الأحد, 18 تشرين الثاني 2018
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
عن الأشباح التي كانت تطارد مهدي علي الراضي
سعد هادي
عن الأشباح التي كانت تطارد مهدي علي الراضي
قبل أيام من انتحاره في دمشق، وقد حدث ذلك بشكل مفاجيء في 18شباط 2007، أعطاني مهدي على الراضي نسخة قديمة من روايته "حفلة إعدام"، نسخة بغلاف متآكل وأوراق مجعدة، كنت قد طلبت الرواية منه بعد أن حدثني عنها وعن وقائعها وزمن كتابتها(تاريخ نشر الرواية غير مذكور على غلافها ولا في صفحاتها الداخلية ولكنها نشرت في أواخر الثمانينيات كما أعتقد) كان يعدها عمله الأساسي ويعتقد أنه حقق كل ما يريد بكتابتها، لذا كررت طلبي مرات عدة لأعرف ماذا فعل مهدي خلال سنوات غربته الطوال ، أو لأكتشف جانبا من تطوره الروحي والفكري قد لا ينجح هو بفوضاه وضجيجه وعبثه أن يكشفه لي، كانت النسخة الشعثاء تشبه الى حد ما مؤلفها في أيامه الأخيرة: هندام متواضع ولحية لم تحلق منذ أيام وصفحات مقتطعة من جرائد ومجلات قديمة يحشرها في حقيبة صغيرة ويعيد مراجعتها وتفحصها بين حين وآخر، كان شارد الذهن، مقلاً في الكلام، متوجساً من شيء أو أشياء ما على غير عادته، أو في الأقل بقدر ما عرفته قبل مغادرته العراق عام1981، ثم بعد عودته السريعة والصاعقة (أواخر عام 2005على ما أظن) ثم إختفائه المفاجيء ورحيله ثانية خائباً، شبه مفلس، بأحلام مدمرة الى دمشق، وهي المدينة التي عاش فيها أفضل سنوات حياته بإعترافه وبآراء أصدقائه المقربين، ولعل الكلمات التي يصف بها بطل روايته نفسه في الصفحة الـ54 من الرواية أقرب الى وصفه هو: (بدأت الأشياء تتضح في صورتها الحقيقية، فواصلت سيري بخطوات واثقة وأصبح الأمل بالوصول قريبا، لأن المسافة لم تكن طويلة، ولكن الخوف في ذهني من الملاحقة هو الذي زرع في نفسي كل هذه الشكوك.... كنت أختلق لنفسي أشباحاً تطاردني في كل دهليز أضيع فيه). قال وهو يضع النسخة أمامي: وجدتها لدى بائع كتب مستعملة في الحلبوني. هات ثمنها بلا تأخير. ضحكنا بالطبع ثم أخذتنا الذكريات والوقائع والتهيؤات الى ضفاف بعيدة.
رأيت "مهدياً" بعد ذلك ثلاث أو أربع مرات، كان شيء ما قد إنطفأ في داخله، كان حزينا ويائسا ووحيدا ولكنه كان أيضاً قد فقد كل ما يربطه بالرجل الذي كانه سابقاً، أو في الأقل تخلى عن الكثير من سماته وملامحه وحيويته وعن ذلك التوثب الحاد الذي يميزه، والذي يقربه من الآخرين مثلما يبعدهم عنه. كانت أحلامه صغيرة هذه المرة لا تتعدى تدبير قوت يومه وما يكفي أيضا لبضعة كؤوس في مكان رخيص وما أكثر الأماكن الرخيصة التي يعرفها ويقود ندمانه المفلسين أو يقودونه إليها. كان يفكر أيضا بمشاريع خيالية سرعان ما تتبدد، حين أثبت له بقليل من المنطق أنها مستحيلة التنفيذ، وطوال تلك اللقاءات كان مهدي يعرج قليلا على إفلاسه محولاً متاعبه مع مالك الشقة التي يسكنها الى نوادر تثير السخرية، ولكني كنت بالطبع أكتشف(في ضوء معرفتي السابقة به) ثغرات في رواياته الكلامية المتناقضة، تشير الى أنه قلب الموقف الحقيقي الى نقيضه أو إخترع الموقف أساساً من لا شيء، لكي يضحك ويضحك الآخرين معه، لم يفارقه حس الفكاهة الذي كان يفصح عن سريرة نقية وإن إلتبس الضحك لديه في إيامه الأخيرة بحزن ومرارة لا يدركهما الا من عرفه في مراحل حياته الأخرى عن قرب. كان مهدي دائما في لحظات سكره ويقظته، بعبثه ولا أباليته، بتنطعه وواقعيته، بموهبته الخام التي لم يطورها كثيرا، بذكائه الفطري، بمعرفته التي تفاجيء الآخرين بتطورات السياسة وشؤون محترفيها، بتجاربه طوال 56 سنة عاشها، قرب مراكز القرار أحياناً أو بعيداً عنها في أحيان أخرى، في كل ذلك وسواه، كان الراضي أشبه بالطفل الكبير الذي لا يدرك خطورة لعبته أو يجهل شروطها أو لا يعرف الى أين ستؤول وكم ستخلف من متاعب وآلام، لم يتغير بسلوكه عن ذلك الذي عرفته في منتصف السبعينيات وقد عملنا معا، وتعلمنا من بعضنا وأختصمنا، واختلفنا في المواقف، وخضنا تجارب على قدر ما أتاحته لنا تلك السنوات، وينبغي أن أضيف هنا أن الراضي كان بسيطا في داخله، عصامياً، يعتمد على حدسه وألمعيته، وكلاهما (الحدس والألمعية) كانا يتحولان أحياناً الى حركات إستعراضية تؤدي الى عكس ما كان يبتغيه. وفي ذلك يكمن سر محبة الآخرين له أو علاقاتهم المتوترة معه، تبعا لفهمهم لجوهر شخصيته الذي يرتكز على صراحة مفرطة وتلقائية وبساطة لا يمكن للجميع الإقتناع بها، كما يكمن في ذلك أيضا قصور النظرة اليه كاتبا(وربما مثقفاً)، فهو من ذلك الطراز من الأدباء الذين تغطي وقائع حيواتهم على ما كتبوه بحيث يضيع الحد الفاصل بينهما، الكتابة أقل وهجا وجدوى من الحياة وهي تتخلف عنها بمراحل وبرغم كل محاولات الكاتب تظل حياته التي يعجز عن نقلها على الورق أجمل بكثير مما يكتب، هذا مثلا ما أحسسته أمام رواية "حفلة إعدام"، والتي ربما تروي جانباً من تجربة هائلة عاشها الراضي (وبالطبع ليس شرطا للرواية أن تروي تجربة حقيقية للكاتب نفسه) أو لعله أعاد فيها تمثل ما عرفه أو تخيله أو جمعه من مصادر مختلفة، لكي يعبر عن تجربته هو أو يشير اليها. ففي الرواية لف ودوران حول قضايا ثانوية وثرثرة وإلتواء في السرد في مواضع كثيرة وإنقطاعات مفاجئة وآراء صارمة بالأشخاص والأحداث لا يمكن للقاريء الذكي أن يوافق الكاتب عليها، فلا آراء مطلقة في الرواية بل ينبغي لكاتب النص أن يكون حياديا وأكثر من ذلك أن يكون لا مرئيا.
فشلت في قراءة الرواية في المرة الأولى، فهي من ذلك النوع من النصوص الذي يدخل القاريء الى متاهات، لا بسبب لعبة الكاتب الفنية ولا بسبب ألغازه أومكائده المتعمدة، بل بسبب الإفتقار الى الوضوح في الشكل وبسبب التراكمات اللفظية التي لا نهاية لها وحاجة الشخصيات والأحداث فيها الى نمو منطقي، يبرر امتدادها على أكثر من 350 صفحة، دون أن أقلل من وجود ثيمات متتالية كان من الممكن إعادة النظر فيها لإنتاج نص فريد في جماليته وتأثيره.
عدت الى الرواية بعد الرحيل المفاجيء للراضي وقد كانت الطريقة التي تم بها ذلك الرحيل جزءا من لعبته الدائمة معنا، أو تأكيدا على أن حياته هي أكثر غرابة وتأثيرا وتفردا من نصوصه، بل أن ما أختاره كنهاية درامية لحياته هو النص الأهم الذي كتبه أو هو أيضا النص الذي لن يتهيأ له أن يكتبه مطلقا، ولم أكمل القراءة أيضاً، ثم عدت اليها مؤخرا وبالذات حين قررت في ذكرى رحيل الراضي الأولى أن أستعيد بعض ملامحه كاتباً وإنساناً، بدت لي الرواية في ظل متغيرات كثيرة أشبه بحفلة إعدام ولكن لواحد، وقد قرر هذا الواحد أن يكون الضحية والجلاد في آن معاً، كان هو من وضع الحكم ومن نفذه، لم يكن موته الذي يمتلك هو وحده مبررات إختياره مجانياً تماماً، في الأقل لقد ذكرنا ببؤس حيواتنا وفراغها ولا جدواها وإننا نعيش في محيط لا إنساني ولا أخلاقي يزداد ظلاما ووحشية في كل لحظة، تتابعنا فيه أصوات لا نعرف ماهيتها، يسميها الراضي في روايته: أصوات الليل. أصوات عاشقي الظلام لا غير.
القائمة الرئيسة
البحث