الخميس, 20 أيلول 2018
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
"على ضفاف بابل" محاولة في التذكر والتفسير
سعد هادي
"على ضفاف بابل" محاولة في التذكر والتفسير
يستعيد خالد القشطيني في روايته: على ضفاف بابل (رياض الريس للكتب والنشر2008) صورة بغداد في الأربعينيات، صورة مدينته التي يعرفها بمحاسنها وسيئاتها، لا تغلبه النوستالجيا لتجعله يندب ذكرياته أو ينقاد لسطوتها، ولا يسحره الماضي ليضيع مع سوانحه، بل يبدو مع توالي الصفحات كأنه يقدم تقريراً موضوعياً أكثر مما يقدم رواية متخيلة.
وقد نختلف أحيانا مع محتوى هذا التقرير ولكننا نعود لننسبه الى المؤلف بكل ما فيه، وربما لأن الرواية كتبت أساساً بالإنكليزية فالقشطيني يتدخل أحيانا ليقدم معلومات لا يحتاجها القاريء العربي مما يزيد من درجة التقريرية، من ذلك ما يقوله في ص 25: على الجانب الآخر من الساحة أقيم مسجد تنطلق منه أصوات الأذان خمس مرات في اليوم، وفيما بين ذلك تدوي أجراس كنيسة الأرمن على مسافة من الجامع ثم يورد بعد سطور ثلاثة أبيات للمعري يصفها بالشهيرة، ويعقب عليها قائلا: لم يزج النبي موسى نفسه في هذا الصراع فآثر الكنيس اليهودي الإلتزام بالصمت، يقدم القشطيني أيضا في بعض الصفحات أوصافاً أنثربولوجية تبدو أقرب الى ملاحظات المستشرقين النمطية والشائعة، فبغداد التي يشطرها دجلة الى شطرين غير متساويين في الحجم وغير متشابهين في المزاج والأصول الأثنية: صوب الكرخ فيها المتصل بالصحراء وعربها يميل الى العروبة والمذهب السني، فيما يتكون صوب الرصافة من خليط من الأقوام الوافدة، أكراد وتركمان و"فويلية" ويهود وصابئة ونصارى ومسلمين من شتى الطوائف المتعايشة بسلام، في موضع آخر يذهب القشطيني بعبد السلام ساسون الشخصية المركزية في روايته الى محلة الفضل بحثا عن علاج واصفاً تلك الرحلة بالمغامرة في دخول منطقة متعصبة ومعروفة بميولها الشوفينية والطائفية وما قام به أبناؤها من تقتيل اليهود في فرهود 1941، بعد قليل من ذلك يصف سائق التاكسي بأنه يؤدي كل واجباته بإبتسامة عريضة على فمه على عكس بقية العراقيين الذين لا تفارق وجوههم معالم الكآبة والملانخوليا والسخط على الحياة.
وتتكرر في كثير من صفحات الرواية عبارة الشرق الأوسط التي تستخدم إطاراً معيارا للمقارنة مع ما يجري في العوالم الأخرى، التقاليد هنا تختلف ونظام التعليم وعادات العشاق والأسواق والهوس بالبشرة البيضاء ونظرة الشك الى القانون، وتبدو تدخلات المؤلف أحيانا لوصف حدث ما كأنها ترديد لشعارات: فسواد الناس ينظرون الى الحافلات التي تقل طلاب المدرسة الراقية "كلية بغداد" والى مرافقيهم من القساوسة الأجانب كمظهر من مظاهر الهيمنة الإمبريالية الغربية وطلائع هجمة صليبية جديدة ماكرة على ديار الإسلام ومحاولة للتبشير وتنصير الشباب المسلم. أما قرار الدول العربية بارسال جيوشها الى لمهاجمة اسرائيل وتصفيتها عام 1948 فكان بمثابة رفع الستار لحملة هستيرية من معاداة السامية، وفي صفحات أخرى يبدو ما يذكره القشطيني كأنه مقتطع من كتاب تاريخي، فيهود العراق الذين جاء بأجدادهم الملك البابلي نبوخذ نصر أسرى الى بابل عاشوا وتزاوجوا فيما بينهم لنحو 2500 سنة وحافظوا على هويتهم وعنصرهم بحيث يمكن إعتبارهم النمط الأصيل للجينات اليهودية، ثم يذكر على لسان معلم مدرسة ثانوية ما يلي:
“ديانتنا، أقصد الدين الإسلامي نشأ في الجزيرة العربية لا في العراق ثم جاء الى هنا، لكن ديانتكم عراقية صميمة نشأت في العراق لا في فلسطين، كل كتب التوراة والتلمود كتبت هنا على أرض بابل، كل أنبيائكم مدفونون هنا في العراق"، في حين يصف الحاخام موشي في الكنيس اليهودي في طهران التي يهرب اليها عبد السلام ساسون وزوجته تلك الحقائق أو بعضها بالكلام الفارغ وأن العرب كذابون فظيعون، ويضيف: كل أنبيائنا المذكورين في التوراة مدفونون هنا في إيران، بلاد الملك قورش، هنا مدفون دانيال وإستر، لا يوجد غير حزقيال واحد وهو مدفون هنا في أصفهان، والخروج الصحيح كان من إيران، يقدم القشطيني في صفحات اخرى وجهات نظر متطرفة أو غير متفق عليها في تفسير التاريخ ورموزه الدينية والأسطورية، فعشتار الرافدينية نقلها الإغريق الى فينوس ثم إقتبستها الكنيسة الكاثوليكية في شخصية مريم العذراء، واهبة الحياة بلا زوج، إنها الرمز الذي يجسم فكرة سكان وادي الرافدين القديمة عن الأنثوية.
وهكذا وفي مواضع كثيرة من الرواية يتوقف السرد الحافل بالتفاصيل والملاحظات ليضيف المؤلف ملمحاً تاريخياً أو تفسيراً لحدث ما، مؤكداً حضوره التقريري، أو وجوده كراوٍ عليم بكل شيء، راوٍ يتابع مصائر شخوصه في خضم تحول مفصلي في تاريخ العراق والعالم حين إنهارت فكرة التعايش السلمي بين الطوائف والملل والنحل التي إستمرت لقرون في بلاد الرافدين، بعد قيام إسرائيل وسعي المنظمات الصهيونية لإقتلاع اليهود من جذورهم العراقية "كان عديدهم في الأربعينيات يبلغ 130 ألفاً" وإرسالهم الى أرض الميعاد على طائرات خالية من المقاعد في عملية مرتجلة أطلق عليها "بساط الريح".
تبدأ الرواية قبل قليل من ذلك بمأساة لمراهقة من عائلة غنية تبدو عليها آثار الحمل نتيجة علاقة مع شاب أكبر من قليلاً، يتم عرضها على أشهر طبيب للنساء في بغداد، هو اليهودي المثقف عبد السلام ساسون الذي يعرف أسرار كل نساء الطبقة الراقية وأحوالهن الجنسية، يضطر ساسون تحت تهديد السلاح الى الإعتراف بأن المراهقة حامل فعلاً، ويصاب نتيجة لذلك بإنهيار عصبي ويظل يردد برعب: لا لم أقتلها، يعجز الإطباء عن مداواته ويفقد زبوناته ويهجر عيادته أما في مستشفى الأمراض العقلية فينظر اليه المجانين بريبة ويضطهدونه كجاسوس صهيوني، ويعتقد أحدهم أن اليهود دسوه لينصت الى كلامهم وينقل ذلك الى اسرائيل، وبعد جولة بين أضرحة الأولياء والمشعوذين لا تجد زوجته تفاحة من حل سوى الرحيل للفرار من الجحيم العراقي، عن طريق إيران ثم الى إسرائيل، هناك يتحول ساسون بعد صراع روحي وبدني الى طبيب للأسرى من الجنود العرب، ويتعرف هناك على الشاب الذي أغرى المراهقة ويطلعه على السر الذي ظل يعذبه لسنوات: أنه لم يقتل حبيبته وأنها مازالت تعيش هنك في مكان ما، في البصرة، ثم يسهل عملية هروبه، وبعد مداخلات عديدة في طريق العودة يكتشف "حسون" أن حبيبته قد تحولت الى بغي في بيت الشناشيل الأزرق الشهير في البصرة، فيفتديها بمائة دينار ثمن السرير والمخدة والإبريق، وتنتهي القصة نهاية سعيدة كحال قصص كثيرة في الشرق الأوسط. حين يصطحب حسون حبيبته الى أية أرض في العالم لا يذبح فيه الناس من تستجيب لنداء الحب.





القائمة الرئيسة
البحث