الثلاثاء, 22 آب 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
قراءة لأحلام وألعاب أحمد السعداوي
كريم كطافة
قراءة لأحلام وألعاب أحمد السعداوي

إذا كانت الكتابة (شعراً أو سرداً) حسب الناقد الروسي (رومان جاكوبسون)(*) هي عنف منظم (تأويلي) يرتكب بحق الكلام الاعتيادي.. لحرف سياقاته ودلالات مفرداته المعتادة بما يجلب الدهشة، الإعجاب، التفكر وربما الازدراء في المكور هي استخدام غير مألوف للغة.. لكن ألا تكون القراءة هنا عنف آخر منظم لتأويل سياقات ودلالات النص المقروء بما تحمله من رؤى مغايرة لرؤية الكاتب صانع النص..؟
هذه سؤال لا يبحث عن إجابات في مستنقع هل نصوص السرد هي ذاتية مسبقة الصنع في مصنع الكاتب وما على القارئ سوى أن يأخذها كما يريدها الكاتب.. أم أنها استجابات الكاتب الإنسانية إزاء عالمه المتحرك المتغير على الدوام ذات العالم الذي للقارئ مكاناً فيه وله ما له من رؤى واستجابات.. هل واقع السرد وملابساته هي بصلادة واقع مادته (الواقع الخارجي) أم هو واقع افتراضي جملة وتفصيلاً وهشاً هشاشة الحلم الذي يُروى ليُنسَى بعد لحظات.. الإجابة هنا ستكون موت وتحنيط لجسد السؤال الذي عليه أن يظل متحركاً ككرة ثلج هابطة من سماوات الرؤى.. تلف بدورانها كل أصناف التأويل والتحوير على خارطة المفردة المكتوبة..
لعل سر قوة الإبداع في الرواية لا يكمن في أن الروائي يعرف ما يريده، ربما الأمر على العكس من ذلك؛ سر القوة يكمن في حقيقة أنه لا يعرف تماماً ما يريد. لذلك يظل في نصه المفتوح، باحثاً، ملاحقاً، يفك طلاسم ويعاود الحفر من جديد، في رحلة بحث واكتشاف وعرة ودروبها مطلسمة تشير إلى التيه أكثر مما تشير إلى اليقين، وإذ يناله الملل ويصل أقصى الشوط في شعاب تلك الرحلة فأنه لن يعود إلينا بخفي حنين.. يكفي أن يعرفنا على ذلك التيه الذي عاد منه.. ألسنا جميعاً متورطون به.. أنه تيه الإنسان.
منذ تعرفي على نصوص (احمد السعداوي) سواء تلك التي أرادها مقالاً نقدياً أو قصة قصيرة أو رواية، داهمني إحساس أن هذا الكاتب متورط برحلة التيه إياها.. يحمل تيهه أو هذا يحمله ليغوصا معاً في شعاب وطلاسم ومنعرجات رحلة الوعورة.. لا يكتب نصاً ينتهي بنقطة.. بل يلاعب النص المسرود على مدار المساحة المفرودة له..!! يظل يمارس عنفه على جسد النص بصيغة اللعب.. المفردات معه تبدو سلسة الانقياد مطيعة يشكلها على هواه كفنان نزق لا تدري متى يداهمه الملل من الأشكال التي رسمها ليصدمك بنسفها أمام عينيك ثم يعيد تشكيلها من جديد وهكذا في لعب متواصل تكون فيه النقطة الأخيرة في النص ليست نهاية المطاف.. بل بداية الملل وأقصى اللعب..
الأمر الذي لا يجعلني أندهش من عنوان روايته الثانية (أنه يحلم، أو يموت، أو يلعب)، لا أظن أن الاختيار جاء صدفة.. بل حتى في روايته الأولى (البلد الجميل) لم يُشكَّل من خلالها بلده الجميل إلا على هيئة مكعبات لعب يناقلها من أرض إلى أخرى بمتوالية مرة تغوص عمقاً في ماض بعيد وأخرى تتطلع برأسها تنوس إلى ما يشبه مستقبل لا يبدو أنه آت.. لكنه في النهاية وقبل أن يدب في أنامله الملل وقبل أن يصل إلى أقصى اللعب شكل له بلداً جميلاً من مكعبات المفردات إياها التي نسفها وشكلها كذا مرة.. مكعبات تبدو لمن يغوص في عناصرها الأولية أن لا رابط فيما بينها..!! يفعل ذلك دون اللجوء إلى أية حيلة تقنية مفترضة.. كأن يجعل للسرد عدة رواة مثلاً بدل الراوي الذي يتقمص أقنعة الجميع.. أو يستعين بالمنولوج الحواري لشخصيات مختلفة ومتباعدة في الرؤى.. بدا مصراً على نسف مثل هذه التقنيات المتداولة ولنقل المستهلكة.. حاملاً (أنا)ه بالطول والعرض.. (أنا) خارجة من قوقعة فرديتها ومتشظية على الجميع.. أنا كلهم وكلهم يتناوبون على استعارة لساني.. لكن وبالمقابل لماذا عليه الاحتيال على النص والقارئ معاً.. لماذا والحكاية كلها حلم في حلم.. حلم طويل يتقمص فيه السارد وجوه كثيرة ويمرر حكايات كثيرة ويتكلم على لسان شخصيات كثيرة منهم من هو مات وشبع موت ومنهم من هو غير موجود أصلاً.. ألم نصطدم في أحلامنا بذلك النظام العجيب من التركيب والتعقيد كأن ترى وجوهاً مركبة على غير أجسادها.. وجه حبيبتك على لشة عدوك أو من تعتقد أنه عدوك.. أو ترى أمك تكلمك بلسان أجنبي هي لا تفقه منه حرفاً.. أو تضاجع لدانة جسد مشتهى لتجد نفسك تضاجع نفسك.. أو.. أو.. كثيرة هي أحلامنا المركبة الباحثة عن مفسرين وشراح ومؤولين.. لكن على الرغم من كل هذا ودون الحاجة إلى مفسرين ومؤولين أن رواية (الحلم والموت واللعب) لـ(أحمد السعداوي) لم تكن حلماً ولا كابوساً.. بل كانت تشير إلى واقع استثنائي وعصي ليس على الحفر فيه فحسب بل وعلى الوصف.. أو كما سمعت من الكاتب نفسه عبر الأحاديث البينية؛ حين تصل فنتازيا الواقع إلى حدود تفوق حدود قدرة الكاتب على التخييل.. لا يبقى أمام الكاتب سوى سرد الوقائع بلغة محايدة أو أدائية كما يسميها.. بمعنى أن لا تكون اللغة في النص جزءً من الجسد بل ما يشبه علامات وإشارات مرورية تأخذ بيد القارئ إلى ذلك الجسد المسجى المدمى الذي اسمه النص..
قصة حميد الهارب إلى أمريكا مع ذاكرته المخرمة برصاص الحروب والموشومة برأس صديقه المرمي في حضنه في سديم ليل الهور.. قصة نديم الناطر لموت أمه العجوز (بنية) ليلحق بأخيه لكن ليس قبل أن يدفن ذاكرته المسكونة بذاكرة أخيه حميد في الخربة التي كانت يوماً بيتهم قبل أن يناله صاروخ أمريكي كان يطارد شباناً مقاومين للاحتلال.. قصة صاحب مكتب الاستنساخ الذي كان أسيراً في معسكرات الأسر الإيرانية مع عودته الباحثة عن الناس حيث لا ناس يجدهم بانتظاره غير زوجة تزوجت غيره وأولاداً تشتتوا بين أمهم وشؤون المعاش، ليستبدل أسره القديم بأسر جديد بمقاس شقة متروكة بغرفة وحيدة على مدخل شارع الكفاح، الشارع الذي تحول إلى متراس لحرب طائفية لمتخاصمين يرددون ثارات عمرها أكثر من ألف سنة ليهشموا غير المتهشم بعد من ركام الحروب الطويلة.. قصة كبير المنضدين في جريدة (رياح التغيير) الذي ترك منفى ثلوج القطب قاصداً لفح الحروب ولهيب الحر عله يعثر على الوطن الذي كان ينوس في رأسه.. محنة (لورسان) الفتاة الثلاثينية بالعودة من المنفى إلى وطن لا تحمل له في ذاكرتها غير حنين أبويها وقصصهما الاسطورية عنه.. قصص القتل اليومي، الخطف اليومي، الخراب اليومي في الشوارع حتى لم يعد أمام المنضدين الثمانية في جريدة (رياح التغيير) الذين استبدلوا ثمانية منضدين قُتلوا قتلاً جماعياً، سوى تبديل الأرقام المعلقة على جثث الضحايا مع بقاء الجاني هو نفسه (الملثمون).. قصص ومصائر (الرفاق الحزبيين) الذين كانوا يوماً هم السلطة والرهبة والسطوة وكيف تفرقت دماءهم على ذوي ضحاياهم.. قصص شباب كانوا حالمين بالخروج من معاطف أعراف وتقاليد العشيرة ليجدوا العشيرة هي السلطة وهي الموئل بعد غياب السلطة.. قصص حب وهمية لا تعدو عن مراسلات عبر الأثير لشباب ضاقوا حتى من أسماءهم وأسماء آباءهم التي تبدت لهم نتوءات لا تنسجم مع أي عصر.. حفلات استمناء عن بعد على صور أجساد ممثلات إغراء.. كل هذه القصص وشمت جسد الرواية على شكل أقنعة يتلبسها الراوي مرة لهذا وأخرى لذاك.. دون أن تشكل أي منها خط سير للرواية باستثناء رحلة ذاكرة نديم التي أُريد لها أن تشكل خيط السير ذاك.. ظلت القصص مكعبات لعب متناثرة هنا وهناك أمام كاتب ضجر كأنه لا يفكر بأمر تشكيلها الأخير قدر تفكيره بغرائبية ذلك التشكيل المنتظر.. والذي لم يصله.. لماذا..؟ لأن الكاتب وهذا ما أدهشني كان يهشم قصصه وبتعمد.. لم يدع قصة من قصصه تصل إلى ذروتها حتى تتوقف فجأة.. ما أن تبدأ بالتصاعد حتى يتدخل مقصه لتخريبها طولاً وعرضاً ليبدأ أما بغيرها أو يبدأها هي نفسها ولكن بمستوى سردي جديد وهكذا حتى تتراكم في ذاكرة القارئ مستويات متعددة للسرد لكل مستوى قصته المختلفة وبقناع مختلف من أقنعة الوجوه المتناسخة في رؤى أو حلم الراوي (نديم) المتورط بيقظة الواقع في ذاكرة متعبة أنهكتها الحروب وعبث بها الخراب وأوهنتها ديدان العجز عن فعل أي شيء.. لعبة أقنعة أظنها ستثقل على ذاكرة قارئ غير محترف قد يتوه في شعابها.. ما بالك والقارئ ذاته متخوم بذات القصص وبتفاصيل قد تكون أكثر فنتازيا من خيال النص.. السؤال هنا.. لماذا فعل الكاتب ما فعله.. لماذا كان يهشم قصصه.. !؟
أظن أن الجواب سنجده في الواقع ذاته.. ليس واقع النص المسرود بل واقع الواقع المعاش.. الفرن العراقي الذي خرجت عنه هذه الرواية.. ليس سهلاً على كاتب يكتب رواية عن وقائع لم تزل تنبض بدمها أمامه.. بعض أحداث الرواية لا تفصلها غير أشهر قليلة عن موعد خروج الرواية أو لنقل اكتمالها ودفعها للطبع.. خصوصاً وأن الكاتب لم يكن جالساً على تل مشرف على الأحداث بل كان في خضمها وكان ممكن أن يكون رقماً من تلك الأرقام التي ينضدها زملاءه المنضدين في جرائد (رياح التغيير).. أن تلاحق تلك الأحداث بريبورتاجات أو مقالات صحفية هذا ممكن.. لكن أن تلاحقها برواية..!؟ لعل في هذا يكمن إبداع أحمد السعداوي في هذه الرواية.

(*) رومان جاكوبسون هو أحد رواد المدرسة الروسية في النقد التي سميت بالشكلانية ظهرت في بدايات القرن الماضي وكان لها أثرها في دراسة الآثار الأدبية العظيمة حينذاك.

ملاحظة: صدرت رواية (أنه يحلم، أو يلعب، أو يموت) للكاتب العراقي أحمد السعداوي عن دار المدى/ 2008


كريم كطافة
كاتب عراقي مقيم في هولندا
k.hussin@chello.nl
القائمة الرئيسة
البحث