الإثنين, 16 تموز 2018
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
ليلى والقرد/4
سعد هادي
ليلى والقرد/4
الفصل الرابع

عدت إلى رصيف المحطة بعد نصف ساعة لأجد امرأة تجلس مع موسى ، كانت صامتة ، شعرها ابيض ويداها خشنتان مطويتان فوق فخذيها .
سألته :
- موسى ، أين الملابس ؟
قال :
-هذه السيدة الطيبة واسمها ماري ميدوفنا أخذتها لتجففها وتكويها في مكان قريب .
وضعت كيس الطعام فوق المصطبة وجلست ، قالت المرأة شيئاً وابتسمت .
قال موسى :
- إنها تقول : طعام المطاعم سيء ويكلف كثيراً .
- وماذا تقترح سموّها ، أن نستجدي في الشوارع .
- لا طبعا ، إنها ببساطة : تدعونا إلى بيتها .
نظرت مباشرة في عينيه لاكتشف ما يخفي وقلت :
- هل طلبت منها ذلك ؟
- بل هي التي تدعونا لقاء مبلغ صغير ، إنها وحيدة وهي تخصص في بيتها غرفة للسياح والغرباء ، منام و عشاء مقابل ….
قاطعته :
- لنأكل الآن ثم نفكر ، تفضلي يا جدتي ، ما هو اسمها ؟
- ماري وهي تريد جوابا الآن ، إذا وافقنا ستذهب إلى السوق لتشتري ما تحتاج إليه.
نظرت إلى الجانب الآخر من الرصيف ، كان ثمة قطار بطيء يتحرك باتجاهنا، يقف في انتظاره طابور من الرجال يرتدون معاطف داكنة ويحملون المظلات ، لم يكن هناك بد من الموافقة ، كان كل شيء قد اعد قبل وصولي .
- قل لها أنا موافق .
انحنى موسى وهمس في أذنها ما أراد فابتسمت وأشارت إلي وهي تنهض وكررت جملة قصيرة مرتين ثم ذهبت وظلت تتلفت وهي تبتعد .
قال موسى:
- ستعود بعد ساعة و هي تعدنا بليلة لا تنسى .

*

كان موسى أشبه بالميت حين نزلنا من القطار ، تقيأ على الرصيف وبدأ يتلوى ثم افرغ كل ما في جوفه قبل أن نصل إلى التواليت ، وظل يسعل ويرتجف ويردد:
- سأموت ، اتركني ، سأموت ، هذه نهايتي .
غسلت وجهه ويديه وأجلسته على مقعد قرب الباب ثم خلعت ملابسه وساعدته على ارتداء ملابس أخرى وأخذته إلى مصطبة في الشمس فاضطجع والتحف بسترتي ثم عدت إلى التواليت وجمعت ملابسه في كيس . اغتسلت وأزلت ما علق بملابسي وأنا أتحاشى حالة الشعور بالقرف . نام موسى لأكثر من ساعتين وحين استيقظ بدا كأنه تجاوز مرحلة الخطر .
قلت :
- موسى كان منظرك مأساوياً
ابتسم فلاحظت إن شحوب وجهه اختلط ببقع داكنة متفرقة.

*
رفعت ماري ما تبقى على المائدة من أطباق ، حاولت أن أساعدها فأشارت إلى أحد المقاعد وهي تغمغم .
قال موسى :
- إنها تقول لك : اجلس ولا تتحرك ، أنت أمير هذه الليلة .
- هل هذا ما قالته حقا ، أم أنت تؤلف بالنيابة عنها ؟
- يا صديقي ، حاول أن تكون أميرا ولو لمرة واحدة في حياتك .

كانت غرفة الجلوس في بيت ماري ميدوفنا صغيرة وأنيقة ومتخمة باللون الأخضر: زهور ونباتات ظل وأوعية لأغصان تنمو في الماء وقفص يتدلى بحبل من السقف تغرد فيه عصافير ملونة بالإضافة إلى كلب بحجم جرذ وقطة سوداء وعلى الجدار كانت هناك لوحتان إحداهما لغابة وأخرى لخيول تركض في برية . وفي فضاء الغرفة المتبقي كانت تحلق فراشات متخيلة .
وضعت ماري ثلاثة كؤوس وقنينة نبيذ أمامنا وقالت شيئا ما .
- إنها تقول : اشربا وسأعود بعد قليل .
كانت متوردة الوجنتين ، تتحرك بخفة في ملابس بيتية بسيطة ، ذهب الكلب خلفها وهو يصدر صوتاً كالأنين . اخذ موسى رشفة من كأسه ثم اقترب من قفص الطيور ومدّ بوزه و بدأ يحاكي أصواتها .
قلت :
- موسى ، انتبه لمنقارك .
- بل انتبه أنت لمنقارك الأسفل .
وضحكنا . كان النبيذ لذيذا ، أوصلني خلال دقائق إلى حالة استرخاء غريبة . كنت أدخن وأداعب القطة التي تمددت قربي عندما عادت ماري إلى الغرفة . سمعنا وقع خطواتها على السلم الخشبي ثم صوت قرقعة عند الباب ودخلت في فستان سهرة اسود لماع يكشف عن تكويرات وانحناءات لايمكن وصفها، كانت تضع باروكة شقراء مجعدة تخفي شعرها أما وجهها فقد لطخته ببقع دهنية فاقعة . نهض موسى حين رآها وانحنى بتكلف و قبل يدها ثم صرخ :
- لنرفع الأنخاب للعجوز الشمطاء .
جلس وجلست إلى جانبه ثم قبلته والتصقت به ودلقت كأس النبيذ في جوفها فجحظت عيناها والتمعتا .
- من هنا ستبدأ المأساة .
صبت لنفسها كأساً ثانياً وبدأت تغني وتضحك ثم أشارت لي وأفسحت مكانا إلى جانبها .
قال موسى :
- إنها تريد أن ترضعك قبل أن تنام لتنفرد بي ، ابتعدي قليلاً ، ابتعدي يا عجوز الشؤم ، أنا لا أداعبك بل أقول لك ابتعدي .
ولكنها التصقت به بقوة ومدت يدها إليه لتتحسس عظامه فهرب إلى الطرف الآخر للأريكة . لم تهتم بل نهضت وذهبت إلى المطبخ وعادت بثلاث زجاجات بيرة باردة وزجاجة شمبانيا ، سكبت كأسا آخر لها وشربته ثم أجبرت موسى بيدين حديديتين على أن يشرب نصف كأس شمبانيا ، حاول أن يرفض ولكن دون جدوى ، كانت قد أطبقت مثل لبوه جائعة على بقايا جسده .
قلت :
- موسى ، ستضعك ماري في النهاية مع العصافير حين تسكر وستظل هناك إلى الأبد .
نهضت به ورقصت معه ثم أعادته إلى مقعده وقبلته بعنف وشربت ثلاثة كؤوس متتالية في صحته ثم وقفت وبدأت تغني مقاطع اوبرالية وتبكي ، كانت تترنح وهي تغني وتصاعدت حرارتها إلى أقصاها ورأيت موسى في ظلالها يردد وهو ثمل : يا ليل ، يا ليل ، يا ليل ، يا ليل ، إلى ما لا نهاية ويدق على المائدة بيده . وأحسست إنني بدأت اسكر واختلطت لدي الصور،رأيت ماري تطلق العصافير من القفص ثم رأيتها تقرفص على الأرض وتموء مثل قطتها ورأيت العصافير و هي تتحول إلى غربان صغيرة ، تهبط على جسد موسى العاري لتنهشه ، كانت الدماء تختلط بقطرات النبيذ والشراب وبقايا الطعام وذروق الغربان و ريشها وبعد ذلك رأيت الكلب يأكل شيئاً ما على الأرض فصرخت :
- يا كلب الموت ، يا كلب الموت .
ثم ساد ظلام دامس .

*
أيقضي موسى عند الفجر وتسللنا بحذر خشية أن تستيقظ ماري فتبطش بأحدنا . كانت نائمة على الأريكة مثل بقرة وكانت حيواناتها نائمة أيضا . تسكعنا وحيدين في شوارع خالية حتى الظهيرة . لم نتبادل سوى بضع كلمات . كنت قد استيقظت في الليل فوجدت موسى يضع شريطا للقياس شبيها بما يستعمله الخياطون على الهضبة السوداء بين فخذي ماري . كان يزيح الشحوم والأحراش ثم يضع الشريط بأناة في مواضع متعددة ويعود إلى دفتره ليسجل ملاحظات موجزة او هكذا بدا لي .
كانت الغرفة زرقاء او سوداء او بنفسجية ، لا أتذكر بالضبط ، كنت مخمورا وكانت أحلامي وتهيؤاتي تزداد قتامة . ظل موسى يبتسم أمام الشق العميق وحين التفت باتجاهي رأيت وجهه يمتزج بوجه الكلب . كان الدم يسيل من أنيابه وكانت عيناه تلمعان في الظلام ثم ارتفع بوزه إلى الأعلى وبدأ يعوي بوحشية .

سعد هادي
كاتب عراقي
saad@alrowaee.com
القائمة الرئيسة
البحث