الأربعاء, 20 أيلول 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
بوكر ... لمن يطأ الأرض الحرام
محمد العباس
بوكر ... لمن يطأ الأرض الحرام

الأرض الحرام، ليس مجرد عنوان لكتاب، بقدر ما هو حقل ألغام أراد عماد العبدالله أن يعادل به الحياة العربية، لتعرية ما تزعمه الذات العربية من قدرة على إتيان الرواية. أما مصدر التحدي فيكمن في إدراكه لمدى استنقاع تلك الذات في بنى الخوف والممنوع، فالحياة العربية وما يتحدّر عنها من ثقافة مسيّجة أصلاً بالتابوات الجمالية والموضوعية، حيث تستهلك الكثير من الجهد والوقت والمال لصد وتعطيل جماليات الحداثة، الأمر الذي يفسر بروز طابور طويل من الروائيين العرب الذين يتسمون بمحدودية التجربة، وضآلة الخبرة، وضيق الرؤية مقابل إتساع العبارة وترهل السرد.

لم يكن الخطاب الروائي أول الخطابات المعرفية الجمالية التي تصدت لمفهمة الذات العربية وإعادة تأوينها في المدار الإنساني، فقد حاول بعض المثقفين تفضيح ما تستبطنه من انفصامات الروح المشرقية لترميم جروحها النرجسية، كما اجتهد فريق آخر لتحليل سر انقهارها النفسي، وانعدام وزنها الإجتماعي والحضاري، وفهم سر حضورها داخل لحظة غياب كلي. ويبدو أن الرواية العربية الحديثة حين أرادت أن تقتحم كل هذه الأقاليم وما حولها، إنما دخلتها على إيقاع سياسة " نسف السقوف " أي تجاوز خطوط العيب والحرام، وهي مساحة يمكن تلمس آثار الروائيين فيها من خلال موضوعاتهم المشتبكة بالمقدّس والمدّنس، حيث تمت ترجمة تلك الأعراض في محاولات روائية لتفكيك مركبات الطائفية والقبلية، والتعويل على جدوى ومعنى الحب من منطلقات جنسية ومثلّية حتى، وإدانة الإستبداد السياسي والفئوي والطبقي بكل أشكاله، بدليل الجدل الذي يصل حدود التجريم الذي يعقب صدور أي رواية بهذا الإتجاه.

حدث هذا الاقتحام بواسطة بعض الروائيين الذين اعتقدوا بأحقية امتلاكهم دستور الحرية الفردية، وقد أعطاهم السرد فرصة توسيع أنواتهم، فقرروا الكف عن الانسياق وراء وهم " المرويات الكبرى " وإعلان فردانياتهم، أو سرد سيّرهم الصغيرة، فهذا زمن العولمة التي وهبت صوتاً لكل فرد. إنه زمن الإحتفاء بالتاريخ الشخصي المنفتح، وليس زمن الكليات العمومية العريضة المنغلقة بتعبير ليوتار. وهو زمن للرواية بما هي الخطاب المضاد لكل أشكال الشمولية، وهي الرؤية التي يجري تقعيد الرواية العربية الحديثة من منظورها، كما يحاولها فيصل دراج مثلاً، الأمر الذي يفسر نشوء تحالف ديني سياسي وحتى ثقافي عربي ضد هذا الشكل التعبيري الجارف. أحياناً بإنكار وتبخيس قيمة الجيد منه، وتارة بالترويج للساقط والاستهلاكي منه، في لعبة مكشوفة يديرها حرّاس الأدب ومدّعي الفضيلة ومجرمي السلم من المثقفين، الذين لا يؤمنون إلا بتكريم من يثبت حسن سيرته الإبداعية بشهادة أشبه بشاهد القبر، كما اتضح من الهجوم الذي تعرضت له جائزة البوكر في نسختها العربية.

ولولا آفاق ما بعد الحداثة التي لا تقر الطبقية الأدبية، ولا تعترف بحتمية تحدّر المبدعين من سلالات ثقافية، واتساع هوامش المشهد حتى للشعبي والسوقي، لما كان للمبدعين الجدد مكاناً أو صوتاً، حتى جابر عصفور عندما رمى برمية نرده الجدلية حول " زمن الرواية " إنما كان يتساءل ويحدس في الآن نفسه بزمنها كخطاب استحواذي، بعد أن فاض كأس المشهد بآثام الناثرين العرب، الذين فكروا باجتراح قصيدة نثرية متمردة، لكنهم سرعان ما تابوا عن إنشقاقهم، حيث تمت مأسسة كهنتها، وتطويع ثوارها، وشكلنة متمرديها، وهو أمر يمكن أن يكرره منتجو الوعي الزائف، فيتم الالتفاف على الرواية أيضاً لإبقائها على التخوم، أو إغراء منتجيها بالكتابة من وفي المناطق الآمنة، أي إرساء علاقة شكلانية لا تسمي الخراب، ولا تسمح للذات العربية الجديدة أن تطأ الأرض الحرام.

لا توجد رواية بمعزل عن المحرم الديني أو السياسي أو الإجتماعي، فهي كخطاب هدمي بنائي، كما يصنفها جاك دريدا، منذورة أصلاً لزحزحة المعتقدات المتكلسة، والفرار بالذات من إختناقات الجمعي، من خلال التأكيد على الشخصي الذي يمتزج بكل متعلقات الشأن الحياتي، كمفتاح للمحرمات. ويبدو أن هذا البعد كان واحداً من أهم المعايير التي أكدت عليها عبارات التقرير المعلن للجائزة العالمية للرواية العربية حول أسماء الروايات الست التي وصلت إلى القائمة القصيرة، أما الروايات التي لم تتأهل فربما أعلنت النية أيضاً على التماس بالممنوع والمحرّم، ولكنها لم تتوغل بما يكفي داخل " الأرض الحرام ".

وقد تأكد هذا المنحى في حيثيات التقرير النهائي للجنة الذي أفاد في واحدة من أهم فقراته على أن عوالم الأعمال الروائية " قد توزعت على محور الحرية بمعناها الشمولي، حيث تستبد المعوقات السياسية للحرية بمجتمعات تتحكم فيها سلطات لا تحترم إرادة الإنسان، وحيث تصطدم حرية التعبير أو حرية تشكيل مؤسسات وتنظيمات مع السلطة القائمة. وهناك محور التعصب الديني الذي عالجته روايات كثيرة رصدت انتقال الدين من عقيدة موروثة بقيمها وتقاليدها وعاداتها الشعبية إلى آيديولوجيا تحرض على العنف وتدعو الى التعصب في المجتمعات العربية. وثمة محور الجنس الذي تكشف الروايات عن صلته بالمحورين السالفين: الحرية والدين. فالحياة الجنسية مطروحة في أغلب الأعمال من زوايا مختلفة، ومن وجهتي نظر كل من المرأة والرجل. يبين هذا المحور أن الرواية العربية انتقلت بقضية الجنس من الخفاء إلى التعبير الصريح عن أوضاعه المعقدة، في زمن التحولات التي يعيشها المجتمع كما يعيشها الفرد بكل ما يعنيه العيش من رغبات وممنوعات وتمزقات واستيهامات، ثم هناك محور العولمة التي تشمل كل البلدان العربية. في هذا المحور تكشف الأعمال الروائية عن خصائص مجتمع مندفع الى قيم الاستهلاك والربح السريع والميل إلى الانقسام والتفتت مقابل الوحدة التي كانت عنوان مشروع مجتمعي للدولة والمجتمع في المرحلة السابقة ".
إذاً، لا يكفي العنوان كدليل على الجرأة والحرفية، إذا لم تتبأّر عناصر السرد حول ثيمة جاذبة وذات طاقة تدميرية، فقد تكون تلك الروايات جريئة في تسليط الضوء على حالة طارئة أو هامشية لكنها متصالحة استراتيجياً مع ضرورات النظام الإستبدادي. وقد تمتلك رؤية آنية حول ظاهرة عابرة لكنها تفتقر إلى وعي كلياني بمسبباتها ونتائجها. وربما تتميز برؤية اجتماعية ناقدة ولكنها لا تمتلك جرأة الإرتداد العمودي داخل الذات لمناقدتها، أي أنها لم تحقق اختراقاً نوعياً، وعليه فإن أي قراءة لرواية بهاء طاهر " واحة الغروب " التي تبوأ بموجبها شرف الجائزة، ستضع الوعي والذائقة أمام امتحان عن مدى تقويضه للمحرّم الثقافي، أي عن الكيفية التي رصد بها ما سمته لجنة الجائزة الأزمة الروحية لإنسان مهزوم، من خلال " نص واسع فسيح الأرجاء عن عبث الزمن وهشاشة الوجود الإنساني والصفاء الروحي المستحيل الانتصار ".
وبالتأكيد سيكون القارئ معنياً باختبار ما أعلنته اللجنة كاختراقات جمالية ومضمونية حول بقية الأعمال التي وصلت إلى تصفيات القائمة القصيرة، أي معنى تمكن خالد خليفة في " مديح الكراهية " من سرد " تجربة القمع المزدوج في ظل التنظيمات الأصولية وداخل مجتمع محروم من الديموقراطية ". وبمقدوره أن يقيس منسوب الجرأة في " مطر حزيران " التي استطاع بموجبها جبور الدويهي " أن يستحضر فظائع الإحتراب الداخلي في لبنان من خلال رصد الحياة اليومية في قرية يتجاور فيها مسلمون ومسيحيون ".
ويمكن للوعي القرائي استشفاف الطريقة التي رثى بها مكاوي سعيد " زمناً غنائياً مضى " والمعنى المرعب في " تغريدة البجعة " الذي أراد من ورائه " صياغة المستقبل المحتمل بأسئلة بلا إجابات ". وبمقدوره مساءلة الوعي الروائي في " أرض الليمبوس " شكلاً مضموناً، الذي وحّد بموجبه الياس فركوح " بنية السيرة الذاتية لإنسان محدّد الهوية والإنتماء، وسيرة الإنسان المغترب بشكل عام " ومقاربة الرؤية التي تحدث من خلالها " عن سطوة الزمن وهشاشة الإنسان وقوته ". ولن يسلم بنجاح مي منسي " في تمجيد الذاكرة المثقلة بمآسي الحروب والفجيعة والفقدان في عالم اليوم " إلا عندما يتلمس بالفعل في " أنتعل الغبار وأمشي " ما وصفته اللجنة بالعمل المكتوب " بأسلوب متدفق ونثر نوعي إضافة إلى نفحة شعرية تلائم الوجع الكوني الذي تعالجه ".
www.m-alabbas.com
m_alabbas@hotmail.com

مقالات اخرى للكاتب

لا يوجد

القائمة الرئيسة
البحث