الإثنين, 11 كانون الأول 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
أيام في عمّان/ اين انت يا نخلة الله ؟
جمعة اللامي
أيام في عمّان/ اين انت يا نخلة الله ؟



1 ـ بحثا عن حسب الشيخ جعفر


»ولكن.. ما الذي جئت أفعله هنا؟ ما الذي جئت أفعله هنا، يا مولاي؟«
(مالرو ــ المذكرات المضادة)

لم يتبق سوى حسب الشيخ جعفر، وهو ــ الآن ــ في عمّان، وليس في بغداد، لقد ضربنا الدهر من حيث لا نحتسب:
رحل عبدالوهاب البياتي الى البارئ من دمشق، بعدما أقام في عمّان ردحا من السنين،
و "أخفي" او "اختفى" عزيز السيد جاسم، في مكان ما في بغداد.
وهاجر سعدي يوسف الى لندن، بعد سنوات من التنقل والترحال بين دمشق وعمّان.
كنا مجموعة صغيرة وكنت الأصغر بينهم عمراً،
لكنها مجموعة قادرة على ان تكون في حجم اوقيانوس، او في عمر يفوق كثيرا اعمار نسور نبي الله نوح.
ذات مساء، في منزل سعدي يوسف، في نهاية العام ،1977 او في بدايات 1978 قر قرارنا على مغادرة العراق. كان معنا في ذلك المساء شاعر قومي ( 1 ) يراقب احتداماتنا ونحن نتخذ هذا القرار، وكان الرجل امينا بما فيه الكفاية، ليستمع الى احاديثنا من دون أي تبرم او اعتراض.
كان سعدي يوسف لظروف خاصة وسياسية، الأكثر الحاحا، بل الأكثر حاجة في مغادرة الوطن، لكن جواز سفره كان محتجزا لدى وزارة الثقافة والاعلام. تخير أحدنا نفسه لتذليل هذه العقبة وتوفرت أمام سعدي فرصة لا تعوض للرحيل عن "السماء الأولى".
بقينا نحن الاربعة: البياتي، عزيز السيد جاسم، حسب الشيخ جعفر، وأنا، وأخذ كل واحد منا يتدبر أمره، إلا عزيز السيد جاسم، فلقد كان جواز سفره "موقوفاً" في مكتب الوزير السابق لطيف نصيّف جاسم الدليمي.
مرقت حزمة الذكريات بسرعة خاطفة أمامي، فيما كنت انظر الى حقيبتي، في غرفة صغيرة، في فندق صغير يقع في وسط عمّان كما كان حسب الشيخ جعفر، ينظر الى حقيبته في يوم من سنة ،1958 عندما حط الرحال في موسكو ليكون اول طالب عربي يدرس في "معهد جوركي".
كم تبدلت وتغيرت هذه المدينة منذ فارقتها في شهر سبتمبر/ايلول سنة 1970. آخر مرة كنت نزيل دارة فخمة في "جبل التاج" اتيت الى ذلك المنزل من موقع يتبع "الجبهة الديمقراطية" لأفاجأ هناك بالدكتور منيف الرزاز، الذي "توفي" في ظروف غامضة فيما بعد، والدكتور عبدالوهاب الكيالي الذي تم اغتياله في بيروت سنة ،1980 اضافة الى شخص آخر اسمه د. زيد حيدر، وهو سوري تولى بعد ذلك منصبا مهما في "القيادة القومية" لحزب البعث العراقي، ثم ليصبح بعد ذلك ناطقا باسم الحكومة العراقية اثناء ما كانت "قوات الحلفاء" تدك وتدمّر بغداد وبقية المدن العراقية بعد يناير/كانون الثاني 1991.
كان القتال محتدما يومها بين الجيش الاردني وفصائل منظمة التحرير الفلسطينية كنت قريبا جدا من منيف الرزاز، حينما كان ينادي على »الرفاق في بغداد« من دون ان يحصل على نجدة بينما توقفت المدرعات السورية عند "الرمثا" كما يتذكر الذين تابعوا الاحداث حينئذ.
أول الهاربين من الموقع هو "زيد حيدر" الذي رأيته بعد عدة اسابيع بكامل زينته في مقهى بيروتية على الروشة.
قال اكرم الحوراني: كنت اتابع الموقف من اجهزة لاسلكي "القيادة العامة" وفي تلك الاثناء مر على تلك المقهى عضو مجلس قيادة الثورة العراقي صلاح عمر العلي التكريتي، الذي أقيل وعين في منصب دبلوماسي خارج العراق.
توجهت نحو صلاح عمر العلي التكريتي محيياً فشاهدت في رفقته الشاعر العراقي حميد سعيد والشاعر السوري المخضرم خليل خوري الذي توفي بعد عدة سنوات في بغداد، بعدما هجر الصعلكة واختار "نعمة حديثة" في عاصمة الرشيد.
هذه هي عمّان إذاً!
سألني احد ضباط الجوازات في مطار عمّان الدولي: من تعرف في عمّان؟ قلت: غريب المتروك .
ابتسم في وجهي، ثم اخذت بيمين المتروك ودخلت قلب عمّان ليلاً.
كان هدفي الآن هو: حسب الشيخ جعفر. لكن اين اجده بل كيف يتأتى لي اللقاء مع رجل اختار عزلته ومنفاه كما اختار ان يكون مبرزا في حركة الشعر العربي الحديث؟!





2- روح جلجامش



" إن كل نداء إلى الماضي ، هو نداء حار إلى المستقبل "

(توما الأكويني)

قال علي السوداني ، بثقة : أنا آتيك به.
فتح حقيبته الجلدية ، وأخذ يعبث أو يبحث في داخلها عن شيء ما .
هذا السوداني الساخر في حديثه ، المثير للضحك والبكاء في كتاباته الصحافية السياسية ، الهجاء حد الشتيمة في انتاجه القصصي ، كان قادراً على أن يفعل المستحيل في تلك الليلة الأردنية ، لكي يأتي بحسب الشيخ جعفر ، من عزلته الفريدة في غرفة صغيرة ، فوق فيلا صغيرة ، بمنطقة " وادي السيل " التي يحتار حتى أبناء الوادي ذاته في الاهتداء إليها.
لكن السوداني ، هذا الذي ترك العراق سنة 1994م ، واتخذ من عمان بديلاً مؤقتاً عن بغداد ، كان في ذلك المساء الأردني ، يذكر نفسه بنفسه ، بصداقته مع البياتي ، وبارتصافه الى جانب حسب الشيخ جعفر ، حيث قال لي : لا اريد لحسب الشيخ جعفر الذهاب الى مدينة عربية أخرى ، عمان هي الأفضل له الآن.
" أبو نواس " هكذا نكني الشاعر حسب ، سومري عريق وهو في موسكو انه يتذكر خنازير الأهوار ، وطيور ميسان ، والبريد السياسي ، ويساكن بكائيات الناس في إهراءات القصب والبردى ، حتى وهو يمرق بجانب أحد نصب لينين في موسكو.
إن هذه العزلة المكانية هي التي ستمنحه قدرة لا تضاهى على إعادة ترتيب مواضينا : ماضيه هو مستقبله أيضا .
لم ينس حسب الشيخ جعفر ، ولا للحظة واحدة ، أصدقاءه ورفاقه .
وعندما التقيت به في حديقة اتحاد الأدباء قبل ان يبدأ عقد السبعينيات من القرن المنصرم ، كان هو الصامت الأكثر حضوراً في جمهرة من قدامى المناضلين ، ونساك الشعر ، وبقية الباحثين عن رفاقهم ، حتى لو كان مطرحهم مقبرة في برلين ، أو غرفة منسية في بكين ، أو زاوية مهجورة في فندق بغدادي عتيق.
كتبت له من هنا في " ذاكرة المستقبل " مطلع سنة 1980م : يا أبا نواس .... كيف يمكن تأميم الماضي؟
وعلى مدى ثلاث ليال متتالية ، كان يقص على أقرب الناس اليه ما ترتب على تلك العبارة من إجراءات : تحقيق غير مباشر أجراه معه رجل لا يعرف أن صاحب " القصيدة المدورة " يفلت من شباك البوليس ، كما تنأى قصيدة حب نبفسها عن مجتمعات الكراهية والاغتياب.
انتظارالمقصلة ، كان حديث تلك الليلة مشتعلاً بالسياسة وقليل من الأدب . كان الشاعر علي عبد الأمير لا يني يعيد ويصقل موقفاً يتبناه . يتمثل في ان التغيير القادم في العراق ، حتى لو جاء على هيئة " قرضاي " عراقي ، أفضل من وضع النظام الراهن.
في المقابل ، كان عبد الأمير الركابي . أحد أبرز شخصيات رواية ، وليمة لأعشاب البحر ، يرى في الحل الأمريكي كارثة ستحرق الحرث والنسل وهو كرر – وباستفاضة هذه الرؤية – أمام نخبة من المثقفين والاعلاميين الأردنيين في محاضرة نظمها له مركز القدس للدراسات وأدارها مدير المركز زميلنا عريب الرنتاوي ، الذي ترشحه دوائر خارجية لتولي حقيبة الداخلية والشؤون البلدية ، في الحكومة الفلسطينية المرتقبة ، بعد إطاحة عرفات ، بينما هو لا يكترث لهذه الهراءات الثقيلة.
كنت مشمئزاً من الحديث في السياسة ذلك المساء ، لكني قلت : سأعطي ظهري لفرسان الحل الأمريكي ، كما فعل أديبان روسيان بعدما سمعا بوفاة ستالين.
حسب الشيخ جعفر ، هو الذي قص علي تلك الحكاية ، قبل نحو ثلاثين سنة .
قال : كان ثمة أديبان في موسكو ، لم يتعايشا مع الواقع الستاليني على الصعيد الثقافي ، فكانا يختلفان الى مطعم صغير يمضيان فيه وقتهما بينما يعطيان للجمهور ظهريهما . أما وجهاهما فكانا قبالة الحائط دوماً.
وعندما أعلن نبأ موت ستالين على الملأ ، واجه الناس بعضهم بعضاً بذهول أو بسرور ، إلا ذينك الأديبين فقد أصرا على النظر إلى حائط المطعم ، بينما ظهراهما في مواجهة الجمهور.
قام علي السوداني على حيله ، وقال بصوت جهوري : وصل أبو نواس .
على مهلك يا دنباً ،
مرحبا يا روح جلجامش ،
هلا بك يا ربيب العمر والفتوة وغابات الكؤوس.
تعانقا ، ثم جلسنا صامتين ، كما كان يحدث قبل ثلاثين سنة.




3 ــ العاشق السومري

على سطح الجدار القَصِيّ المقابل، عبر الحائط الزجاجي الذي يفصلنا عن السابلة، رأيت شبحين: الأول، ملفوفاً بكفنه الأبيض، متوسداً صخرة عند رصيف في مثوى الشيخ »ابن عربي« بدمشق: إنه عبدالوهاب البياتي.
والثاني، لا يزال في دشداشته الشتوية البيضاء أيضاً، واقفاً، كما كان الحسين بن منصور يتبختر في أسواق بغداد، رافعاً ذراعيه نحو السماء، وهو يصرخ:
ــ يا غَوْث.
إنه عزيز السيد جاسم.
راودتني فكرة نقل صورة ما رأيت إليه. لكنه كان، كما هو دائماً، مستغرقاً في صمته العتيد، محاوراً أسراب البط في أهوار »ميسان«، متحدثاً الى »بلوك« أو »يسينين« أو »دستويفسكي«، أو منقذفاً في تلك الأزمنة البعيدة، ماراً وطائفاً حول أسوار »أوروك« أو متجولاً في منعطفات »بابل«
أو لابداً في ذاكرة امرأة من جصّ على سطح جدار في »أور«.
كان »علي السوداني« قد جاء به الى هذا المربع في المساء الثاني، وكذلك في المساء اللاحق، فتذكرت عبارته الأثيرة: »كانت حياتي في موسكو مجرد حنين أو انشداد عنيف الى مكان آخر، هو العمارة. كنت طيلة السنين التي عشتها في موسكو أتطلع الى هذه القرية، الى هذه المرأة القروية، الى تلك التفاصيل التي حفرت أخاديدها في روحي«.
و»العمارة« هي المدينة السومرية الأولى، وكذلك هي التي منحته »نخلة الله« و»الطائر الخشبي« و»زيارة السيدة السومرية« و»عبر الحائط في المرأة« وبقية ما جادت به صبوات هذه القامة العراقية من فرائد الشعر المضاف إلى الحداثات الشعرية العربية.
وهذه المدينة العراقية الجنوبية، التي دفعت الى سطح الحياة بشعراء وكتاب لهم وزنهم، منهم لميعة عباس عمارة، لها شأنها في منعطفات الحياة العربية بعد الاسلام أيضاً. وهي ستترك روحها لدى حسب الشيخ جعفر، ليصير الى إعادة صياغتها ضمن تراثه الثقافي.
يقول: »أنا شخصياً، أنظر الى التراث العربي، كذائقة استمرارية من خلال ثلاثة أعمدة شامخة: القرآن الكريم، ونهج البلاغة، وديوان المتنبي. مع تقديري لشوامخ أخرى مثل أبي فراس وأبي تمام«.
سيمنحه القرآن الكريم سكينة للروح .
وسيهبه »نهج البلاغة« ذلك الاندفاع وراء الحكمة والعدالة،
بينما سيناوله المتنبي ذلك الاحترام الذي لا يوصف للشعر والكلمة والتجديد:
ــ »الشعر ــ في تصوري ــ هو هذه الروح الكامنة في أي نصّ ابداعيّ، سواء كان فناً تشكيلياً، أو شريطاً سينمائياً، أو مسرحية«.
وهكذا هي »القصيدة المدورة«: إضافته الحقيقية للحداثة الشعرية العربية، بعد نازك الملائكة والسياب والبياتي، لأن »حقيقة الشاعر هي إضافته لما سبقوه.
عمر بن أبي ربيعة، سرّ بقائه ليس في صدق تجربته لأحاسيسه فقط، وإنما في اقتحامه لأماكن شعرية غير سائدة« كما يقول.
هذه الإضافة الصارخة التي جاءت بها »القصيدة المدورة« على يديه، بعدما أفاد من بداياتها التاريخية لدى الأندلسيين، ثم لدى شعراء المهاجر اللبنانية، تركت روحها في شعر عدد من بقية الأوائل في الشعر العراقي، مثلما انتقلت، كما ينتقل الدم من القلب الى بقية أجزاء الجسد، الى الأجيال الشعرية التالية في العراق، حتى لقد بات حسب الشيخ جعفر، حاضراً في كل منجز شعري حقيقي بعد جيل الستينات.
ثلاثة مساءات متتالية في عمّان، اختصرت ثلاثة عقود من السنين، ومكان واحد، هو منزل علي السوداني، كان إنابة عن مدينة الماء التي اسمها »ميشان« أو »ميشون« أو »ميسان« .
وهي ــ المساءات الثلاثة ــ التي جعلت من عمّان مثابة لشاعر يغادر صالات الاحتفالات الصاخبة، وبطاقات الأحزاب، ورشى المثقفين السلطويين، ويختار غرفة متواضعة فوق فيللا في »وادي السيل« في عمّان، لا يهتدي إليها أعرق قصاص أثر في العاصمة الأردنية، بينما يعرف جغرافيتها بدقة، ذلك العفريت العراقي: علي السوداني، الذي نافس الهدهد في تتبع عرش بلقيس.
في المساء، ما قبل الأخير، عند بوابة تلك الغرفة المتواضعة، وقفنا الثلاثة: هو وأنا وبيننا علي السوداني. بهزتُ قليلاً، فرأيت روح البياتي تتوسد صخرة عند ضريح »ابن عربي«، وتمسح على جبين عزيز السيد جاسم، المعفّر بالدم.
أردتُ أن أقول:
ــ أبا نؤاس.. هذا هو عزيز، وذاك عبدالوهاب!



هوامش
( 1 ) : الشاعر القومي المقصود ، هو الشاعر علي الحلي . وقد اشرت اليه بهذه الصفة خوفا عليه ، لانه كان في بغداد عندما نشرت المقالات الثلاث .
كما اضفت جملة : " اين انت يانخلة الله " الى العنوان الاول لمزيد من الايضاح .

* نشرت المقالات الثلاث في جريدة الخليج في الرابع والخامس والسادس من آدب/ أغسطس عام 2002


جمعة اللامي روائي وكاتب عراقي مقيم في الشارقة

zaineb@maktoob

الموقع الإلكتروني
www.juma-allami.com
القائمة الرئيسة
البحث