الإثنين, 16 تموز 2018
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
ليلى و القرد/3
سعد هادي
ليلى و القرد/3
الفصل الثالث

كانت العربة باردة مثل ثلاجة ومظلمة مثل سرداب ، لبس موسى كل ما لديه من ثياب وظل يرتجف ويئن ، كان يبدو مثل قرد مريض تم تضميده بكومة من الخرق .
- هل لديك ثياب أخرى ؟
لم أرد ، كنت أحاول أن أنام ، جأر ثانية :
- سأموت من البرد ، هل ستظل العربة هكذا طوال الليل .
- لا أدري ، سألت المفتش قبل نصف ساعة فقال : إن القطارات كلها باردة في الليل .
- يكذب .
- موسى إما أن تنام او تبحث لك عن عربة أخرى .
- وإلى أين اذهب ، كل العربات اما مزدحمة او مغلقة .
أخذني موسى حين صعدنا في جولة بين العربات مردداً :
- متعة الصعود في القطار تبدأ حين تخترق حشوداً من البشر وصولاً إلى ما تريد ولكن ماذا تريد ؟ حدق في الوجوه التي تصعد والتي تغادر ، وجوه الإناث الطرية ووجوه الرجال الكئيبة ، انظر في الفتحات لترى ما خلفها ، احشر انفك بين ثقوب الستائر وتطلع إلى أسرار العشاق ، إلى التحام الأجساد ، لا عيب في ذلك ولا حياء ، الكل يعرض مواهبه وخفاياه ، ادخل مع البشر في مهرجانهم المتحرك ، لا تنتظر بل اقتحم ، القطار هو سفينة نوح معاصرة تسعى في صخب بين المحطات الأرضية وهي تحمل وتفرغ كل الألوان والرغبات والنزوات والأفعال ، انظر إليها وانسجم معها بأعصاب باردة وقلب مفتوح ولكن هل لديك قلب ؟
- لا ، لدي ساعة صدئة أعيد ملأها كل صباح .
ابتسم كأنه يقول : ها قد بدأت تتعلم ودخلنا إلى إحدى المقصورات ، كان فيها رجلان وامرأة ، لم يثر دخولنا انتباههم بل استمروا في الكلام . همس موسى :
- انهم إيرانيون .
رفع أحد الرجلين قنينة ويسكي كانت موضوعة إلى جانبه وقدمها إلى المرأة فأخذت رشفة صغيرة وأعادتها إليه . اكتشفنا بعد قليل انهم ثملون تماماً . قال موسى :
- انهم هاربون من الجحيم ولكن إلى أين ، سيظل العجوز خلفكم مع عصاه حتى نهاية العالم .
استمروا في الكلام بعد أن أطفئت الأضواء ، كانوا يتلعثمون ويمطون الكلمات ويعيدون مضغها قبل أن يقذفوا بها كالهلام في الهواء ، سمعنا تثاؤب المرأة بعد قليل وردد أحد الرجلين :
_ زنده بله ، مرده بله .
اخرج من حقيبته قنينة ويسكي أخرى ، اخذ منها جرعة أخيرة ونام وظل الآخر يثرثر ويغني ويعبث بثديي المرأة ويحاول دون جدوى خلع تنورتها ، ذهب موسى إلى المرحاض وحين عاد قال :
- وجدت مقصورة فارغة ، تعال بسرعة .
وبينما كنا نجمع أغراضنا ارتخت أصابع الرجل وسقطت يده فجأة ودخل في نوم عميق . في الممر قال موسى :
_ انهم في كل العربات ثملون وعراة يرقصون ويتشاتمون ويفترسون البغايا .
دخلنا المقصورة ، وضعنا حقائبنا وجلسنا ندخن في الظلام وبعد دقائق توقف القطار .
_ في أي محطة نحن ؟
_ لا ادري ليست هناك لافتة .
تلاحقت الخطى في الممر وعلى رصيف المحطة توالت أشباح المسافرين ثم فتح باب مقصورتنا ودخلت فتاة بدينة ، جلست قرب موسى ثم تبعها شابان زنجيان جلس أحدهما إلى جانبي ، صمتا في البداية ثم شرعا يتحدثان بإنكليزية قاموسية، اخبرني الذي جلس إلى جانبي انهما من السنغال وسيذهبان مع الفتاة إلى سويسرا ، بعد محطتين تركوا المقصورة فاقتحمتها أربع فتيات قلن إنهن من أقصى الشمال ، من أيسلندا وسيذهبن إلى اليونان ، كن متحفظات وحزينات وكانت إحداهن ترد على أسئلة موسى بابتسامات موجزة كأنها صماء ، حين قلن وداعا بعد محطتين وأمسينا وحيدين مرة أخرى فتح موسى حقيبته واخرج كل الثياب وبدأ يرتديها قطعة بعد قطعة ثم تسلق لينام فوق رف الحقائب . سألني بعد دقائق :
- هل نمت ؟
قلت :
- أحاول دون جدوى .
-إذاً استمع إلى هذه الحكاية: كنت مرة في طريق عودتي إلى اسطنبول، صعدت إلى قطار مزدحم، كنت ضجراً ومتعباً وبالكاد حشرت نفسي في مقصورة فيها أربع نساء وعجوز ورجل ذي ساقٍ واحدة ، لم تكن لدي نوايا من أي نوع تجاه تلك المخلوقات ، كنت أريد مكاناً أنام فيه حسب ، حاولت إحدى النساء أن تتحدث معي بل أن تغويني فلم استجب لها،كانت ممتلئة وريانة وذات ردفين هائلين . ظلت تغازلني وتتحدث معي بلغتها التي لا اعرف منها حرفاً ثم ذهبت إلى مقصورة أخرى وعادت ومعها شاب طويل ذي عينين مصابتين بالرمد يعرف عشر كلمات إنكليزية يردد بينها: يا يا يا ، ليملأ الفراغات المأساوية في جمله ، أفهمني بطريقة ما: إن المرأة لديها عدد من سراويل الجينز تريد أن تخفيها بين أمتعتي لأن رجال الكمارك لا علاقة لهم بما يحمله الأجانب ثم بإشارة خاصة أفهمني : إن المرأة سترد لي الجميل بعد اجتياز الحدود ، قلت : لا يهم ، وضعت السراويل في حقيبتي وعدت إلى مكاني،التصقت المرأة بي،بدأت تقبل رقبتي وتضحك لنكات وإشارات صديقاتها ثم دارت بيننا قنينة فودكا ، رشفة لكل فم وتصاعدت حرارة المقصورة ، بدأت اضحك وأغازل وأمدّ يدي هنا وهناك ولم يحدث اكثر من ذلك . ثم انتهت قنينة الفودكا واطفئت الأضواء ونام الجميع ونامت المرأة على كتفي ، قل استخدمتني كمخدّة ، حاولت عدة مرات أن أوقظها ، أن أزيح رأسها الثقيل عن كتفي ولكن بلا فائدة ، كانت تشخر وتتحدث في نومها . أنا الوحيد الذي لم ينم في خضم لحن جنوني تعزفه الأنوف الثملة ثم انبعث الموتى من قبورهم عند الحدود ، بدأ المسافرون يتراكضون في الممرات ، يصرخون ويتشاتمون ، حاملين حقائبهم وصررهم وأكياسهم ، دخل رجال الكمارك مقصورتنا ، فتشوا كل شيء ، قلبوا المقاعد وبعثروا محتويات الحقائب ورفعوا قبضاتهم في وجوه النساء ثم حمل أحدهم حقيبتي وأراد الخروج بها ، صرخت ست حناجر في آن واحد: اعد الحقيبة ، كانت أعينهم المرعوبة تقول : سنقتلك إن لم تعد الحقيبة، أعادها ودوّن شيئاً ما في دفتره وخرج وغادر القطار نقطة الكمارك فبدأ احتفال آخر في المقصورة ، ظهرت قنينة فودكا جديدة وسكائر وآنية طعام وبدأت صاحبتي ترقص ثم بدأت تخلع ملابسها ، خلعت بنطلوناً كانت ترتديه ثم خلعت بنطلوناً ثانياً وثالثاً واتضح إن ردفيها الهائلين هما خمسة بنطلونات مهربة وعشرة سراويل داخلية أما جذعها الممتلئ فتمت صياغته من عشرات القطع : بلوزات، قمصان، حمالات أثداء ، لقد بدت حين خلعت كل ملابسها مثل فارة، جمعت الثياب في صرة كبيرة وكذلك فعلت صاحباتها وترك الجميع القطار في المحطة التالية. جلست وحيداً مع زجاجة فودكا شبه فارغة ، أتأمل طلوع الفجر واضحك مع نفسي وأقارن بين الفئران والنساء.
تثاءب موسى وقال شيئاً لم أتبينه ثم اختفى صوته وبعد دقائق كان غطيطه يملأ العربة وقد نمت أنا أيضا ، رأيت فوزية وحيدة في ممر القطار يتبعها جرذان كبيران ، أردت اللحاق بها فاعترضني شحاذ له رأس دمية ثم أحسست بيد جبارة تعتصر كل قطرة ماء في جسدي ، استيقظت فزعاً لأجد موسى يتدلى فوق رأسي، كان قد حاول الهبوط فتعلق قميص بيجامته بمسمار في رف الحقائب وظل يرفس ويحرك يديه في الهواء كالمشنوق . صرخ في وجهي حين نهضت :
- يا أخي ، هل أنت صخرة ، ألا تسمع .
أمسكت بياقة البيجامة من أعلى وأفلتت طرفها المعلق بالمسمار وأنزلته بهدوء.
قلت :
- أنت خفيف مثل طفل يا موسى .
نظر إلي بغضب ثم امسك بطنه واتجه مهرولاً إلى الخارج . بعد دقيقة فتح باب المقصورة ودخل المفتش ، سألته :
- متى نصل إلى زغرب ؟
- إنها المحطة التالية .
أنزلت الحقيبتين واتجهت إلى الممر ، وجدت موسى في نهايته غارقاً في بحيرة صغيرة من قيء .
قال:
_ الباب مغلق من الداخل .
طرقت الباب بشدة ، رد علي صوت أجش :
- اذهب إلى الجحيم .
كان موسى يرتجف ويغمغم وكان وجهه شاحباً كأنه وجه ميت . قال بصوت خافت :
- سيغمى علي
وسقط على الأرض .



كان موقع الروائي قد نشر الفصلين الأول والثاني من الرواية قبل أسابيع

سعد هادي
روائي وكاتب من العراق
القائمة الرئيسة
البحث