الإثنين, 16 تموز 2018
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
ياسين النصير:عن صيانة النصوص وتدميرها
حاوره: سعد هادي
ياسين النصير:عن صيانة النصوص وتدميرها

بدأ ياسين النصير(البصرة 1940) مشروعه النقدي بكتاب مشترك مع الناقد فاضل ثامر الذي كان يماثله في السن والإنتماء الحزبي- الفكري كان عنوانه "قصص عراقية1971"، وكلاهما النصير وثامر إنتمى أيضاً الى الحركة الثقافية في الستينيات وظل متعلقاً بإنجازاتها وفصولها المحتدمة، كانا ضمن جيل من النقاد المحترفين الذين لم يأتوا من كتابة الأدب ولم يعودوا إليها، جيل ضم عبد الجبار عباس وعبد الإله أحمد وطراد الكبيسي وعلي عباس علوان وسواهم، كان النصير قد عمل في الصحافة والتعليم وشارك في كتابة وتمثيل بعض المسرحيات ولكنه لم يهجر النقد مطلقاً، ظلت صفة الناقد تلاحقه مثلما ظل يعتبرها علامة مميزة له، وإذا كان قد إهتم بالنقد الأدبي في بداياته فقد تحول لاحقاً الى النقد الفني في المسرح والتشكيل والعمارة ، وظل على الدوام غزير الإنتاج برغم ظروف السجن والترحال والمنفى وكذلك المرض إذ تعرض في منتصف التسعينيات الى أزمة قلبية كادت تودي بحياته، النصير الذي يقيم منذ عام 1996 في هولندا أصدر عشرات الكتب من أبرزها: القاص والواقع1975، الرواية والمكان 1980، الإستهلال- فن البدايات في النص الأدبي 1993، المساحة المختفية 1995، جماليات المكان في شعر السياب 1996، عوني كرومي والمسرح الشعبي 2002. وفي كتابه الأخير (ما تخفيه القراءة 2008، المجلس العراقي للثقافة) راجع النصير الخصائص الجمالية والفكرية في عدد من الروايات العراقية، من بينها: "ظلال على النافذة" لغائب طعمة فرمان، "آخر الملائكة" لفاضل العزاوي، "سواقي القلوب" لأنعام كجه جي. ولا يخفي النصير أنه تردد طويلاً قبل نشر مقالاته عن القصة والرواية في الكتاب بسبب أن هذه المقالات تشكل قراءات ذات وجوه مختلفة في مراحل متعددة، مما يعني أن الوحدة المنهجية لها قد لا تكون دقيقة، ولكنه حين جمعها معاً لاحظ أنها برغم أزمنة الكتابة المتباعدة تشكل نسقاً متصلاً، مثلما تجمع أيضاً في سياق تاريخي أجيالاً من الكتاب وأشكالاً مختلفة من نصوصهم، لقد أراد أن يبتعد قليلاً عن غرام النقد العربي الأزلي بمناهج النقد الحديث، فلا بأس لأي ناقد أن يستفيد مما توفره هذه المناهج دون الوقوع تحت سطوتها، ينبغي أن يكون النقد إبناً للنص الإبداعي وليس جسماً مقحماً عليه، وهو يرى أنه ينتمي عاطفياً الى النصوص التي يتناولها ويسعى من خلال ذلك الإنتماء الى إستنباط رؤيته النقدية، وتحول بعض أفكارها لاحقاً الى مصطلحات نقدية. مثل: المكانية، الصيانية، التدميرية، المساحة المختفية، مع الإستفادة من مناهج النقد الحديثة دون الإعتماد على منطلقاتها النظرية التي تنطلق من واقع وثقافة ونصوص مختلفة، ذلك يعني كما يرى تجاوزاً وليس إنعزالاً، علينا أن نكون ضمن حركة العالم الثقافية والفكرية، لا أن نكون تابعين، إنه يعيد بعضاً من قناعاته هذه الى إقامته منذ أكثر من عشر سنوات في هولندا، الى معايشته للثقافة هناك، لأنماط الحياة، لأشكال العمارة، لا أطلق على ذلك وصف تأثرٍ بل مجاورة، يرى أيضاً أن كتبنا وأفكارنا وآراءنا لو ترجمت فستجد صدىً هناك، الثقافة الغربية قادرة على الإحتواء والفهم لأنها ثقافة واسعة. ويرى صاحب كتاب (القاص والواقع 1975) أن تجربته الراهنة في معالجة النصوص تعتمد مادة منهجية من مكونات الثقافة العربية الإسلامية بكل صنوفها، مشيراً الى أنه يعدُّ اللغة العربية بنية متكاملة، بجانبين متلازمين روحي ومادي، والحروفية في التشكيل هي إنموذج لهذا التزاوج، عناصر منهجه النقدي تستفيد من تلك البنية ولكن برؤية ماركسية، فهو وإن لم يعد شيوعياً فما زال يؤمن كماركسي بالمادية الجدلية، ولا يغفل إرثها العظيم بكل ما فيه من قوة معرفية تسهم في قراءة النصوص قراءة تستوفي إشتراطات الحداثة، وهو لا يرى في ذلك نوعاً من عودة الوعي بل هو إكتشاف للذات النقدية فكرياً وإجتماعياً. من ذلك مثلاً فكرته عن الصيانية والتدميرية، التي توفق بين الفكر الجدلي في معالجة النصوص وبين الفلسفة العربية الإسلامية، فاللغة العربية هي صيانية أما الإبداع فيها فهو تدمير، الإبداع لا يلتزم باللغة وإنما يلتزم بالكلام والكلام أكثر إبداعاً، الصيانية والتدميرية من هذا المنطلق، مبدأ فكري يقوم على الحركة بين إثنين، اللغة والكلام، يرى النصير أيضاً أن طريقة الناقد ينبغي أن تنبع من حاجة النص إليها، كل نص بتقديره يحتوي على رؤية نقدية خاصة به وعلى الناقد أن يكشف هذه الرؤية، عليه أن يغيِّر مفرداته النقدية تبعاً للنص الذي يقرأه، أين هي المنهجية إذاً؟ إنها تكمن في الرؤية أما الأدوات النقدية فهي متحركة. يمكن أيضاً الإنطلاق من بنى أخرى لمعالجة النصوص كالبنية الجغرافية، التي هي كما قال كلود ليفي شتراوس آخر قلاع المعرفة، الجغرافية هنا ليست طبيعة ولا بيئة ولا خارطة، وإنما هي إنسان ومجتمع وأنماط حياة، بل هي إطار الثقافة وأهم مكوناتها، في السرد يمكن الحديث كذلك عن بنية المكان المؤثر، المكان يضم ثلاث شحنات(الفضاء، المنطقة، الموقع) ومازالت فكرة المكان بالنسبة له فكرة أساسية في مواجهة العناصر الأخرى. ويشير مؤلف كتاب (الإستهلال، فن البدايات في النص الأدبي1993) الى أن رؤيته النقدية تطورت منطقياً خلال 40 عاماً الى ما هي عليه الآن، بدأ من السياسة والفكر السياسي، وحرَّضه إنتماؤه الى الحزب الشيوعي في مرحلة مبكرة من حياته الى النظر للواقع ومشكلاته بعين نقدية سياسية تطورت لاحقاً لتصبح رؤية نقدية تتعامل مع تقنيات النصوص وأشكالها، ظلت مفرداته كما يقول محلية وملتصقة بالواقع والمجتمع ومنفتحة على آفاق التجديد والإستفادة من الثقافة العالمية، لم يغلق منهجه على مفردات ومفاهيم محددة، ظل يضيف ويطور الى أدواته بإستمرار، الإستهلال مثلاً كفكرة نقدية لم تتلاشى بل تطورت وأضيف إليها لاحقاً، أما رؤيته للمكان في كتابه(الرواية والمكان 1980) فيجدها الآن بسيطة ولكنها كانت بداية ضرورية للنقد المكاني. يعترف أيضاً أنه توصل الى ما توصل إليه بإجتهاده الشخصي، المرحلة الراهنة تتأسس على إكتشاف الذات النقدية أكثر من إتباع منهج نقدي أو تحديد سماته وآلياته بصرامة. في المقابل يتهم النصير في أحد فصول كتابه، القاص العراقي بأنه بلا فلسفة تسند نصه، إنها محنة الثقافة لا المثقف، كل كاتب ينبغي أن يكون ذا مشروع، يتحول بالتالي "أي المشروع" الى مواضيع وأفكار، جزء من هذا المشروع يقوم على فلسفة يصنعها الكاتب أو يكتشفها، عندما تقرأ ديستويفسكي مثلاً تجد مشروعاً فلسفياً كبيراً لديه يستند الى "رؤية النبوة" بينما لكل رواية من رواياته موضوعها الخاص بها، كتابنا لا يمتلكون مشاريع فكرية، لذلك تأتي نصوصهم متناقضة، كل نص يتجه بإتجاه مغاير للنص السابق، إنهم يدبجون ملخصات ولا يفكرون بمشاريع، لنقلب المعادلة إذاً، ماذا لو كتبت أنت رواية؟ يرد النصير: طريقتي في النقد الثقافي، تتطلب أن يكون في الأسلوب شيء من الحكاية وشيء من السرد، لا أقول أنني أكتب رواية أو سأقوم قريباً بكتابتها، كتابي "شارع الرشيد 2003" هو نص وليس تقريراً وثائقياً عن أشهر شوارع بغداد، هو كتاب نقدي ثقافي يستند الى بنية روائية داخلية.

سعد هادي
محرر موقع الروائي
saad@alrowaee.com
مقالات اخرى للكاتب
القائمة الرئيسة
البحث