيح . أعقب ذلك القدرَ صرخةٌ مدوّية ، صرخة أنثى في نوبة طلقها البكر سرعان ما خبت تحت حطام صحوتي من ذلك الوجه الكريه .
ماذا حدث أيّها العبث الساحر ؟ كيف تُرتَّب أعمدة الدخان في غابة محترقة ؟! لم تكن إلاّ زوجتي تتلوّى في زاوية من زوايا الدار . لم تكن الأشياء إلاّ أنا و بضعة أوان و أفرشة …كانت تنظر إليّ كما أنظر إليها و الصمت يقطف من ألوانها ما شاء له هذا الجنون العاصف الذي أجتاح المكان . كانت محشورةً في أمان ساذَج و قد رُسِم على جانب فمها خيطٌ أحمر من دمها الفاتح بعرض شفتها المزمومة .
- هل أنتِ بخير ؟ ما الذي حصل يا خمائل ؟!
أورق السؤال دنيا جديدة ما لبث أن تبرعمت في أنحائها ملذّات ناعمة و شهوات صغيرة تنمو على وجهها ، تسرّب شيء من بريقها إلى روحها المنكسرة ، كان لسؤالي لحظتئذ رهبة المعجزة و هيبة آلهة . نهضتْ بتثاقل يعاتب وقفتي الفرعونية و انتصاب جذع مروءتي أمامها . ما رأيتُ قطّ مثل ذلك الوميض الذي لاح في عينيها و جعلني أرتعش بكلّ رجولتي المتبقية . أطنّ حولها كذبابةٍ مسمومة . أتوزّع بين أمكنة خادعة و لا أملك غير الحيرة …
ما الذي جرى لخمائل يا تُرى ! هل شاركتني تلك المعركة الشرسة بكرّها وفرّها الغابوي .لكنّها حين استلقت في السرير إلى جانبي قالت بأنّي كنتُ قاسياً جدّاً و أنّ جنوني كان ضارياً إلى درجة أن زجاج نافذة الصالة الصغيرة و هي النافذة الوحيدة التي تعرف الزجاج بالإضافة إلى نافذة غرفة نومنا قد تحطّم بالكامل ولم يبقَ إلاّ قطع مدببة في الحوافّ الجانبية . لم تكن خمائل بليغةً كما كانت في تلك اللحظات و هي تصف لي معركتي معها و زجاج النافذة ، بدت ملامحها بهيّةً تترقرق في وداعة راضية ، وأكّدت لي أنّها لا تشعر بألم الضرب ...ناكدتني قليلاً بلفتاتها و نظرات عينيها اللتين تفوران بشبق امرأة طاهرة . قالت إنّها تتفهّم .. ثمّ أنزلتْ يدها خلف عنقي ولم تكمل ما همّت بقوله ، أنساب جسدها إليّ راضياً ثملاً بمقتنياته الفاخرة و همست في أذني ، تحي لي بدنيا مطلقة اللذّة و الجمال . كانت تشرق مع همساتها ؛ تزداد بهاءً لا تسلّه المرأة إلاّ فوق أسرّة الليل و في مخادعه العاصفة … تستدير وجوه الأشياء و تتربّع القلوب على خفقات تتغنّى بنوادرَ و حكاياتٍ وطقوس . بصري يتدرّج بقوّته منطلقاً نحو الواقع ، الواقع الذي يرقبه الخيال كي يلصّ بعضاً من ألغازه و أحاجيه . تتدفق حرارتها المغرية و يحلّق على شفتي طائر من عسل …ستّة أشهر أمضيتها في المعتقل ؛ ولم ألمس خلالها سوى تخّثري ، في الأيام الأولى كنتُ أنتقي لها بعضاً من ملامح الجرأة المشاكسة ثمّ و بكلّ ما يعنيه التراخي الزمني هنا ألفيتها عائمة في سماء بعيدة بعد الخلاص الذي كنت أنظر إليه في الظلام من حولي . الخلاص الذي وصفه الشيخ راضي الرفيق الأقدم في زنزانتي بأنّه من العيب أن نفكر به و لو للحظة حين كنّا معاً نعدّ ساعات تلك الليلة القاسية .
غمستني في حلاوتها ، في هسيس مخابئها المتوقدة . أقع هناك في حلال السعادة التي تميّز أزواج الخليقة . ما الذي يجعل من رجلٍ مثلي منتفخاً إلى ذلك الحدّ من غيبوبة الفرسان ؟ أشمخ كقائد لكتيبة تعذيب محترفة ، تترى قطرات البذخ في إناء مجرّتي ، في قواقع ملتصقة على سواحل دهشتي . و تصل خمائل إلى نهاية الغصن بعد مثابرة مُلهَمة ، تتأمّل موضع الفاكهة ، تصل حيث أنا … أنا كمعنى تقرأه المرأة لأكون لفظاً سائغاً بين شفتيها . لست أدري كيف كان شعورها و هي تحدّق بالمشهد الذي كان أمامها ! نعم رأيتها ذاهلة و عيناها تومئان إلى لهثةٍ ميّتة . كنت أجهش بالصمتِ في وجهها و أحاول أن أبقى ساكناً ، ألاّ أحرّك من جسدي شيئاً ، فالمقابر تحترم الموتى بصمتها و سكونها الهادئ . و أخيراً اكتفت زوجتي بالقول :-
- لقد فعلوها بك إذن ..

-3-

لا تختلف غرفتي عن الزنزانة إلاّ كما يختلف الحال بين الحياة و الموت ، النور و الظلمة ، الحقّ و الباطل . ينساب الصباح إليها كما الفرح إلى قلب المرء ، يدور الضوء كما تدور الغبطة و البهجة في النفس . أصدّق و أؤمن بما أراه و ألمسه لمس اليد و القلب و الروح . أنظر إلى الباب الموصدة كشَفةِ محبوبةٍ خَجِلة تغمض عينيها عند قبلة اللقاء . لقد أغلقتْه خمائل و ستفتحه هي ما أن أنادي باسمها العذب .. و رحتُ اصرخ كطفلٍ يطلب الرضاع . لكنّها لم تأتِ ، ربّما لم تسمع ففي وقتٍ كهذا تكون مشغولةً بعجينها و خبزها في الفناء الجانبي للدار حيث تقبع التنّور الطينية. ما زلت أذكر صباحاتها و لا شكّ . أداعب هذا الدلال و تبجّلني الحريّة بلقب ملَكيّ ، تحثّني على البقاء في الفراش ، أستغرق في نعيم الخلاص أتذوّق انعتاقي من ربقة أولئك المردة العتاة . دفعني الإحساس بالنشوة و الطمأنينة العارمة ؛ بالسكينة و نفحات الأمل بأيّامي القادمة إلى أن استعيد هازئا بعضاً من مشاهد خرائبي ، ذلك الحشد من الكوابيس التي ما أن أفيق من أحدها حتّى يخترمني كابوسُ آخر .يأتي على كلّ ما أملكه من طواقم صحوتي . يا لها من حركةٍ للنفس ، تبدو و كأنّها صبيُّ يقارن بين لعبتين في يده . و دونما انتقاء فالأشياء في عالمٍ كهذا متساوية كعيون المردة تراءى أمامي منظر الأستاذ أبي بلقيس و هو يضرب الجدار بمؤخرة رأسه الذي أفرغوه من ذاكرته قبل أسبوعٍ واحد من تاريخ الإفراج عني . كان يضرب رأسه بالجدار و يردّد أبياته النازفة كلّما تيقنّا أنّ يوماً آخر يهدر تأريخَه خارج الأسوار . كان يكثر من ترديد أبياته تلك على الدوام كما تدوم الصباحات و تولد أيام الأرض بعيداً عنّا . لقد حفظتُ بيتين من شعره الشهيد ، شعره الذي قضى تحت وابل العصيّ التي تكسّرت فوق جمجمته .
تدور الأرضُ و الأيامُ حولي
ولا ليـلٌ أراه و لا صـباحُ
لقد حصدتني للبلوى ريـاحٌ
و كانت من معابريَ الرياحُ
هكذا كان في وقته المخنوق بالريح ، يحصدُ همومه دون مواسم أو مواقيت . لم أكن قادراً لما اسمعه من الشيخ راضي و الأستاذ على أن أحلم مجرد حلمٍ عابر بالعودة . لكم قالا أنّ القدر معلوم و لكن يبقى الله وحده علاّمَ الغيب . لكنني الآن في ذات المكان الذي انتزعوني منه عارياً قبل أشهر و الذي قال عنه الشيخ في الزنزانة الأخيرة التي وضعونا أنا وإياه فيها معاً :- لن تعود إليه ، لكنّك ستراه ما دام هو الأمنية فالحقّ في الملكوت أن لا فرد إلاّ الله و لا صمد إلاّ هو ، و واقع الممكنات يختلف ، يختلف يا ثائر . إنّها مركبّة لها صورتها التي يحضرها الربّ في طرفة عين .. سترى زوجتك و مكانك الذي ترغب منها و ستحفّك حور العين ..
أذكر أنني فزعت من حور العين لم أشتهِ سوى المكان بخمائله ، بحقيقته المادية ، بغيبه الأدنى الذي تشاركني فيه حوّاء معرفته و أسراره .
- خمائل .. خمائل ...
أين ذهبت حوريتي ؟ هل تنتظر أن أخرج لأقبّل أعتاب جنّتي ؟ أن أحجّ إلى قداسة أسرارها الملونة ؟ تهبني اللحظةُ مشاكسةً ناعمةً مع هذا المنحنى الرماديّ . كنت أطمح أن تأتي هي لتفتح أوّلَ صباحٍ راغدٍ يجمعني بها بعد هذه الأشهر الفاجعة المظلمة . أتأرجح كقاربٍ يجرّب أولى رحلاته صوب الأفق ، أخطو مثمراً بصورة خمائل و هي تجلس تلك الجلسة الناعسة التي تحبّذها النساء كأوّل الدغدغات ؛ نافلةً من الأغراء لشبابٍ دائم التوثّب يعزف على وتر الوسادة المشغولة ، و سأجد أمامها الصحيفة النحاسية و إبريق الشاي و قطع الخبز المحاصرة . أقابلها بألم شجرةٍ عارية فلخمائل أن تفطر بالشهد و مثلّثات الجبن و أكواب الحليب الذي يشبه جلدها .أمسكتُ مقبض الباب و فتحته على بلاط ملكتي . ليس ولهاً مفاجئاً هذا الذي أغنّي له و أثرثرُ لوجه مهابته . ليس هبّةَ شوقٍ في مقابل سكون طارئ ألمّ بأشهري الستة الماضية . فخمائل دفئي الذي غنمته بعد رحلة صقيع لخسارات متوالية قبل أن أرسو على ضفاف سحرها وألقها .
سمعتُ صرير الباب الخارجية و نظرت من النافذة ، كانت تتهادى بخطوات مدلّلة و هي تحمل في يدها طبقاً مغطّى بقطعة من القماش .
- صباح الخيرات أيّها القمر .
و تناولت الفطور ، أفطر لأوّل مرّةٍ منذ ذلك المساء العاري . شهية عامرة و معدة مهيأة لابتلاع خروف بكامل شحمه و لحمه . لقد أتت خمائل بالقشطة العربية المغموسة بحليب البقر الطازج ، طبق له ثمنه لكنّها لم تبخل به على حبيبها العائد من جوع طويل . غير أن وجه خمائل لم يكن بإشراقه و بشاشته المعهودة . كان فيه من الجفاف ما يظمئ بطائح الجنوب ، و حين تطرق تبدو في غير ملامحها الوادعة و تتحرّك يداها بشكلٍ لا نبض فيه .
- مرّ هاشم كثيراً في غيابك .
لا شكّ أنّ القشطة قد ذكرتها به . فحين كان يقرّر هاشم البقاء عندي في بعض الليالي فلا أكرمه إلاّ بهذا الطبق المفضّل لديه ؛ وليمة الصباح كما يسمّيه.
- بذل في سبيل إخراجك من هناك الكثير من المال . دفع لأحدهم مبلغ خمسمائة ألف و لكن الرجل خدعه و لم يفِ له بما وعد ، أخذ المال و لم يره ثانيةً إلاّ في احتفالية ميلاد الرئيس و هو يقف مع سلاحه خلف أحد المسؤولين . لم يبدّد حديثها ذو اللهجة الفاترة ملامح وجومها ، لم يزدها إلاّ انكماشا و غبرة تنطوي على تلك الحيل من التعبير للنساء ذوات الخبرة في تربية الأزواج .
- هل تشكين من شيء يا خمائل ؟
و مرّ صمتها مسعوراً بوجه مسكنتي . كيف ترتقي العيون المختبئة إلى معنى دون ألفاظ تحطّ من شأنه ! لم تجب و تلقفتْ يدُها قدح الشاي لتملأه ثانيةً و تعيده إليّ . لكنّني أواصل حُمقي و أسألها لعنةً أخرى :
- لا تبدين على طبيعتكِ اليوم ؟
كيف تجزم أنّها تبدو على غير طبيعتها ! هل رأيتَ أيامها الماضية أيّها القادم من غير زمن الآدميين ؟ و انفصلت خمائل بضميرها الهادر ؛ ضمير المتكلّم المترفع عن سؤال سافل ، يعترض الطرق إلى تفاهة من تفاهات الرجل و أسئلته الخرقاء .
في العاشرة طُرِق الباب و فُتِح في لحظة واحدة . كنتُ جالساً أديم النظر إلى السياج الذي ما زالت لبناته القديمة غائصةً في رطوبة الشتاء الماضي . أطلّ بقامته الفارعة و كرشه البارزة و ملا بسه التي تلمع بألوان مطليةٍ بذوق ذواتيّ النزعة . ألهمتْ رشاقتُه أطرافي ما يقترب من خفّته ووقفتُ ليحتضنني وهو يردّدُ بصوت مخدوش آية الحمد على سلامتي . فضّل أن نبقى في الفناء جالسين تحت الشمس الضائعة خلف الغيوم . و راح يطرح أسئلته الواحد تلو الآخر ، نبشتُ له في جراحي كلِّها التي نظر إلى بعضها مسترجعاً حيناً و مستغفراً – لا أدري لمن -حيناً آخر .
- من أين جاءوا لك بهذه التهمة ؟ ما أنت و السياسة ..
- لا أدري !
- حاولتُ و الله يا ثائر دون جدوى .. كنتُ آمل أن يفرجوا عنك مقابل مبلغٍ من المال . ولكنّهم أخذوا المال دون أن يفرجوا عنك . و لسوء الحظّ فأن الضابط الذي أعرفه في المديرية كان قد نُقِل إلى محافظة أخرى قبل أيام من دخولك هناك … عموما فأن الصداقة مع هؤلاء لا تأتي بالكثير كما تعلم لا سيما و انهم اتهموك باغتيال أحد رجال المخابرات ثم قيل أنه من أعضاء الحزب . اعتقد انه لولا اعتراف الجماعة التي نفذت الاغتيال بالفعل لما أفرجوا عنك .
- أعلم
و راح هاشم يسرد أدقَّ التفاصيل فيما يتعلّق بقصّة المال و رشوة الخمور و الولائم و الغرف الحُمر و ما بين ذلك من هدايا صغيرة تذوب فوق أيديهم و ألسنتهم في لحظات الوقوف على الرصيف أو عند زيارة للحصول على موعدٍ آخر للمساومة . و أكد أن أوجع الضربات كان قد تلقّاها من شخص يعمل سائقاً لمدير التوجيه السياسي و الذي أستلم مائتين و خمسين دولاراً دون أن يسلّمني كما هو متفقُ بينهما . و لكنّه على أيّة حال ليس الوحيد من ظلّل عدالةَ البحث عن قبري .
أعدّت زوجتي غداءً فاخراً و جاءت بدجاجة منبطحة على صحيفة من الرزّ مع طبقين لسلطة خضروات ناعمة . كانت تبدو على حال أرقّ و ربما رأيتها تغطّ مرّةً أو مرّتين في الضحك من نوادر هاشم لكنّها لم تطلق حمائمها تماماً . كان وجهها قطعة قاسية يختنق بالكآبة حين تبادلني الحديث باقتضاب حول بعض الأشياء العابرة . لم يخطر ببالي أن أسألها عن المال الذي تنفقه خلال المدّة الماضية إلاّ بعد أن سألها هاشم عن سعر الدجاجة و وجدها مناسبة لاستعراض أسعار المواد الغذائية في الأسواق هذه الأيام فسردها بطريقة صحفية كمن يخبر عن وجود بلاد جديدة لم تُعرف على الأرض . ربّما كان ذلك مقدّمة منه لأخباري بقرار فصلي من الدائرة التي نعمل بها فهو قلما يتطرق لأمور كهذه . جمّد الأسف يدَه و هي تحمل الملعقة أمام فمه ليؤكد أنّهم اتخذوا قرار الفصل بعد أسبوع واحد من تأكد خبر وجودي في مديرية الأمن على حدّ ما تناهى إليه . و لا أحد يعرف إن كان ذلك بأمرٍ من الجهات العليا أم أنّه مجرد اجتهاد من مجلس الإدارة . لم يكن لسؤاله أهمية فاجتهاد الإدارة هو الآخر قرار صادر من تلك الجهات العليا ، و لكنّ هاشماً كغيره من الموظفين على ما أظن ، لا بد له أن يبحث عن سؤال لجواب تتردد أصداؤه في غرف و زوايا الدائرة .
كانت المنشفة التي استعملها هاشم و التي جلبتها خمائل من غرفة النوم جديدة و ذات وشي رائع و نادراَ ما كانت تدخل مثل هذه القطع الباذخة إلى بيتي . كان و هو يتأنّى في تجفيف يديه يبدو كذلك المارد الذي رأيته في غرفة التعذيب عندما سحبوني إليها من الزنزانة ذات ليلة .. كانت الليلة الثالثة أو الرابعة لي في ضيافتهم . أذكر حين حملني الشرطيان إلى هناك سمعتُ صراخ امرأة ، صراخاً لم أسمع مثله في حياتي و لم أكد أصدق أن للمرأة طاقة على الصراخ إلى هكذا حدّ .. صراخاً يحمل كلّ رعب العالم ، كلّ صَغاره و ذلّته ، صراخاً جعلني أنظر إلى صدري و أنا أتخيل أنّه قد أثمر كرتين تختضّان في عري يفضحه النور ، النور الذي يفضح الأجساد و يخبئ الشياطين . سمعتُ أحد الرقيبين اللذين يحملان جثّتي إلى مقبرة مؤقتة و هو ينعتها بلقب داعر و يتندّر من صرختها تلك . هناك رأيتها مكوّمة في زاوية قرب الباب ، عارية في صحوها المهزوم متجمدةً كأنها تراقب المارد الذي كان واقفاً يغسل كفيه من لزوجة الحلوى التي علقت بهما . ثمّ أستعمل منشفته الزاهية يمرّرها بترف هادئ على صفحات خدّه و جوانب عنقه اللامعة . و حين رمقني أبتسم و هو يحرّك حاجبيه كمن حضي بطَلِبةٍ عصية لانت له بعد جهد . قيّدوا يديَّ إلى الوراء و حملتني آلتهم إلى ارتفاع يناسب قاماتهم ، كانت العصي و الأسلاك متناثرة في مكان أمامي أغلبها مكسور أو متهرئ و ثمة مكنسة ذات عمود خشبي طويل أستُلّ فيما بعد و ضُرِبتُ به حد الغيبوبة الحقيقية . تأرجحت فوق جسدها العاري و رأيتُ أن الدم قد تجمد بحياء على جوانب غير مباحةٍ للوصف . كانت منهكة ومبعثرة ، بدت من تلك النقطة التي أنظر منها كحشرة مسحوقة . لم يُلقِ منشفته بل رافقته نحوي ، تجفّف خطى القدر من أمل سقوطه و انحنائه أمام منظري الكسير الكسيف المتهرّئ . قال لي بهمس :-
- ستعترف هذه المرّة .. ما رأيك بهذا اللحم ؟
جملة لم ترتبط ألفاظها في ذهني إلاّ بقدر ما يرتبط القدر بغيبه .. المنشفة بجفاف ريقي .. أنا بالمارد .. و عاد ليهمس ثانيةً :-
- إنّها ضيقة وناعمة ..ما رأيك .
لا يبدو أنّها تسمع أو ترى . ساكنة كما رأيتها عند دخولي ، هل للشيطان أن يعرض بضاعته بهذه الصورة ؟ و لماذا اصمت كميّتٍ لا يعي أن من يجري له الغُسلَ فتاة عارية مثله !
ألقى الأشياء من حوله و انتفضت ريحه لتعصف بي بعدما أمر الشرطيان أن يرفعا جثّة المرأة الميتة من المكان و أصدر لهما تعليمة غامضة بشأنها . من أعاده الآن ليقف أمامي ..؟ لقد خرجتُ من تلك الغرفة تاركاً بعضَ لحمي هناك و لن أعودَ .. لن أعود إلى تلك المنطقة الفاصلة بين الحياة و الموت و التي تعاندُ الوقتَ الرحيم لله في عباده .. لن أعود إلى الدم و المنشفة و ذباب ندمي على تلك الحلوى . لكن وجهه المصعوق برغبة قتلي يدنو .. يدنو بلا تردّد يختال طرباً شبعاً ثملاً أمام حزني و جوعي و صحوة ذاكرتي . لستُ معلّقاً هذه المرّة و لن أخشى أن يقطع جزءا آخر منّي . سأكيل له الركلة بالركلة و الصعقة الكهربائية بأختها . سأقاومه .. بل سأنقضّ علية لأباغت حساباته قبل أن يلمس شعرةً واحدة من زندي . و اقتحمت ما لم أجرؤ يوماً على اقتحامه بهذا العناد و هذه القوة التي لا تبالي بأحد مهما كان وزنه و حجمه . ضربته حدّ أنني أدميتُ نصف وجهه .. ركلته في بطنه مرات عدّة و أخيراً سقط إلى الأرض .. سقط كأيّ إنسان آخر يمكن أن يسقط . كان يتناهى إليّ صوت امرأة بدا لي أنّه آتٍ من بعيد .. صوت يستغيث و يطلب الرحمة . أ تراها تلك المرأة العارية التي حملوها من غرفة التعذيب ؟ و لكنها لم تكن سوى جثّة هامدة . ما زلتُ أبصر بركة الدمّ التي تركتها في المكان ، بركة تلتهب بكلّ حرارة الجسد الذي فارقته ، هكذا شعرتُ … سمعتها تهدّدني بالعري و خُيِّل إليّ أنّها تحمل بعضاً من أسراري الغالية . أسرار لا أريد لها أن تتعرّى أمام كائن بشريّ أياً كان . رأيتها تقف دونه .. من ذا يدافع عن قاتله ؟ من ينصر مارداً على أبناء جنسه ؟! كانت هي بعينها تضع يدها في صدري و تدفعني بكلّ قوّتها عنه . لقد شكمت لحظتي .. لم أقوَ على اجتيازها ، ربّما كنتُ مبالغاً في رحمتي بها .. و أخيراً هرب ممتطياً لحظتها التي أبت أن تتدحرج عن زمني .
سمعتُها و هي تقول " اهدأْ أيّها المجنون .. إنّه هاشم ". لم أفهم ما كان يهذرمان به لبضعة دقائق قبل أن تخبو ثورة خمائل و ينزوي هاشم في جانب السياج . ثمّ وقفت زوجتي إلى جانبه و أنا أديم النظر إليهما ..لم أرَ من قبل إنساناً ينطفئ بهذا الشكل المخزي إلاّ في تلك الكهوف الباردة المليئة بالرعب و الموت .و قبل أن يهمّ هو بالمغادرة قال بالحرف الواحد إنني عاقل .. عاقل لا ريب في ذلك .
مساءً ، هيّأت لي ماءً ساخناً في الحمّام و أحكمت إغلاق نافذته الصغيرة و فجوات البرد المترامية حول الباب . كانت المرّة الثانية التي استحمّ فيها منذ عودتي ، و رغم رغوة الصابون الكثيفة و التي كرّرتها كمن يكرّر لعبة مسلية لم أصل إلى جلدي و لم أفلح في أن أفتح مسامة واحدة من مساماته المغلقة ، ظلّ قابعاً تحت طبقات من لون خادع .. لونٍ أضافوه لتزوير سمرتي الشروقية الفاتحة . تأملت و أنا أجيل تلك الرغوة جزئي الأسفل .. يا له من منظر مفزع ، كيف أطاقت خمائل النظر إليه ! و هناك .. في ذلك الحيّز من الصابون و جيولوجيا أشهري الستة كنتُ كمن يكتشف حقيقة غائبة لم يعرفها من قبل .. حقيقة يقف عليها في لحظته .. إنّ عضواً من أهمّ أعضائي قد سُرِق و لم يبق منه سوى شئ يسير لا يكفي . تركت الرغوة تجفّ على تاريخ منقوع بالدمّ و البصاق و مخاط الحقائق المؤلمة لأنظر في بقيّته و الدائرة المستوية التي تحاول جمع محيطها إلى المركز و التي ضربت هندستي في الصميم .. ما الذي أنتظره من شئٍ مقطوع الرأس .. حين تطيح الرؤوس فلن تعود إلى أماكنها ..
عدتُ إلى خمائل ، ليلتي هذه تختلف عن سابقتها . تختلف في أشياء عديدة أوّلها هاشم الذي أصرّت خمائل على إحضاره ليشاركني الفراش إلى جانبها
- لماذا فعلت هذا مع هاشم ؟ لماذا صفعته على وجهه ؟؟
و يصمت الحق الملعون في قرارة الجثّة .
- لم يقصّر معك في شئ !
و يضرب أبو بلقيس رأسه في الجدار .
- لم يكن هذا جزاؤه منك ..
أعي أنّه يهزأ بي ، بفراشي البارد الذي لا حياة فوقه سوى لخمائل . و ها هي وحدها من يتكلم . " اللعنة على هاشم " قلتها لأثبت لها مقطعا من مقاطع رجولتي المعطوبة . و تكف عن مواصلة الحديث . أبلغ ما تأتي به خمائل هو صمتها عن مواصلة حديثها حين يكون له معنى مفهوم .. مفهوم حدّ أنه لا يُنسى . تهتُ عنها خلف قطيع من الأفكار ، إذ دارت عيناي في زوايا السقف و انحدرت إلى صورة بالية لوجهينا في غمرة مساء أبيض يتوضآن بلهيبه . تذكرت من تلك الليلة كيف أطلق أحدهم رصاصة فرحة لتستقر في يد أحدهم و كيف تم تأجيل الزفاف إلى منتصف الليل ، يعود وجه خمائل ببلاهته غير الملائمة و يسألني أن أحتفظ بجسدي بعيداً عنها كي تهرب من طقوس تلك الخلوة .. لكنّني صمّمتُ على حقّي ، حقّي الذي قال عنه أبي إمّا أن آخذه تلك الليلة أو لن يؤخذ أبداً ، خلعتُ ملابسي و تردّدت هي في أن تطيع و انتهت الجولة الأولى حين سافرت خمائل دون رغبة منها ثمّ تكرّر السفر دون رغبة منّي . ذكّرني وجهي القابع في تلك الصورة بالمزحة التي كان يردّدها هاشم حين يؤكد على أنّ ليس ثمّة مقارنة بين جمالها و دمامتي و تلوذ هي خلف حياء باسم حين تسمع كلماته ثمّ ترمقني بنظرة غامضة و كأنها تحاول أن تكتشف ما لم تره في وجهي بعد .
كانت تغطّ في أحلامها ، أحدّق بجسدها الذي يتوسد بركة الذكريات الغالية ، تنبئني التفاصيلُ بكثيرٍ من الهوامش و الألغاز و الأوقات المسعورة . كلّ جزء من تلك الأجزاء الرابية و المنخفضة و المدفونة بين بين له في هذه اللحظات أن يسرد ما لا يحصى من الحكايات و القصص الماتعة .و أمضيتُ وقتي أتأمّل خمائل … أتفحص الانحناء الخلفي من وراء الملحفة التي حاولت جهدي نزعها عن بعض الأجزاء الضرورية دون جدوى فقد كانت تعيدها إلى وضعها في طرفة عين .. و استولت عليّ رغبة في أن أقبّلها في موضع ما و لكن الطريق لم يكن متاحاً و اكتفيت بقبلة حذرة على ساقها اليسرى التي كانت مكشوفة بغفلة منها . في الصباح استيقظتُ و لم أرَ خمائل في السرير . كنتُ أشعر بنحو من السكينة و الهدوء النادر . كانت أحلامي ؛ التي تركتُ آخرها للنصف ؛ خمائلَ و باقةً من الأغنيات . قاومتُ رغبة عظامي في البقاء تحت ملحفي الدافئ .فتحتُ باب الغرفة الذي أغلقته خلفها و بحثت عيناي عن ملكة الصباح كي أعزف لها مقطوعة باهرة من الأشواق قرّرتُ أن استلهم ألحانها من صباحات ماضية عسى أن تتذكرها الآن . تُرى هل وضعت خمائل أحمر الشفاه اليوم؟ و هل كحّلت جفونها الناعسة ؟ و أيّ ثوبٍ انتقته من أثوابها الثلاثة المتبقية التي حافظت عليها من هدايا العرس ؟ خرجتُ إلى الفناء و امتلأ أنفي برائحة الشيار التي رسمت لي خارطة من اللهو الساذج لطفلٍ يتقمّص دور أحد كلاب السينما . خطوتُ مغمض العينين في الممرّ الجانبي من الدار ، و فتحتهما عند نهاية البلاط الأسمنتي القديم .. لم أرَ خمائل هناك . كانت التنور الطينية وحدها مغروسةً في تلك البقعة الموحشة . إذن لم تكن بحاجة إلى الخبز و لا شكّ أنّها ذهبت لإحضار طبق القشطة العربية ، و عدتُ إلى التفكير بالمال الذي تنفقه زوجتي هذه الأيام و الذي أنفقته طوال فترة الاعتقال فقبل أن يقتادوني معهم كنت قد أتيتُ على المبلغ الذي صرفته الشركة كحوافز شهرية و لا أذكر أنني تركتُ في جيب قميصي الذي بقي بريئاً خلفي سوى ألف دينار و فاصل الأسبوع الذي حذفوا أسمي بعده من سجلاتهم كان ضمن الشهر التالف فمن المؤكد أنهم لم يصرفوا لها شيئاً .. لم أسألها كيف تدبّرت أمرها خلال الأشهر الماضية .
لم تشرق الشمس ذلك اليوم .. و لم تعد خمائل إلى البيت . فكّرتُ عند الظهيرة أن أخرج للبحث عنها حيث أحتمل وجودها . لكنني لم أفعل . لازمتُ الفراش و ظللتُ أحدّق بتلك الصورة الصامتة إلى أن طُرِق الباب.

اعترافات كائن: الرواية الفائزة بجائزة الروائي لعام 2008


إبراهيم حسيب الغالبي
روائي وشاعر من العراق
ibrahimalghalby@hotmail.com
مقالات اخرى للكاتب
القائمة الرئيسة
البحث