الأحد, 18 تشرين الثاني 2018
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
السقوط في الشمس/مقاطع من رواية
د. سناء شعلان
السقوط في الشمس/مقاطع من رواية

(1)

روحي ؟!
أنتَ روحي . . . ماذا تقول ؟!
مجنون ، أتُسرق الأرواح ؟! اتهمني كما تشاء ؟! ماذا ؟ ماذا تقول ؟!
من أين سرقت روحي ؟ لا أعرف ، أتعرف أنت ؟
لا بد إنَّك تعرف، أنفاسك تقول أنّك تعرف، جسمك مضطرب ويتفصَّد عرقاً، لماذا؟ تعال . . . اجلس إلى جانبي ، ودعني أتحسّس ذلك الضلع العجيب الذي خُلقتُ منه.

أنتَ من روح الخالق ، وأنا نسيبة جسدك وبعضٌ من وشائجه ، نعم . . ضمَّني ، تحسَّسني بعطف يشبه عطف الجسد على عضوه ، تحسَّسني بشوقٍ يشبه شوق المسافر المعنَّى للبيت القديم ، تحسَّسني بدهشة تشبه دهشتك عندما خُلقت من ضلعك ، تحسَّسني بألفة تشبه ألفة روحي لروحك، روحي التي تلهث دائماً وراء روحك العابثة.
لماذا تتحسَّسني بهذه الطريقة ؟ أنت تخيفني . . . أرجوك اتركني ، بل أرجوك لا تتركني . . . من أنا؟!!

سأعترف ، لن أصمت بعد الآن .
أنا عشق نساء الأرض كلّه ، أنا شوق نساء الأرض كلّه ، أنا رغبة نساء الأرض كلّها، تحاصر رجلاً واحداً . . نعم أنت .






أتعرف حوّاء ؟
سرقتْ روحها منكَ ، ولكنّك أحببتها أليس كذلك ؟ هي رفيقتكَ في الرّحيل الأكبر، أمضتْ أربعين عاماً تبحث عنك ليلاً ونهاراً ، تفضّ عذرية الغربة بحثاً عنكَ في المنفى الأرضي . . . حتى وجدتكَ .
روحي سكنتْ جسدها ، بل سكنتْ أجساد آلاف النّساء العاشقات ، سكنتْ جسد امرأة أفنت العمر في انتظار الزّوج الغائب ، سكنتْ جسد جارية فرعونية تستقبل الموت راضية إلى جانب سيّدها الحبيب الميت ، سكنتْ جسد أسيرة تعسة تقع في عشق آسرها ، سكنتْ جسد امرأة مصابة بالجذام تعشق طبيبها الجريء ، سكنتْ جسد امرأة عشقتْ صورة رجل لم تقابله ، سكنتْ جسد امرأة تموت مخذولة من حبيب خائن ، سكنتْ جسد عذراء انتظرت فتاها آلاف السنين ولكنه لم يأت ، سكنتْ جسد فتاة تودّع الحياة مختارة لتُزفّ إلى الموت الذي التهم من تحب ، سكنتْ جسد امرأة وفية لرماد في جرَّة كان في يومٍ عشقاً آدمياً يذيبها سعادة وشهوة ، سكنتْ جسد كاهنة أوغاريتية تعشق بجنون، وتزرع الدنيا ياسميناً يعشقه فتاها ، سكنتْ جسد فتاة صغيرة تعشق إله إغريقي يعشق عشقها له ، سكنتْ جسد بدوية تائهة عطشى ترسم وجهك سراباً في صحرائها الجافة ، سكنتْ جسد فلاّحة نذرت شبابها وقوداً في محرقة أعباء الحياة تتقاسمها مع شريك عمرها ومليك قلبها ، سكنتْ جسد وثنية عاشقة تقِّدم حياتها قرباناً لشفاء الحبيب ، سكنتْ جسد عاشقة مجهولة سرقت قبلة من خدِّ حبيبها النائم، وولَّتْ هاربةً بغنيمتها الثمينة ، سكنتْ جسد امرأة خضّبت يديها بالحناء انتظاراً للحبيب الذي عاد جثةً من المعركة . . .

روحي سكنتْ وسكنتْ ثم سكنتْ جسدي الذي عشقك أبداً ، بعدما أسكنته لآلاف السنين في جسد آلهة عذراء ، تطوف الدّنيا تزور الّسماء ، تقبِّل النجوم، تخرج كلّ ليلة باحثةً عنك ، فتجدكَ ممتطياً عربتك الذهبية ، تحمل الشمس ، وتهدي النّور للبشر ، وتنديهم من ينبوع رجولتك وبهاء طلّتك ، فتقبِّلُك ، تهديك دفلى مشاعرها ، وتركض نحو البعيد . . . بانتظار ليل الغد .

روحي طافت السماء والأرض لتلقاك ، لتلتحم بكَ وتذوب فيكَ ، روحي تحلِّق مسحورة حول مومياء مصرية ، محفور على نعشها بماء اللّعنة :
إنني أستنشق الهواء العذب الخارج من فمك
وأتأمَّل كلّ يوم في جمالك
وأمنيتي هي أن أسمع صوتك الحبيب
الذي يشبه حفيف ريح الشمال
إنّ الحب سيعيد الشباب إلى أطرافي
أعطني يدكَ التي تمسك بروحي
وسوف أحتضنها وأعيش بها
نادني باسمي مرة أخرى وإلى الأبد
لن يصدر نداؤك أبداً بلا إجابة عنه
أما الليلة فروحي تعرج كسيرةً ، لتتّخذ جسدي المتهدِّم العتيق موئلاً لها .
الجو يغطُّ في آخر مداعبات الخريف ، السماء تتهيأ باستحياء لولادة شآبيبها المنتظرة ، هاهو القطار يتوقّف عن إصدار صفيره المحموم ، يتوقف في مكانه المرسوم له بالقضبان الحديدية . من الشبّاك الذي يجاور الشاب الحليق الذي يجلس إلى جانبي أتابع حركات الركاب المتجهين جميعاً نحو البوابات ، البعض يشقّ طريقه سريعاً بين الجموع ، البعض يتوقف , يحرك رأسه يميناً وشمالاً بحثاً عن صديق أو قريب في انتظاره ، وآخرون يتجهون سريعاً نحو أقرب حافلة أو سيارة أجرة ، يستقلونها مبتعدين عن المكان .

أصبح القطار شبه فارغ, أسرع إلى التقاط حقيبتي النّسائية القديمة , وارتداء معطفي الشتوي البنّي اللون , ذلك اللقاء الحميم أوّل ما خطف نظراتي عند أوّل خطوة أخطوها خارج القطار, لقاء بين شاب أسمر وفتاة شابة في المحطّة , أتساءل بفضول من تراه يكون ؟! أتابع للحظاتٍ حركات أطرافهما واضطراب ابتساماتهما وفرحة نظراتهما المسكونة بكلام , أظنُّهما يستطيعان فكّ رموزه .

أصمتُ ، أخطو خطوة ثانية وسادسة وتاسعة ، أصبحت في ساحة المحطة، البوابات واحدة اثنتان ثلاث . . . سبع ، تماماً كما تركتها منذ ثمانية عشر عاماً ، أما الوجوه فلا أعرفها .

أشعر برغبة خفية تدعوني إلى تفقُّد محتويات المحطة : الأرضيات والمحلات والمقاعد والأشجار وعمال المحطة وسيارات الأجرة والمسافرون والقادمون كلّهم غرباء، كلّهم يجهلونني ، وأجهلهم ، تستحضر ذاكرتي صوت العمّ أبي علي ، قاطع التّذاكر ، يدلّلني بصوته المعهود قائلاً بدفءٍ فطري ساذج : يا صلاة الزّين على الحلوين ، أين عيون الرّجال عنك ؟ ألم تتزوجي بعد ؟!! فأجيبه إجابتي التي كان يردّدها بعدي مقلداً صوتي بسخريةٍ : لا أفكر بالزواج أبداً.

أين هو العمّ أبو علي ؟ لعلّه رحل الآن إلى دنيا أخرى ، كان رجلاً مسناً عندما عرفته ، تميزه قامته القصيرة ، وبشرته التي تكاد تكون سوداء لكثرة ما لوّحتها الشمس، فلقمة العيش كثيراً ما تحرق وجوه أصحابها لا سيما إذا كانوا فقراء من أمثال أبي علي .

طيب هو، أهمل كلّ متع الدّنيا ، بل أهملته كلّ متع الدّنيا ، إلاّ متعة الحديث مع المسافرات ، والاقتراب منهن حدّ الالتصاق في القطار ، وافتعال الحكايا والقصص للتودّد لهنّ ، فهو مستعدّ دائماً ليهيء مكاناً جيداً لك في القطار لا سيما بالقرب من الشّباك في المقاعد الخلفية ، بل ومستعد لحمل حقائبك مقابل بعض الحديث المتقطِّع معك ، وهو يلتهم بنظراته المحمومة جسدكِ وابتساماتك ، بشرط أن تكون المسافرة صاحبة جسد ممشوق ، يضطرب بشباب تحت ملابس تصفه بجرأة بل ، ولا تمانع أحياناً من أن تبرزه ، وتكشف عن أديمه في بعض المواقع لا سيما الصدر والرقبة والأكتاف ، أما إذا كانت المسافرة كبيرة أو سمينة فلا نصيب لها عنده أبداً ، فسرعان ما يتجهّم، ويعطيها تذكرتها بخشونة وبحركة آلية بغيضة ، ويسارع ليرقب وجوه الحسان المبتسمة له أو منه ترقبه من نافذة القطار مبتعدة ، ويعود إلى مكتب المحطة لينتظر القطار القادم ، فحياته لم تكن سوى المحطة ونساء المحطة . بقيتْ المحطة ، وهاهي النساء تملؤها ، أمّا العم ّ أبو علي فأظن أنه قد رحل .

تنبعث رائحة القهوة في المكان من إحدى المقاصف في المحطّة ، هذا المقصف لم يكن في الماضي ، بل كلّ المحلات هنا باتت مختلفة ، الواجهات ، التصاميم الألوان ، السلع ، الوجوه ، لا سيما الوجوه.
أما بائع الزهور فلا مكان له هنا ، أصبح محلّه يبيع المثلجات التي تبدو شهية ، ترى متى أُغلق محله ؟ لعل زهوره حزنت لفراقي ، فأنا كنت عاشقة لها ، محلَّه كان قبلتي الأولى عند وصولي إلى هذه المدينة، كنت أختار زهوري بنفسي ، بل وأنسقها بيدي وأدلف إلى المدينة وأنا أضمّ باقة حمراء إلى صدري ، دائماً حمراء ، هكذا هم العاشقون دائماً يحملون الورود لمن يحبون . أما الآن فلا محلّ للورود ، لا محل للأشواق ، أين ذهب العاشقون ؟ أنا كنتُ شعباً من العشاق ، هذا المحل يقتات من عشقي ، أطيل التحديق في واجهته الزجاجيّة ، يدعوني صاحبه للدخول ، لكنني أتجاهل دعوته، وأسير بتؤدة حطّمها الانتظار ، وأثقلتها السنون والذكريات .

أجلس في أحد المقاعد الخشبية ، تظللّني السنديانة القديمة ، لقد أصبحت كبيرة وضخمة ، ولكنّها لا تزال شابة ، أشعر بأنّ غصونها الوارفة ترحِّب بي بشكل خاص، وتشفق على وحدتي ، لقد عرفتني في حين أنكرتني المحطة ، فالسّنديانة لا تنسى أبداً من يحفرون بدموعهم على جذعها .

الكلّ يسير مسرعاً ، ففي مثل هذا الصباح الباكر تستقبل المحطة الكثير من المسرعين وأصحاب الحاجات والوظائف والأعمال ، إلا أنا فأجلس بهدوء أرقب الوجوه ، أتحسسها بحنوّ غريب ، بحنوّ الأم التي تفتقد صغارها ، كما أفتقد أحلام بالذات دون إخوتها ، أفتقدها بقدر ما أخشى والدها ، لأول مرّة أخشاه ، لطالما سببت له الحزن، لقد أرادني حبيبة، فلم أعطه غير زوجة بليدة وحفنة من الأبناء، وحياة هادئة ورتيبة إلى درجة الغثيان ، أخشاه لأنني أهنته عندما حزمتُ حقائبي دونما أيّ سبب ، وتركتُ أبنائي بل تركتُ حبيبتي أحلام باكية وحيدة ، تحدِّق في وجه أبيها المخذول ، وامتطيت أشواقي وقطعت نصف الأرض لأعود إلى هنا ، لقد وصلتُ قبل ساعات قصيرة إلى البلد ، وهرعتُ كالمجنونة إلى القطار .

وها أنا ذا لا تفصلني عنك إلاّ دقائق قليلة . لن يسامحني ، أنا أعرف أنه لن يفعل ، له الحق ، لقد منعني من الحضور ، خيَّرني بين رؤيتك وبين أبنائي وعمري وسمعتي ، خمِّن من اخترت ؟ اخترت رؤيتك، لا شيء يمنعني عنكَ، القدر لا تصدِّق به، أنا أمقته ،حبُّك هو قدري .

دائماً أعلمتكَ إنني مستعدة لكي أحرق الدنيا بخوراً في معبدك ، كنت تضحك ولا تصدق ، هاأنا ذا أحرق دنياي تعويذة سحرية كي أراك .

ستوبخني على هذه الحرائق ، ستقف مقهوراً وأنت تنظر إلى دنياي وقد احترقتْ ، ستقول لي بنبرتك الحالمة :- لِمَ فعلتِ هذا ؟لِمَ هدمتِ بيتك ، وأضعتِ أبناءك من أجل رؤيتي ؟ لقد خسرتِ زوجك للأبد ، ولأجل من ؟ لأجل رجل لم يستحقك أبداً ، اللّعنة لا تزالين مجنونة بشكل استثنائي .
عندها سأقول لك غير مبالية بالدنيا ونيرانها بل غير مبالية بدموع أحلام وانكسارات زوجي وهمسات الأقارب وسخرية المعارف : لقد عدتُ .

لطالما كنتَ فضولياً وقلقاً بشأن وحدتي ، فأرحتك وتزوجت كي تشعر بالراحة ، ولا تتململ في فراشك قلقاً من وحدتي وغربتي في فراشي ، في البداية حدثتك في رسائلي طويلاً وطويلاً عن زوجي، ثم عن طفلتي الأولى أحلام ثم انقطعتْ المكالمات ، يبدو أنّ شعورك بالذنب نحوي مجرد جرح ليس إلاّ, وقد برأ بزواجي من غيرك . لم تتصل بي لأخبرك أنّ أحلام قد كبرت، وقد أصبحت فتاة جميلة ، حسناً فعلت بعدم اتصالك، فأنا لم أعد قادرة على زفِّ أي أخبار لك عن أسرتي وزوجي وأطفالي .

أتململ في مقعدي الخشبي ، أتخيَّل عيون الشَّباب والمتطفِّلين تلتهمني، وأحاول أن أتهرب منها ، فلطالما طاردتني نظراتهم وتعليقاتهم في الماضي ، هكذا تعوَّدت أن أجلس على هذا المقعد متحمِّلةً تعليقات المسافرين التي تغلظ أحياناً ، وترقِّ أحياناً أخرى في انتظار القطار .

أجيل نظراتي سريعاً في المكان ، أجد الكثير من المسافرين القادمين والباعة ، لكن لا أجد أي نظرة إعجاب أو رغبة ، بل لا تغازلني أيّ كلمة شابّة ، ابتسم ساخرةً من تخيُّلاتي ، فالمحطّة أثارتْ بي ذكريات الماضي ، وجعلتني أخال نفسي المسافرة الشابة ذاتها التي كانت تجلس في هذا المكان منذ سنوات طويلة ، فتنشر بشرتها الوردية وعيناها الصافيتان العطر والجراح في المكان كما كتبت لي في دفتر مذكراتي في يوم من الأيام .

لا زلتُ أحفظ كلماتكَ عن ظهر قلب كأنّكَ همستَ بها في أذني قبل دقائق ، لا زلتُ أحفظ رائحة جسدكَ المتعطش دائماً للمزيد كأنّي ما أزال في حضنكَ ، أما طيفكَ فلا يغيب عني أبداً ، رافقني لسنوات طويلةٍ ، ثم أصبح طيفكَ هو ذلك الأثير الذي نحدّثه دائماً ، ونسرّ إليه بنجوانا ، ونسميه أنفسنا ، لقد كنتَ بعض نفسي ، بل كنتَ كلِّي .

قبلكَ لم أحدِّث نفسي أبداً ، بل لا أذكر ملامح ذاتي ، ولكن عندما وقعت عيناي عليكَ ، بدأت أملك طيفاً ساحراً يرافقني أينما ذهبت ، أحدِّثه فيسمعني ، وأشتكي له فيواسيني ، أعاتبه فيقبل عتباي ، أحتاجه فيعينني ، وفي الليل يحدِّثني ، يرقد إلى جانبي ، تلفحني رائحته ، يهدهدني بقصصه حتَّى أنام .

حدَّثته طويلاً وطويلاً وطويلاً عن رحلتي المعنَّاة معك ،كل ليلة احتضنته بدموعي، وكفنته بآهاتي، وتركتُ أناملك تتغلغل بسحر في خصلات شعري .

أشعر بوحدة خرافية في هذا المكان ، أكاد أشعر بقدميّ تخوران فلا تكادان تعيناني على الوقوف، أمعائي تضطرب ، والقيء يكاد يصل الى أعلى بلعومي ، بعد كلّ هذه السنوات لازال جسدي يضطرب كلما اقترب موعد لقائك ، كم من الدهور سأنتظر حتَّى يُقبل المساء وأراكَ ؟‍
طيفكَ يحاصرني ، ويجثو قريباً منِّي ، يستفزني بدعوى الذكرى ، ويدفعني نحو الماضي ،نحو الذِّكرى نحو جنَّة الهوى ، وبحركة طفوليَّة يدفعني إلى سِفْر الماضي لأقلِّب صفحاته منذ البداية ، حيث ألقاكَ ...
وفي أول صفحات السِفْر كُتب بماء الذكريات والألم ...




(2)

ثلاثة طوابق من السلالم تهبطها حتى تصل إلى قاعة كبيرة ذات أبواب خشبية تتوسطها نوافذ زجاجية دائرية الشكل، تشعركَ بأنّك ستدخل غواصة محكمة الإغلاق أو غرفة للعمليات. عندما تتجاوز هذه الأبواب تجد نفسكَ في قاعة ضخمة، مقسّمة بشكل يثير الفضول ، في الجهة اليمنى باب ينفتح على مجموعة من المكاتب الإدارية ، ووسط القاعة بـهو فسيح يزخر بآلات صنع الفخّار ومعدات الحفر وطاولات التنفيذ، إلى جانب السبّورة طاولة ومجموعة من المقاعد الفردية ، الجوانب تتشاطرها الخزائن و أحواض صنابير الماء ، أمّا في أقصى الشمال فيقع قسم الأفران الحرارية الذي ينفرج عن درجتين تدلفان مباشرة إلى مستودع و صالة للعرض مبرّدتان بشكل خاص.

هناك قابلتكَ لأوّل مرة ، كنتُ ألبس ثوباً أزرق ، أزرق كزرقة السماء ، اللون الذي أحببته دائماً وقلتَ : إنّه لون من المستحيل أُرسل إلى الأرض خصيصاً كي ألبسه ، قلتَ لي : إنّني في الأزرق أصبح أجمل وأكثر وداعة وأقل حركة ، تلك الحركة وذلك النشاط اللّذان كنتَ تعجب دائماً كيف أنّهما وهبا بكل هذا السخاء لامرأة واحدة في ثوب ازرق !

كنتُ ألبس الأزرق، وأغرقُ في مقعدي الخشبي في الصف الأخير من القاعة ، استعرض الوجوه الجديدة التي توالي الدخول إلى القاعة خارجة من سيل الوافدين الذي تعجّ به الردهات ، فتصنع هرجاً ومرجاً يتداخل مع رائحة أول قطرات المطر تختلط بالتراب ، فيعبق المكان برائحة أمّنا الأرض تقبل بلذّة على الشتاء .

تأخر قدومكَ بضع دقائق ، وكادت كلمات المجاملة التقليدية التي أعرفها تنفد مني خلال حديثي مع فضيله التي كنت حديثة المعرفة بها ، فأنا لم أعرفها إلا منذ أيام قليلة ، عندما قابلتها صدفة في مكتب رئيس شعبة المنح الأكاديميّة.

أزعجني تأخركَ ؛ فأنا على موعد معكَ منذ آلاف السنين ، وهاأنا ذا أنتظركَ هنا،متّشحةً باللون الأزرق الذي تحبُّه، دون أن أتأكّد إنْ كنتُ سأراكَ بعد دقائق أم لا.

لقد شعرتُ بكَ تقترب ، أشعتكَ كانتْ تسبقكَ وتتسلل بسحر إلى المكان ، تردّد على مسمعي أسطورة أبيك (زيوس) العظيم ، كبير آلهة اليونان ، لقد كان متزوجاً من إلهة الزواج (هيرا) ، تلك الجميلة التي وهبت له كلّ حبّها بل وغيرتها. لقد كان قويّاً جبّاراً ، ولكنَّه ركع أمام الحب ، وهجر حب السماء ليعشق آدمية فانية تسمى (لاتونا)، وتزوجها، فوهبته أجمل توأمين : (هيليوس) إله الشمس والرّجولة والأدب و (أرتيمس) آلهة القمر والصيد.

(هيليوس) ذلك الإله الشاب الجميل ذو العيون الزرقاء ، والشعر الأشقر المجعّد ، والجسد الرجولي الرائع الذي يمثل نهراً خالداً للرّجولة ، يركب عربته الشمسية ، ويندي العالم بنوره الخالد.

أنا لا أؤمن بالأساطير ، هكذا كنتُ أظن ، فقط أحبُّ قراءتها ،ولكن عندما دلفتَ إلى القاعة ، شعرت بأنّ الأساطير حقيقةٌ تتجسّد أمامي ، تندي القاعة بجسدك الفضّي الذي يفيض رشاقة وجاذبية، أعضاؤك متناسقة بدقة غريبة ، لدرجة أنّها قد راودتني دائماً فكرة مفادها أنّ مقاييس أعضاء جسدكَ لو اختلفت بمقدار مليمترات لما عرف البشر معنى كلمة رجل يفيض جسده بالرجولة.

عيناكَ تكسوان وجهكَ بل ووجه الرائي لهما ببـريقٍ عجيبٍ يُشعر من أمامكَ أنّه يعرفكَ من آلاف السنين ، بل وأنه قد عبدكَ حد الموت . أما شعركَ فخصلاته تسابق بعضها البعض لرسم لوحة عجيبة لقرص الشمس عند الغروب ، يمتد شعرك في كلّ الاتجاهات ليعانق بفوضوية رجولية تتوافق مع طبيعته المجعدة أطراف رقبتكَ وأذنيكَ ، ويشابه بلونه الفريد لون تلك الشعيرات التي تنبت بسحر في أديم صدركَ المكشوف مابين الزّر الأول والثالث من قميصكَ السماويّ اللون ، لتظهر بروز عظام رقبتكَ وكتفكَ وصدركَ بشكل يحاكي تمثال إغريقيّ قديم .

قالت إحدى الطالبات بصوت خفيض ساخر تسرَّب إلى أذنيّ دونما قصد مني: شعره يشبه شعر أينشتاين . فاستثارت حنقي ، وشتمتها بنفسي قائلة : غبية !!

وسرعان ما أعلنتُ لنفسي أنّني أكرهك ، وسأكرهك إلى الأبد ! لماذا ؟ لا أعرف . فأنا دائماً ثائرة ، قليل ما أعرف سبب ثورتي ، أما معظم الأوقات فأنا ثائرة حدّ الموت، ولكن دون أن أعرف السبب ، هكذا أنا ولدت كي أكون ثائرة .
تجلس بثقة كما أعتاد (زيوس) العظيم أن يجلس على عرشه الذهبي المرصع بالماس والحجارة الكريمة ، يأمر وينهى فيُطاع .

كنتَ تتحدث ببطء عذب ، طبقة صوتكَ العميقة الدافئة تثير في أذن السامع لذة غريبة ، يحصل عليها عبر دفعات من الكلمات المنطوقة بتؤدة ودودة . عيناك لا تهبان نظراتهما الجميلة لوجه بذاته ، تحلِّقان في البعيد نحو بحيرة بنية في عميق عينيكَ ، ولكنّهما تنديان الكلَّ بنظرات دافئة تحثّهم على السماع والانتباه ، أمَّا عندما يأتي دوري لأحصل على هذه الهبة السخيّة ، فأستقبلها بنشوة أجهل سببها.

كم أنهكتني عيناكَ ذاك اليوم, طاردتهما لآلاف السنوات ، والآن أطاردهما في القاعة، لدرجة بتُّ أظنّ أنّ كلّ من في القاعة يسمع صوت لهاث نظراتي ، التي تسرق آلاف الأمنيات والوعود من وجهكَ الطيب ، أمّا خاتمكَ الفضي ذو الحجر اللازوردي الساحر الذي يحاصر إصبعكَ ، ويشتمّ بثمالة أديم يدك السكري يؤكّد لي بحركته المتمايلة في إصبعكَ وعودكَ وأمنياتي .

جِلْستكَ وحديثكَ وخاتمكَ بقيتْ دائماً بالنسبة لي سحراً لا ينفكّ يفتنني في كلّ مرة . كم كرهتكَ في ذلك اليوم ؛ لأنّك حفظت اسم فضيله ولم تحفظ اسمي ، ولكنني قررت قتلك عندما قلت:- إنّني أشبه إحدى طالبات القسم ، كيف أشبهها ؟! أنا مختلفة عنها بالتأكيد ، مختلفة عنها بمهمتي ، فأنا بُعثت إلى الأرض في مهمة واحدة : أن أحبّك .

سرعان ما أنهيتَ حديثكَ ، وأسرعتَ بعيداً بعربتك الذهبية ، وغابت شمسكَ، ونزل المطر . . .

لن تصدقني لو قلت لك : إنّني في ذلك اليوم قررت ترك الأكاديمية ، ومنع نزول لعنتكَ عليَّ ، والعودة إلى بلدي ، ونسيان كلّ الدنيا لأنساكَ أنت بالذات ، بل تمّنيت من كلّ قلبي أن تحترق الدنيا والأسماء والأماكن والشخوص لتحترق أنتَ بالذات . . . أكرهكَ ، لماذا ؟ لا أعرف . وإذا ابتسمتَ لي أو كلمتني فسأقتلكَ . هذا ما قلته لجدتي عنك في أول مكالمة لي معها بعد مقابلتي الأولى لكَ، جدتي التي اغتنمت فرصة انزعاجي لتبكي بحرارة ، وتسبَّ والديَّ اللذين سمحا لي بالسفر بعيداً ركضاً وراء منحة مجنونة و(تكسير صخور) كما كان يحلو لها أن تسمي دراستي وفنّي . وأقفلتْ الهاتف بعد أن غابت في موجة من البكاء اعتدتها فيها ، فهي من أكثر النساء عشقاً للبكاء ، هكذا هو طبعها .

أما الحال في بيت الضيافة فقد كان مختلفاً ، بالذات للفتيات المستجدات أمثالي , وأمثال نورما التي كانت تغرق المكان بضحكاتها اللعوب التي سرعان ما تتعالى لأي همزٍ أو لمزٍ أو إشارةٍ مثيرة من نوع خاص اعتادتها في بيئتها المتحررة نوعاً ما .

لم يفارقني طيفكَ تلك الليلة ،لكن الأمر بدا لي غير مقلق ، فمن الطبيعي أن يراودني طيف شخص أكرهه ، ومضطرة في الوقت ذاته إلى أن أتعامل معه، وأستفيد منه دون أن أثير ضغينته أو كرهه ، بسبب خصوصية دراستي التي تحتاج ذوق وقلب ومزاج المعلم قبل علمه ، هكذا هو النحت وصنع التماثيل ، تقدّها من الصخر ، وتشكلها بالأزاميل ، لكن تبعث فيها الروح من شعلة قلبك ، وهائم فنّك وموهبتك ، جسد من صخر ، وقلب من دم وعشق ، الموت والحياة معاً ، هذه هي فلسفة الحياة (الشيء يحمل نقيضه) وفلسفتي الشخصية التي لطالما ردّدتها أمامك . لكن عندما كنتَ ترددها أمامي، وتستشهد على صدقها بمواقف كثيرة من حياتك ، ومن سلوكي المتطرف حسب رأيكَ ، وتعجب من أنّك لم تدرك هذه الثنائية العجيبة بين الشيء ونقيضه قبل أن ألفت انتباهكَ إليها، كنتُ أشعر بمعنىً آخر لهذه الفلسفة.

جميل أنّ دار الضيافة تحتوي على هذا العدد الكبير من المرايا الطويلة،فلأول مرة أشعر بحاجتي أنا المرأة إلى مرآة ، أقفل الباب علي وإياها ، أتعرّى أمامها ، أحدّق في كل جزء من جسدي ، أتأمّل لون البشرة ، أتحسّس أديمها، أحدّق في عيني ، أتأمّل في لونهما ، أتساءل عن معنى البريق الذي يسكنهما منذ أن رأيتك . أقترب من المرآة ، أبتعد عنها , أتأمّل استدارة وجهي في المرآة ، أتأكّد من أبعاده، أحاول رؤيته من أكثر من زاوية ،أتلمّس أطراف شعري ، أداعبه بيدي ، وبحركة سريعة أسمح لبعض عقاربه أن تتدلّى على جبهتي ، أشتمّه ، وأحفظ رائحته ، وأتساءل ترى ما هي رائحة شعرك؟ أظنّها رائحة النعناع البرّي التي تنقل رائحة الجبل.
أتأمل في وجه نورما وهي نائمة ، تبدو لطيفة وطيبة ، لكنني لن أسامحها أبداً، كيف تجرؤ على أن تقول لي : إنّ وجهكَ مألوف بالنسبة لها ؟ فقد لمحتك أكثر من مرة في مرآب الأكاديمية . أرأتك قبلي ؟ أغمرتها أشعَّتك الذهبية قبلي ؟ كم من النساء نعمن بدفء أشعتك قبلي ؟ الويل لنساء الأرض من عشقي .











(3)

لا أحبّ الكتابة بل لا أتقنها ، ولكن عندما أفكّر بكَ تجتاحني آلاف الكلمات، وأصبح بكلّ بساطة أعشق الكتابة ، أنتَ تحبُّ القراءة ، قراءة كلمات العشق ، وأنا أعشق أن تقرأ كلمات عشقي، أرسلتُ لك آلاف الكلمات على بطاقات تزينها الورود التي أعشقها ، فهل قرأتَ كل كلماتي ؟ كتبتُ لك في يوم :
أيُّ شيء كنت بالأمس وهل بالأمس كنت ؟
كنتُ بالأمس ســراباً ومع الأمس دفنتُ
كلّ يوم عشته قبــــلكَ ما كان حقيقة
أمس عمــري عـــرف الــدنيـا
وأمـس اختــار للــدنيـا طـريقة

لم يكن الأمس بدونكَ إلاّ مجرّد ذكرى ، تلحُّ النساء في دار الضيافة على سؤالي عنها ، فنساء الدار لا تختلف عن نساء الأرض ، أسئلة كثيرة ، ورغبة دائمة في معرفة المزيد والمزيد عن حياتك ، لا أعرف لماذا تجمدت ذكرياتي عن ماضيّ بعد لقياكَ، وأصبحتْ خيطاً بارداً من الذكريات تكللِّه بعض الزهور .

حياتي بسيطة ، ولكن جميلة تتلخص في أسرة طيبة ، وأبوين متحابين بشعرٍ بدأ الشيب يغزوه ، قطعا جزءاً كبيراً من رحلة العمر سوياً في سبيل بناء أسرة متحابة ، تنبت أبناء طيبين وإيجابيين مثلهم تماماً ، لا أقول هذا عن والديّ لأنهما والداي ، ولكن من يعرفهما ، يعرف معنى كلمة طيبين، كيف لا يكون طيباً من يحب الحيوانات ويربيها ؟ كيف لا تكون طيبة من تعشق الورود، وتزرعها في حديقتها وعلى منـزلها؟ ذلك أبي وتلك أمي .

أشعر أحياناً بأنّ حياتي قبلك لم تكن ، وكلّ ماضيَّ قبلك مجرَّد ذكرياتٍ أوحتها لي صورٌ لا تخصُّني ، تشبه تلك الصورة القديمة التي لا أملك غيرها لطفولتي ، صورة غريبة، فبينما الأطفال الذين معي يلهون ويعبثون بالماء ، أجمع أنا الورود ، وأجعل منها طاقة قد أذبلتها الشمس وطول ضمِّي لها، وأنظر نحو البعيد ليس نحو الماء أو الأطفال كعادة الأطفال في مثل هذه الصورة الطفوليّة العفويّة ، كأنّني وُلدتُ لكي أجمع الورد ، وأنتظركَ أنتَ بالذات .

لمدة أربعة أيام لم أركْ ، بل تجنبت أن أراكَ ، لم أذهب إلى الأكاديمية ، وكانت تلك المدة فرصة ذهبية لكي أتعرّف بشكل جيد على تلك المجموعة الطَّريفة التي رتَّب لي القدر فرصة لقائها . ولكنني لم أرغب أبداً في إهدار طاقتي في الهروب منك ، فمنذ اللحظة الأولى عرفتُ أنَّك قدري .

في الطريق إلى المتحف تأمّلت أشجار السِّنديان ، جميلة هي لأنّها صامدة وقديمة ، أتراكَ تحبها مثلي ؟ من المدهش أن أزور متحفاً عريقاً قرأت عنه في دليل المدينة الذي وجدته مصادفة في مقطورتي في طريقي إلى هذه المدينة .

سأمضي هناك الكثير من الوقت ، بل سأزور كلَّ مرافقه ، هذا ما وعدت نفسي به ، كنتَ في قاعة أعمال الطَّلبة ، المخصَّصة لتلك الأعمال التي يحاكي بها طلبة الأكاديمية بعض النماذج العالمية للتماثيل والمنحوتات واللوحات ، أتأمّل ذلك المثال البديع الذي يمثِّل امرأة حسناء بعيون ساحرة وقدٍّ غضّ ، ورداءٍ يونانيٍّ فاخر، عندما سمعت صوتكَ يقول : تشبهكِ أليس كذلك ؟ لم أفاجأ لسماع صوتكَ ؛ فأنا كنت بانتظارك ، فأنت قدري ، لكنني ارتبكت عندما استدرت لأجد قدَّك الممشوق أمامي ، قدري يغرق في الَّلون الكحلي الذي ترتديه ليشيع في عينيكَ بريقاً غريباً ، شعرت بأنَّني أمام تمثال لإله إغريقي قد بعثت فيه الحياة ، كي يسحرني ، قد تكون الآلهات خرافة ،ولكنّني أؤمن بالخرافات إذا تعلَّقت بوجودك .
أجبتك باضطراب : التمثال جميل !
قلتَ لي بثقة : اسمها جالاتيا .
كررت كلامك : آه . . جالاتيا !
قلتَ لي : جالاتيا اسم تمثال أسطوري ، ورد ذكره في أسطورة فنان قبرصي اسمه (بجماليون) صنع تمثالاً معجزة لامرأة يحاكي بها المرأة المثال ، ثم عشق هذا المثال ، فرجا آلهة الجمال أن تبعث به الحياة، ففعلت ، ولكنّه لم يطق أن يرى فنَّه الخالد يصبح بشراً فانياً يهرم ويموت ، فطلب من آلهة الجمال أن تعيد (جالاتيا) إلى حالها الأول ، وبعدما استجابت الإلهة له ، هوى على تمثال (جالاتيا) بالمكنسة التي كانت تكنس البيت بها ، وحطَّم تمثاله البديع خوفاً من أن يصبح جسداً فانياً .

كنت أحفظ هذه الأسطورة عن ظهر قلب ، ولكنَّني وجدت لها وقعاً خاصَّاً وأنت تسردها عليّ، كلماتك تتهادى بدفء وأنت تلفظها بصوتك العميق، وكأنهّ يتسرّب من جدار الزَّمن ، أمَّا عيناك فترى فيهما القصص تتراقص وتتجسَّد وتسلِّمك نفسها .

قلتَ لي وأنت ترقب أثر كلماتك في نفسي : لقد رأيتكَ من قبل في الأكاديمية ، ما اسمك ؟ تأمَّلت عينيك ، لأول مرة في حياتي أتأمَّل عيني رجلٍ وأنا أبحث فيهما عن نفسي. قلتَ في نفسي: بل رأيتني قبل ألف سنة وأحببتك: اسمي ......
قلتَ بنبرة ساحرة : اسم جميل .

أجبتكَ بسرعة وكأنّني قد هيّأتُ هذا الرَّد من ألف سنة : أسماؤنا أسخف ما نحمل ، أسماؤنا ليست لنا، بل هي ملك للقدر . أجبتني بابتسامة جذَّابة : أنا أعشق النساء الذكيات . قلت لك بجرأة لم أعهد مثلها في نفسي ،بل كنت اسميها أحياناً وقاحة : وهنَّ يعشقنك ، أنا واثقة من ذلك !

بدا عليكَ أنَّك ألفت مثل هذه الكلمات من النِّساء ، قلت لي بهدوئك الدَّافئ: أشعر بأنَّني أعرفكِ، هل قابلتكِ في مكان ما قبل لقائنا في الأكاديمية ؟
- لا ، فأنا لست من المدينة ، بل أنا جديدة العهد بها . تفرَّست في وجهي كأنَّك تتلمَّسه ،وقلت : من أي مدينة أنتِ ؟
أجبتك : مِن . . . . . .
قلت لي بعفويَّة من تذكَّر اسم شخص كان قد غاب عن ذهنه : آه من . . . . . ، لقد عملتُ فيها منذ سنوات طويلة .
- حقاً ! متى ؟!
عدتَ لابتسامتك الجذَّابة وقلت لي : منذ سنوات طويلة ، أظنُّك لم تكوني قد وُلدتِ عندها بعد .
- في أي عام كنت تعمل هناك ؟!
- في العام . . . . .
- رائع ، لقد كان عمري عندها عام واحد فقط .

شعرت بأنّ جسدكَ قد أصبح أقرب من جسدي ، في تلك اللَّحظة شممت رائحة جسدكَ تحمله النسمات لي عندما قلت : تذكرت أين رأيتك ، لا بدَّ أنّ أمَّك كانت تتنـزَّه بك ، عندما قطعتْ الشَّارع من أمام سيَّارتي ، فخاطرتُ بالتَّوقف بشكل مفاجئ لأسمح لها بقطع الشَّارع ، لأنّها تحمل أجمل طفلة رأيتها في حياتي ، وفي تلك اللَّحظة بالذَّات التقت عيناي بعينيك اللتين شكرتاني بصمت وتعهدتا لي بلقاء ، وأظنُّ أنّ هذا هو اللِّقاء .

مددتَ يدك لتصافحني ، كأنَّ اللقاء المنتظر قد تمَّ ،وأنت ترحِّب به ، تأمَّلتُ يدكَ التي امتدت كمارد نحو يدي ، شعرت بأنفاسي تضطرب ، ويداي ترتجفان لأول مرة في حياتي ، أردت أن أضمّكَ ، ولكنني اكتفيت بذوبان كفِّي في يدك ، لم أسمع كلماتك التي قلتها بعد ذلك ، فقد كان قرع قلبي أشدُّ من أن أسمع معه أي صوت ، لم أسمع إلا ذاتي تقول لي بفزع :نعم ، هو . . .
كأنَّ قصتك تلك كانت تعويذة قلبي ، لقد تلوتها دون أن تدري وقع كلماتها السِّحريَّة عليّ ، فقد فُتح لكَ قلبي من دون كلِّ البشر ؛ لأنَّك تحفظ ترنيمته السِّحريَّة .

ابتسمتَ لي بنـزق هو من طبعك ، شعرت بأنفاسك تلفحني ، وداهمتني بسؤالك : أتحبين الأساطير ؟! أجبتك بصعوبة : أنا ؟! آه بالتَّأكيد أحبّها . أنا أحبّ الأساطير ؛ لأنها تنبَّأت دائماً بولادتكَ ، وآمنت بوجودكَ ، لا وجود لرجلٍ مثلك في الحقائق ، أنت هارب من أسطورة ، وأنا وُلدت لكي أحبَّك ، بل أرسلتني آلهة اليونان لكي ألعنكَ بحبـي ، طريقتكَ غريبة تتوافق مع رجلٍ كتبتُ له : " إن كانت ولادتك أسطورة، ولقاؤك خرافة، ودخولي إلى معبدك ارتداد ، فلتشهد الدنيا أنَّني مرتدَّة آثمة " .

آه ما أجمل أن أنسج الأحلام المستحيل والممكن ! لأنسجكَ أنتَ بالذَّات ، مستحيل يتحقَّق وسعادة انتظرتها منذ آلاف السنين حيث قابلتك لأول مرة في حياتي. يقولون إنّ القدر هو من ينسج أحلامنا ويرسم خطانا ، ولكن ألا يمكن أن نشاركه في نسيجه الذي كثيراً ما يكون باهتاً مقيتاً ، فننسج بأحلامنا طاقات من الزَّهر والغار تحوك بشراً لقياهم يسعدنا ، بشراً بقسماتٍ خرافيّة تشبه ملامح تطاردنا في نومنا ، وفي الصَّباح نطاردها ، ونبحث عنها ، ونتمنَّى لقياها ، بشراً أجسادهم بقدر أحلامنا ، كلماتهم همساتهم تفكُّ أسرار صمتنا ، وتدعونا للرَّقص معها بين الشُّموس ، فالأرض مساحة قليلة ، بل سعادة قليلة مع رجلٍ تنسجه أحلامي .

هل حيَّيتني وأنتَ تبتعد ؟ لا أذكر ، ولكنَّني أذكر تماماً أنّ عينيك قالتا لي شيئاً قبل أن تذهبا ، وترسلُ عيناي خلفك آلاف الزَّهرات .


السقوط في الشمس
د. سناء شعلان


الإهداء


لأنّ قلبي أهداني إليكَ، لأنّ روحكَ تسكن جسدي، لأنّ طيفكَ يلازمني أبداً، لأنّ كلّ ما صنعتْ يداي يحاكي رسم عينيكَ، أقول لكَ وأستثني كلّ البشر :


إليكَ

(1)

روحي ؟!
أنتَ روحي . . . ماذا تقول ؟!
مجنون ، أتُسرق الأرواح ؟! اتهمني كما تشاء ؟! ماذا ؟ ماذا تقول ؟!
من أين سرقت روحي ؟ لا أعرف ، أتعرف أنت ؟
لا بد إنَّك تعرف، أنفاسك تقول أنّك تعرف، جسمك مضطرب ويتفصَّد عرقاً، لماذا؟ تعال . . . اجلس إلى جانبي ، ودعني أتحسّس ذلك الضلع العجيب الذي خُلقتُ منه.

أنتَ من روح الخالق ، وأنا نسيبة جسدك وبعضٌ من وشائجه ، نعم . . ضمَّني ، تحسَّسني بعطف يشبه عطف الجسد على عضوه ، تحسَّسني بشوقٍ يشبه شوق المسافر المعنَّى للبيت القديم ، تحسَّسني بدهشة تشبه دهشتك عندما خُلقت من ضلعك ، تحسَّسني بألفة تشبه ألفة روحي لروحك، روحي التي تلهث دائماً وراء روحك العابثة.
لماذا تتحسَّسني بهذه الطريقة ؟ أنت تخيفني . . . أرجوك اتركني ، بل أرجوك لا تتركني . . . من أنا؟!!

سأعترف ، لن أصمت بعد الآن .
أنا عشق نساء الأرض كلّه ، أنا شوق نساء الأرض كلّه ، أنا رغبة نساء الأرض كلّها، تحاصر رجلاً واحداً . . نعم أنت .






أتعرف حوّاء ؟
سرقتْ روحها منكَ ، ولكنّك أحببتها أليس كذلك ؟ هي رفيقتكَ في الرّحيل الأكبر، أمضتْ أربعين عاماً تبحث عنك ليلاً ونهاراً ، تفضّ عذرية الغربة بحثاً عنكَ في المنفى الأرضي . . . حتى وجدتكَ .
روحي سكنتْ جسدها ، بل سكنتْ أجساد آلاف النّساء العاشقات ، سكنتْ جسد امرأة أفنت العمر في انتظار الزّوج الغائب ، سكنتْ جسد جارية فرعونية تستقبل الموت راضية إلى جانب سيّدها الحبيب الميت ، سكنتْ جسد أسيرة تعسة تقع في عشق آسرها ، سكنتْ جسد امرأة مصابة بالجذام تعشق طبيبها الجريء ، سكنتْ جسد امرأة عشقتْ صورة رجل لم تقابله ، سكنتْ جسد امرأة تموت مخذولة من حبيب خائن ، سكنتْ جسد عذراء انتظرت فتاها آلاف السنين ولكنه لم يأت ، سكنتْ جسد فتاة تودّع الحياة مختارة لتُزفّ إلى الموت الذي التهم من تحب ، سكنتْ جسد امرأة وفية لرماد في جرَّة كان في يومٍ عشقاً آدمياً يذيبها سعادة وشهوة ، سكنتْ جسد كاهنة أوغاريتية تعشق بجنون، وتزرع الدنيا ياسميناً يعشقه فتاها ، سكنتْ جسد فتاة صغيرة تعشق إله إغريقي يعشق عشقها له ، سكنتْ جسد بدوية تائهة عطشى ترسم وجهك سراباً في صحرائها الجافة ، سكنتْ جسد فلاّحة نذرت شبابها وقوداً في محرقة أعباء الحياة تتقاسمها مع شريك عمرها ومليك قلبها ، سكنتْ جسد وثنية عاشقة تقِّدم حياتها قرباناً لشفاء الحبيب ، سكنتْ جسد عاشقة مجهولة سرقت قبلة من خدِّ حبيبها النائم، وولَّتْ هاربةً بغنيمتها الثمينة ، سكنتْ جسد امرأة خضّبت يديها بالحناء انتظاراً للحبيب الذي عاد جثةً من المعركة . . .

روحي سكنتْ وسكنتْ ثم سكنتْ جسدي الذي عشقك أبداً ، بعدما أسكنته لآلاف السنين في جسد آلهة عذراء ، تطوف الدّنيا تزور الّسماء ، تقبِّل النجوم، تخرج كلّ ليلة باحثةً عنك ، فتجدكَ ممتطياً عربتك الذهبية ، تحمل الشمس ، وتهدي النّور للبشر ، وتنديهم من ينبوع رجولتك وبهاء طلّتك ، فتقبِّلُك ، تهديك دفلى مشاعرها ، وتركض نحو البعيد . . . بانتظار ليل الغد .

روحي طافت السماء والأرض لتلقاك ، لتلتحم بكَ وتذوب فيكَ ، روحي تحلِّق مسحورة حول مومياء مصرية ، محفور على نعشها بماء اللّعنة :
إنني أستنشق الهواء العذب الخارج من فمك
وأتأمَّل كلّ يوم في جمالك
وأمنيتي هي أن أسمع صوتك الحبيب
الذي يشبه حفيف ريح الشمال
إنّ الحب سيعيد الشباب إلى أطرافي
أعطني يدكَ التي تمسك بروحي
وسوف أحتضنها وأعيش بها
نادني باسمي مرة أخرى وإلى الأبد
لن يصدر نداؤك أبداً بلا إجابة عنه
أما الليلة فروحي تعرج كسيرةً ، لتتّخذ جسدي المتهدِّم العتيق موئلاً لها .
الجو يغطُّ في آخر مداعبات الخريف ، السماء تتهيأ باستحياء لولادة شآبيبها المنتظرة ، هاهو القطار يتوقّف عن إصدار صفيره المحموم ، يتوقف في مكانه المرسوم له بالقضبان الحديدية . من الشبّاك الذي يجاور الشاب الحليق الذي يجلس إلى جانبي أتابع حركات الركاب المتجهين جميعاً نحو البوابات ، البعض يشقّ طريقه سريعاً بين الجموع ، البعض يتوقف , يحرك رأسه يميناً وشمالاً بحثاً عن صديق أو قريب في انتظاره ، وآخرون يتجهون سريعاً نحو أقرب حافلة أو سيارة أجرة ، يستقلونها مبتعدين عن المكان .

أصبح القطار شبه فارغ, أسرع إلى التقاط حقيبتي النّسائية القديمة , وارتداء معطفي الشتوي البنّي اللون , ذلك اللقاء الحميم أوّل ما خطف نظراتي عند أوّل خطوة أخطوها خارج القطار, لقاء بين شاب أسمر وفتاة شابة في المحطّة , أتساءل بفضول من تراه يكون ؟! أتابع للحظاتٍ حركات أطرافهما واضطراب ابتساماتهما وفرحة نظراتهما المسكونة بكلام , أظنُّهما يستطيعان فكّ رموزه .

أصمتُ ، أخطو خطوة ثانية وسادسة وتاسعة ، أصبحت في ساحة المحطة، البوابات واحدة اثنتان ثلاث . . . سبع ، تماماً كما تركتها منذ ثمانية عشر عاماً ، أما الوجوه فلا أعرفها .

أشعر برغبة خفية تدعوني إلى تفقُّد محتويات المحطة : الأرضيات والمحلات والمقاعد والأشجار وعمال المحطة وسيارات الأجرة والمسافرون والقادمون كلّهم غرباء، كلّهم يجهلونني ، وأجهلهم ، تستحضر ذاكرتي صوت العمّ أبي علي ، قاطع التّذاكر ، يدلّلني بصوته المعهود قائلاً بدفءٍ فطري ساذج : يا صلاة الزّين على الحلوين ، أين عيون الرّجال عنك ؟ ألم تتزوجي بعد ؟!! فأجيبه إجابتي التي كان يردّدها بعدي مقلداً صوتي بسخريةٍ : لا أفكر بالزواج أبداً.

أين هو العمّ أبو علي ؟ لعلّه رحل الآن إلى دنيا أخرى ، كان رجلاً مسناً عندما عرفته ، تميزه قامته القصيرة ، وبشرته التي تكاد تكون سوداء لكثرة ما لوّحتها الشمس، فلقمة العيش كثيراً ما تحرق وجوه أصحابها لا سيما إذا كانوا فقراء من أمثال أبي علي .

طيب هو، أهمل كلّ متع الدّنيا ، بل أهملته كلّ متع الدّنيا ، إلاّ متعة الحديث مع المسافرات ، والاقتراب منهن حدّ الالتصاق في القطار ، وافتعال الحكايا والقصص للتودّد لهنّ ، فهو مستعدّ دائماً ليهيء مكاناً جيداً لك في القطار لا سيما بالقرب من الشّباك في المقاعد الخلفية ، بل ومستعد لحمل حقائبك مقابل بعض الحديث المتقطِّع معك ، وهو يلتهم بنظراته المحمومة جسدكِ وابتساماتك ، بشرط أن تكون المسافرة صاحبة جسد ممشوق ، يضطرب بشباب تحت ملابس تصفه بجرأة بل ، ولا تمانع أحياناً من أن تبرزه ، وتكشف عن أديمه في بعض المواقع لا سيما الصدر والرقبة والأكتاف ، أما إذا كانت المسافرة كبيرة أو سمينة فلا نصيب لها عنده أبداً ، فسرعان ما يتجهّم، ويعطيها تذكرتها بخشونة وبحركة آلية بغيضة ، ويسارع ليرقب وجوه الحسان المبتسمة له أو منه ترقبه من نافذة القطار مبتعدة ، ويعود إلى مكتب المحطة لينتظر القطار القادم ، فحياته لم تكن سوى المحطة ونساء المحطة . بقيتْ المحطة ، وهاهي النساء تملؤها ، أمّا العم ّ أبو علي فأظن أنه قد رحل .

تنبعث رائحة القهوة في المكان من إحدى المقاصف في المحطّة ، هذا المقصف لم يكن في الماضي ، بل كلّ المحلات هنا باتت مختلفة ، الواجهات ، التصاميم الألوان ، السلع ، الوجوه ، لا سيما الوجوه.
أما بائع الزهور فلا مكان له هنا ، أصبح محلّه يبيع المثلجات التي تبدو شهية ، ترى متى أُغلق محله ؟ لعل زهوره حزنت لفراقي ، فأنا كنت عاشقة لها ، محلَّه كان قبلتي الأولى عند وصولي إلى هذه المدينة، كنت أختار زهوري بنفسي ، بل وأنسقها بيدي وأدلف إلى المدينة وأنا أضمّ باقة حمراء إلى صدري ، دائماً حمراء ، هكذا هم العاشقون دائماً يحملون الورود لمن يحبون . أما الآن فلا محلّ للورود ، لا محل للأشواق ، أين ذهب العاشقون ؟ أنا كنتُ شعباً من العشاق ، هذا المحل يقتات من عشقي ، أطيل التحديق في واجهته الزجاجيّة ، يدعوني صاحبه للدخول ، لكنني أتجاهل دعوته، وأسير بتؤدة حطّمها الانتظار ، وأثقلتها السنون والذكريات .

أجلس في أحد المقاعد الخشبية ، تظللّني السنديانة القديمة ، لقد أصبحت كبيرة وضخمة ، ولكنّها لا تزال شابة ، أشعر بأنّ غصونها الوارفة ترحِّب بي بشكل خاص، وتشفق على وحدتي ، لقد عرفتني في حين أنكرتني المحطة ، فالسّنديانة لا تنسى أبداً من يحفرون بدموعهم على جذعها .

الكلّ يسير مسرعاً ، ففي مثل هذا الصباح الباكر تستقبل المحطة الكثير من المسرعين وأصحاب الحاجات والوظائف والأعمال ، إلا أنا فأجلس بهدوء أرقب الوجوه ، أتحسسها بحنوّ غريب ، بحنوّ الأم التي تفتقد صغارها ، كما أفتقد أحلام بالذات دون إخوتها ، أفتقدها بقدر ما أخشى والدها ، لأول مرّة أخشاه ، لطالما سببت له الحزن، لقد أرادني حبيبة، فلم أعطه غير زوجة بليدة وحفنة من الأبناء، وحياة هادئة ورتيبة إلى درجة الغثيان ، أخشاه لأنني أهنته عندما حزمتُ حقائبي دونما أيّ سبب ، وتركتُ أبنائي بل تركتُ حبيبتي أحلام باكية وحيدة ، تحدِّق في وجه أبيها المخذول ، وامتطيت أشواقي وقطعت نصف الأرض لأعود إلى هنا ، لقد وصلتُ قبل ساعات قصيرة إلى البلد ، وهرعتُ كالمجنونة إلى القطار .

وها أنا ذا لا تفصلني عنك إلاّ دقائق قليلة . لن يسامحني ، أنا أعرف أنه لن يفعل ، له الحق ، لقد منعني من الحضور ، خيَّرني بين رؤيتك وبين أبنائي وعمري وسمعتي ، خمِّن من اخترت ؟ اخترت رؤيتك، لا شيء يمنعني عنكَ، القدر لا تصدِّق به، أنا أمقته ،حبُّك هو قدري .

دائماً أعلمتكَ إنني مستعدة لكي أحرق الدنيا بخوراً في معبدك ، كنت تضحك ولا تصدق ، هاأنا ذا أحرق دنياي تعويذة سحرية كي أراك .

ستوبخني على هذه الحرائق ، ستقف مقهوراً وأنت تنظر إلى دنياي وقد احترقتْ ، ستقول لي بنبرتك الحالمة :- لِمَ فعلتِ هذا ؟لِمَ هدمتِ بيتك ، وأضعتِ أبناءك من أجل رؤيتي ؟ لقد خسرتِ زوجك للأبد ، ولأجل من ؟ لأجل رجل لم يستحقك أبداً ، اللّعنة لا تزالين مجنونة بشكل استثنائي .
عندها سأقول لك غير مبالية بالدنيا ونيرانها بل غير مبالية بدموع أحلام وانكسارات زوجي وهمسات الأقارب وسخرية المعارف : لقد عدتُ .

لطالما كنتَ فضولياً وقلقاً بشأن وحدتي ، فأرحتك وتزوجت كي تشعر بالراحة ، ولا تتململ في فراشك قلقاً من وحدتي وغربتي في فراشي ، في البداية حدثتك في رسائلي طويلاً وطويلاً عن زوجي، ثم عن طفلتي الأولى أحلام ثم انقطعتْ المكالمات ، يبدو أنّ شعورك بالذنب نحوي مجرد جرح ليس إلاّ, وقد برأ بزواجي من غيرك . لم تتصل بي لأخبرك أنّ أحلام قد كبرت، وقد أصبحت فتاة جميلة ، حسناً فعلت بعدم اتصالك، فأنا لم أعد قادرة على زفِّ أي أخبار لك عن أسرتي وزوجي وأطفالي .

أتململ في مقعدي الخشبي ، أتخيَّل عيون الشَّباب والمتطفِّلين تلتهمني، وأحاول أن أتهرب منها ، فلطالما طاردتني نظراتهم وتعليقاتهم في الماضي ، هكذا تعوَّدت أن أجلس على هذا المقعد متحمِّلةً تعليقات المسافرين التي تغلظ أحياناً ، وترقِّ أحياناً أخرى في انتظار القطار .

أجيل نظراتي سريعاً في المكان ، أجد الكثير من المسافرين القادمين والباعة ، لكن لا أجد أي نظرة إعجاب أو رغبة ، بل لا تغازلني أيّ كلمة شابّة ، ابتسم ساخرةً من تخيُّلاتي ، فالمحطّة أثارتْ بي ذكريات الماضي ، وجعلتني أخال نفسي المسافرة الشابة ذاتها التي كانت تجلس في هذا المكان منذ سنوات طويلة ، فتنشر بشرتها الوردية وعيناها الصافيتان العطر والجراح في المكان كما كتبت لي في دفتر مذكراتي في يوم من الأيام .

لا زلتُ أحفظ كلماتكَ عن ظهر قلب كأنّكَ همستَ بها في أذني قبل دقائق ، لا زلتُ أحفظ رائحة جسدكَ المتعطش دائماً للمزيد كأنّي ما أزال في حضنكَ ، أما طيفكَ فلا يغيب عني أبداً ، رافقني لسنوات طويلةٍ ، ثم أصبح طيفكَ هو ذلك الأثير الذي نحدّثه دائماً ، ونسرّ إليه بنجوانا ، ونسميه أنفسنا ، لقد كنتَ بعض نفسي ، بل كنتَ كلِّي .

قبلكَ لم أحدِّث نفسي أبداً ، بل لا أذكر ملامح ذاتي ، ولكن عندما وقعت عيناي عليكَ ، بدأت أملك طيفاً ساحراً يرافقني أينما ذهبت ، أحدِّثه فيسمعني ، وأشتكي له فيواسيني ، أعاتبه فيقبل عتباي ، أحتاجه فيعينني ، وفي الليل يحدِّثني ، يرقد إلى جانبي ، تلفحني رائحته ، يهدهدني بقصصه حتَّى أنام .

حدَّثته طويلاً وطويلاً وطويلاً عن رحلتي المعنَّاة معك ،كل ليلة احتضنته بدموعي، وكفنته بآهاتي، وتركتُ أناملك تتغلغل بسحر في خصلات شعري .

أشعر بوحدة خرافية في هذا المكان ، أكاد أشعر بقدميّ تخوران فلا تكادان تعيناني على الوقوف، أمعائي تضطرب ، والقيء يكاد يصل الى أعلى بلعومي ، بعد كلّ هذه السنوات لازال جسدي يضطرب كلما اقترب موعد لقائك ، كم من الدهور سأنتظر حتَّى يُقبل المساء وأراكَ ؟‍
طيفكَ يحاصرني ، ويجثو قريباً منِّي ، يستفزني بدعوى الذكرى ، ويدفعني نحو الماضي ،نحو الذِّكرى نحو جنَّة الهوى ، وبحركة طفوليَّة يدفعني إلى سِفْر الماضي لأقلِّب صفحاته منذ البداية ، حيث ألقاكَ ...
وفي أول صفحات السِفْر كُتب بماء الذكريات والألم ...




(2)

ثلاثة طوابق من السلالم تهبطها حتى تصل إلى قاعة كبيرة ذات أبواب خشبية تتوسطها نوافذ زجاجية دائرية الشكل، تشعركَ بأنّك ستدخل غواصة محكمة الإغلاق أو غرفة للعمليات. عندما تتجاوز هذه الأبواب تجد نفسكَ في قاعة ضخمة، مقسّمة بشكل يثير الفضول ، في الجهة اليمنى باب ينفتح على مجموعة من المكاتب الإدارية ، ووسط القاعة بـهو فسيح يزخر بآلات صنع الفخّار ومعدات الحفر وطاولات التنفيذ، إلى جانب السبّورة طاولة ومجموعة من المقاعد الفردية ، الجوانب تتشاطرها الخزائن و أحواض صنابير الماء ، أمّا في أقصى الشمال فيقع قسم الأفران الحرارية الذي ينفرج عن درجتين تدلفان مباشرة إلى مستودع و صالة للعرض مبرّدتان بشكل خاص.

هناك قابلتكَ لأوّل مرة ، كنتُ ألبس ثوباً أزرق ، أزرق كزرقة السماء ، اللون الذي أحببته دائماً وقلتَ : إنّه لون من المستحيل أُرسل إلى الأرض خصيصاً كي ألبسه ، قلتَ لي : إنّني في الأزرق أصبح أجمل وأكثر وداعة وأقل حركة ، تلك الحركة وذلك النشاط اللّذان كنتَ تعجب دائماً كيف أنّهما وهبا بكل هذا السخاء لامرأة واحدة في ثوب ازرق !

كنتُ ألبس الأزرق، وأغرقُ في مقعدي الخشبي في الصف الأخير من القاعة ، استعرض الوجوه الجديدة التي توالي الدخول إلى القاعة خارجة من سيل الوافدين الذي تعجّ به الردهات ، فتصنع هرجاً ومرجاً يتداخل مع رائحة أول قطرات المطر تختلط بالتراب ، فيعبق المكان برائحة أمّنا الأرض تقبل بلذّة على الشتاء .

تأخر قدومكَ بضع دقائق ، وكادت كلمات المجاملة التقليدية التي أعرفها تنفد مني خلال حديثي مع فضيله التي كنت حديثة المعرفة بها ، فأنا لم أعرفها إلا منذ أيام قليلة ، عندما قابلتها صدفة في مكتب رئيس شعبة المنح الأكاديميّة.

أزعجني تأخركَ ؛ فأنا على موعد معكَ منذ آلاف السنين ، وهاأنا ذا أنتظركَ هنا،متّشحةً باللون الأزرق الذي تحبُّه، دون أن أتأكّد إنْ كنتُ سأراكَ بعد دقائق أم لا.

لقد شعرتُ بكَ تقترب ، أشعتكَ كانتْ تسبقكَ وتتسلل بسحر إلى المكان ، تردّد على مسمعي أسطورة أبيك (زيوس) العظيم ، كبير آلهة اليونان ، لقد كان متزوجاً من إلهة الزواج (هيرا) ، تلك الجميلة التي وهبت له كلّ حبّها بل وغيرتها. لقد كان قويّاً جبّاراً ، ولكنَّه ركع أمام الحب ، وهجر حب السماء ليعشق آدمية فانية تسمى (لاتونا)، وتزوجها، فوهبته أجمل توأمين : (هيليوس) إله الشمس والرّجولة والأدب و (أرتيمس) آلهة القمر والصيد.

(هيليوس) ذلك الإله الشاب الجميل ذو العيون الزرقاء ، والشعر الأشقر المجعّد ، والجسد الرجولي الرائع الذي يمثل نهراً خالداً للرّجولة ، يركب عربته الشمسية ، ويندي العالم بنوره الخالد.

أنا لا أؤمن بالأساطير ، هكذا كنتُ أظن ، فقط أحبُّ قراءتها ،ولكن عندما دلفتَ إلى القاعة ، شعرت بأنّ الأساطير حقيقةٌ تتجسّد أمامي ، تندي القاعة بجسدك الفضّي الذي يفيض رشاقة وجاذبية، أعضاؤك متناسقة بدقة غريبة ، لدرجة أنّها قد راودتني دائماً فكرة مفادها أنّ مقاييس أعضاء جسدكَ لو اختلفت بمقدار مليمترات لما عرف البشر معنى كلمة رجل يفيض جسده بالرجولة.

عيناكَ تكسوان وجهكَ بل ووجه الرائي لهما ببـريقٍ عجيبٍ يُشعر من أمامكَ أنّه يعرفكَ من آلاف السنين ، بل وأنه قد عبدكَ حد الموت . أما شعركَ فخصلاته تسابق بعضها البعض لرسم لوحة عجيبة لقرص الشمس عند الغروب ، يمتد شعرك في كلّ الاتجاهات ليعانق بفوضوية رجولية تتوافق مع طبيعته المجعدة أطراف رقبتكَ وأذنيكَ ، ويشابه بلونه الفريد لون تلك الشعيرات التي تنبت بسحر في أديم صدركَ المكشوف مابين الزّر الأول والثالث من قميصكَ السماويّ اللون ، لتظهر بروز عظام رقبتكَ وكتفكَ وصدركَ بشكل يحاكي تمثال إغريقيّ قديم .

قالت إحدى الطالبات بصوت خفيض ساخر تسرَّب إلى أذنيّ دونما قصد مني: شعره يشبه شعر أينشتاين . فاستثارت حنقي ، وشتمتها بنفسي قائلة : غبية !!

وسرعان ما أعلنتُ لنفسي أنّني أكرهك ، وسأكرهك إلى الأبد ! لماذا ؟ لا أعرف . فأنا دائماً ثائرة ، قليل ما أعرف سبب ثورتي ، أما معظم الأوقات فأنا ثائرة حدّ الموت، ولكن دون أن أعرف السبب ، هكذا أنا ولدت كي أكون ثائرة .
تجلس بثقة كما أعتاد (زيوس) العظيم أن يجلس على عرشه الذهبي المرصع بالماس والحجارة الكريمة ، يأمر وينهى فيُطاع .

كنتَ تتحدث ببطء عذب ، طبقة صوتكَ العميقة الدافئة تثير في أذن السامع لذة غريبة ، يحصل عليها عبر دفعات من الكلمات المنطوقة بتؤدة ودودة . عيناك لا تهبان نظراتهما الجميلة لوجه بذاته ، تحلِّقان في البعيد نحو بحيرة بنية في عميق عينيكَ ، ولكنّهما تنديان الكلَّ بنظرات دافئة تحثّهم على السماع والانتباه ، أمَّا عندما يأتي دوري لأحصل على هذه الهبة السخيّة ، فأستقبلها بنشوة أجهل سببها.

كم أنهكتني عيناكَ ذاك اليوم, طاردتهما لآلاف السنوات ، والآن أطاردهما في القاعة، لدرجة بتُّ أظنّ أنّ كلّ من في القاعة يسمع صوت لهاث نظراتي ، التي تسرق آلاف الأمنيات والوعود من وجهكَ الطيب ، أمّا خاتمكَ الفضي ذو الحجر اللازوردي الساحر الذي يحاصر إصبعكَ ، ويشتمّ بثمالة أديم يدك السكري يؤكّد لي بحركته المتمايلة في إصبعكَ وعودكَ وأمنياتي .

جِلْستكَ وحديثكَ وخاتمكَ بقيتْ دائماً بالنسبة لي سحراً لا ينفكّ يفتنني في كلّ مرة . كم كرهتكَ في ذلك اليوم ؛ لأنّك حفظت اسم فضيله ولم تحفظ اسمي ، ولكنني قررت قتلك عندما قلت:- إنّني أشبه إحدى طالبات القسم ، كيف أشبهها ؟! أنا مختلفة عنها بالتأكيد ، مختلفة عنها بمهمتي ، فأنا بُعثت إلى الأرض في مهمة واحدة : أن أحبّك .

سرعان ما أنهيتَ حديثكَ ، وأسرعتَ بعيداً بعربتك الذهبية ، وغابت شمسكَ، ونزل المطر . . .

لن تصدقني لو قلت لك : إنّني في ذلك اليوم قررت ترك الأكاديمية ، ومنع نزول لعنتكَ عليَّ ، والعودة إلى بلدي ، ونسيان كلّ الدنيا لأنساكَ أنت بالذات ، بل تمّنيت من كلّ قلبي أن تحترق الدنيا والأسماء والأماكن والشخوص لتحترق أنتَ بالذات . . . أكرهكَ ، لماذا ؟ لا أعرف . وإذا ابتسمتَ لي أو كلمتني فسأقتلكَ . هذا ما قلته لجدتي عنك في أول مكالمة لي معها بعد مقابلتي الأولى لكَ، جدتي التي اغتنمت فرصة انزعاجي لتبكي بحرارة ، وتسبَّ والديَّ اللذين سمحا لي بالسفر بعيداً ركضاً وراء منحة مجنونة و(تكسير صخور) كما كان يحلو لها أن تسمي دراستي وفنّي . وأقفلتْ الهاتف بعد أن غابت في موجة من البكاء اعتدتها فيها ، فهي من أكثر النساء عشقاً للبكاء ، هكذا هو طبعها .

أما الحال في بيت الضيافة فقد كان مختلفاً ، بالذات للفتيات المستجدات أمثالي , وأمثال نورما التي كانت تغرق المكان بضحكاتها اللعوب التي سرعان ما تتعالى لأي همزٍ أو لمزٍ أو إشارةٍ مثيرة من نوع خاص اعتادتها في بيئتها المتحررة نوعاً ما .

لم يفارقني طيفكَ تلك الليلة ،لكن الأمر بدا لي غير مقلق ، فمن الطبيعي أن يراودني طيف شخص أكرهه ، ومضطرة في الوقت ذاته إلى أن أتعامل معه، وأستفيد منه دون أن أثير ضغينته أو كرهه ، بسبب خصوصية دراستي التي تحتاج ذوق وقلب ومزاج المعلم قبل علمه ، هكذا هو النحت وصنع التماثيل ، تقدّها من الصخر ، وتشكلها بالأزاميل ، لكن تبعث فيها الروح من شعلة قلبك ، وهائم فنّك وموهبتك ، جسد من صخر ، وقلب من دم وعشق ، الموت والحياة معاً ، هذه هي فلسفة الحياة (الشيء يحمل نقيضه) وفلسفتي الشخصية التي لطالما ردّدتها أمامك . لكن عندما كنتَ ترددها أمامي، وتستشهد على صدقها بمواقف كثيرة من حياتك ، ومن سلوكي المتطرف حسب رأيكَ ، وتعجب من أنّك لم تدرك هذه الثنائية العجيبة بين الشيء ونقيضه قبل أن ألفت انتباهكَ إليها، كنتُ أشعر بمعنىً آخر لهذه الفلسفة.

جميل أنّ دار الضيافة تحتوي على هذا العدد الكبير من المرايا الطويلة،فلأول مرة أشعر بحاجتي أنا المرأة إلى مرآة ، أقفل الباب علي وإياها ، أتعرّى أمامها ، أحدّق في كل جزء من جسدي ، أتأمّل لون البشرة ، أتحسّس أديمها، أحدّق في عيني ، أتأمّل في لونهما ، أتساءل عن معنى البريق الذي يسكنهما منذ أن رأيتك . أقترب من المرآة ، أبتعد عنها , أتأمّل استدارة وجهي في المرآة ، أتأكّد من أبعاده، أحاول رؤيته من أكثر من زاوية ،أتلمّس أطراف شعري ، أداعبه بيدي ، وبحركة سريعة أسمح لبعض عقاربه أن تتدلّى على جبهتي ، أشتمّه ، وأحفظ رائحته ، وأتساءل ترى ما هي رائحة شعرك؟ أظنّها رائحة النعناع البرّي التي تنقل رائحة الجبل.
أتأمل في وجه نورما وهي نائمة ، تبدو لطيفة وطيبة ، لكنني لن أسامحها أبداً، كيف تجرؤ على أن تقول لي : إنّ وجهكَ مألوف بالنسبة لها ؟ فقد لمحتك أكثر من مرة في مرآب الأكاديمية . أرأتك قبلي ؟ أغمرتها أشعَّتك الذهبية قبلي ؟ كم من النساء نعمن بدفء أشعتك قبلي ؟ الويل لنساء الأرض من عشقي .











(3)

لا أحبّ الكتابة بل لا أتقنها ، ولكن عندما أفكّر بكَ تجتاحني آلاف الكلمات، وأصبح بكلّ بساطة أعشق الكتابة ، أنتَ تحبُّ القراءة ، قراءة كلمات العشق ، وأنا أعشق أن تقرأ كلمات عشقي، أرسلتُ لك آلاف الكلمات على بطاقات تزينها الورود التي أعشقها ، فهل قرأتَ كل كلماتي ؟ كتبتُ لك في يوم :
أيُّ شيء كنت بالأمس وهل بالأمس كنت ؟
كنتُ بالأمس ســراباً ومع الأمس دفنتُ
كلّ يوم عشته قبــــلكَ ما كان حقيقة
أمس عمــري عـــرف الــدنيـا
وأمـس اختــار للــدنيـا طـريقة

لم يكن الأمس بدونكَ إلاّ مجرّد ذكرى ، تلحُّ النساء في دار الضيافة على سؤالي عنها ، فنساء الدار لا تختلف عن نساء الأرض ، أسئلة كثيرة ، ورغبة دائمة في معرفة المزيد والمزيد عن حياتك ، لا أعرف لماذا تجمدت ذكرياتي عن ماضيّ بعد لقياكَ، وأصبحتْ خيطاً بارداً من الذكريات تكللِّه بعض الزهور .

حياتي بسيطة ، ولكن جميلة تتلخص في أسرة طيبة ، وأبوين متحابين بشعرٍ بدأ الشيب يغزوه ، قطعا جزءاً كبيراً من رحلة العمر سوياً في سبيل بناء أسرة متحابة ، تنبت أبناء طيبين وإيجابيين مثلهم تماماً ، لا أقول هذا عن والديّ لأنهما والداي ، ولكن من يعرفهما ، يعرف معنى كلمة طيبين، كيف لا يكون طيباً من يحب الحيوانات ويربيها ؟ كيف لا تكون طيبة من تعشق الورود، وتزرعها في حديقتها وعلى منـزلها؟ ذلك أبي وتلك أمي .

أشعر أحياناً بأنّ حياتي قبلك لم تكن ، وكلّ ماضيَّ قبلك مجرَّد ذكرياتٍ أوحتها لي صورٌ لا تخصُّني ، تشبه تلك الصورة القديمة التي لا أملك غيرها لطفولتي ، صورة غريبة، فبينما الأطفال الذين معي يلهون ويعبثون بالماء ، أجمع أنا الورود ، وأجعل منها طاقة قد أذبلتها الشمس وطول ضمِّي لها، وأنظر نحو البعيد ليس نحو الماء أو الأطفال كعادة الأطفال في مثل هذه الصورة الطفوليّة العفويّة ، كأنّني وُلدتُ لكي أجمع الورد ، وأنتظركَ أنتَ بالذات .

لمدة أربعة أيام لم أركْ ، بل تجنبت أن أراكَ ، لم أذهب إلى الأكاديمية ، وكانت تلك المدة فرصة ذهبية لكي أتعرّف بشكل جيد على تلك المجموعة الطَّريفة التي رتَّب لي القدر فرصة لقائها . ولكنني لم أرغب أبداً في إهدار طاقتي في الهروب منك ، فمنذ اللحظة الأولى عرفتُ أنَّك قدري .

في الطريق إلى المتحف تأمّلت أشجار السِّنديان ، جميلة هي لأنّها صامدة وقديمة ، أتراكَ تحبها مثلي ؟ من المدهش أن أزور متحفاً عريقاً قرأت عنه في دليل المدينة الذي وجدته مصادفة في مقطورتي في طريقي إلى هذه المدينة .

سأمضي هناك الكثير من الوقت ، بل سأزور كلَّ مرافقه ، هذا ما وعدت نفسي به ، كنتَ في قاعة أعمال الطَّلبة ، المخصَّصة لتلك الأعمال التي يحاكي بها طلبة الأكاديمية بعض النماذج العالمية للتماثيل والمنحوتات واللوحات ، أتأمّل ذلك المثال البديع الذي يمثِّل امرأة حسناء بعيون ساحرة وقدٍّ غضّ ، ورداءٍ يونانيٍّ فاخر، عندما سمعت صوتكَ يقول : تشبهكِ أليس كذلك ؟ لم أفاجأ لسماع صوتكَ ؛ فأنا كنت بانتظارك ، فأنت قدري ، لكنني ارتبكت عندما استدرت لأجد قدَّك الممشوق أمامي ، قدري يغرق في الَّلون الكحلي الذي ترتديه ليشيع في عينيكَ بريقاً غريباً ، شعرت بأنَّني أمام تمثال لإله إغريقي قد بعثت فيه الحياة ، كي يسحرني ، قد تكون الآلهات خرافة ،ولكنّني أؤمن بالخرافات إذا تعلَّقت بوجودك .
أجبتك باضطراب : التمثال جميل !
قلتَ لي بثقة : اسمها جالاتيا .
كررت كلامك : آه . . جالاتيا !
قلتَ لي : جالاتيا اسم تمثال أسطوري ، ورد ذكره في أسطورة فنان قبرصي اسمه (بجماليون) صنع تمثالاً معجزة لامرأة يحاكي بها المرأة المثال ، ثم عشق هذا المثال ، فرجا آلهة الجمال أن تبعث به الحياة، ففعلت ، ولكنّه لم يطق أن يرى فنَّه الخالد يصبح بشراً فانياً يهرم ويموت ، فطلب من آلهة الجمال أن تعيد (جالاتيا) إلى حالها الأول ، وبعدما استجابت الإلهة له ، هوى على تمثال (جالاتيا) بالمكنسة التي كانت تكنس البيت بها ، وحطَّم تمثاله البديع خوفاً من أن يصبح جسداً فانياً .

كنت أحفظ هذه الأسطورة عن ظهر قلب ، ولكنَّني وجدت لها وقعاً خاصَّاً وأنت تسردها عليّ، كلماتك تتهادى بدفء وأنت تلفظها بصوتك العميق، وكأنهّ يتسرّب من جدار الزَّمن ، أمَّا عيناك فترى فيهما القصص تتراقص وتتجسَّد وتسلِّمك نفسها .

قلتَ لي وأنت ترقب أثر كلماتك في نفسي : لقد رأيتكَ من قبل في الأكاديمية ، ما اسمك ؟ تأمَّلت عينيك ، لأول مرة في حياتي أتأمَّل عيني رجلٍ وأنا أبحث فيهما عن نفسي. قلتَ في نفسي: بل رأيتني قبل ألف سنة وأحببتك: اسمي ......
قلتَ بنبرة ساحرة : اسم جميل .

أجبتكَ بسرعة وكأنّني قد هيّأتُ هذا الرَّد من ألف سنة : أسماؤنا أسخف ما نحمل ، أسماؤنا ليست لنا، بل هي ملك للقدر . أجبتني بابتسامة جذَّابة : أنا أعشق النساء الذكيات . قلت لك بجرأة لم أعهد مثلها في نفسي ،بل كنت اسميها أحياناً وقاحة : وهنَّ يعشقنك ، أنا واثقة من ذلك !

بدا عليكَ أنَّك ألفت مثل هذه الكلمات من النِّساء ، قلت لي بهدوئك الدَّافئ: أشعر بأنَّني أعرفكِ، هل قابلتكِ في مكان ما قبل لقائنا في الأكاديمية ؟
- لا ، فأنا لست من المدينة ، بل أنا جديدة العهد بها . تفرَّست في وجهي كأنَّك تتلمَّسه ،وقلت : من أي مدينة أنتِ ؟
أجبتك : مِن . . . . . .
قلت لي بعفويَّة من تذكَّر اسم شخص كان قد غاب عن ذهنه : آه من . . . . . ، لقد عملتُ فيها منذ سنوات طويلة .
- حقاً ! متى ؟!
عدتَ لابتسامتك الجذَّابة وقلت لي : منذ سنوات طويلة ، أظنُّك لم تكوني قد وُلدتِ عندها بعد .
- في أي عام كنت تعمل هناك ؟!
- في العام . . . . .
- رائع ، لقد كان عمري عندها عام واحد فقط .

شعرت بأنّ جسدكَ قد أصبح أقرب من جسدي ، في تلك اللَّحظة شممت رائحة جسدكَ تحمله النسمات لي عندما قلت : تذكرت أين رأيتك ، لا بدَّ أنّ أمَّك كانت تتنـزَّه بك ، عندما قطعتْ الشَّارع من أمام سيَّارتي ، فخاطرتُ بالتَّوقف بشكل مفاجئ لأسمح لها بقطع الشَّارع ، لأنّها تحمل أجمل طفلة رأيتها في حياتي ، وفي تلك اللَّحظة بالذَّات التقت عيناي بعينيك اللتين شكرتاني بصمت وتعهدتا لي بلقاء ، وأظنُّ أنّ هذا هو اللِّقاء .

مددتَ يدك لتصافحني ، كأنَّ اللقاء المنتظر قد تمَّ ،وأنت ترحِّب به ، تأمَّلتُ يدكَ التي امتدت كمارد نحو يدي ، شعرت بأنفاسي تضطرب ، ويداي ترتجفان لأول مرة في حياتي ، أردت أن أضمّكَ ، ولكنني اكتفيت بذوبان كفِّي في يدك ، لم أسمع كلماتك التي قلتها بعد ذلك ، فقد كان قرع قلبي أشدُّ من أن أسمع معه أي صوت ، لم أسمع إلا ذاتي تقول لي بفزع :نعم ، هو . . .
كأنَّ قصتك تلك كانت تعويذة قلبي ، لقد تلوتها دون أن تدري وقع كلماتها السِّحريَّة عليّ ، فقد فُتح لكَ قلبي من دون كلِّ البشر ؛ لأنَّك تحفظ ترنيمته السِّحريَّة .

ابتسمتَ لي بنـزق هو من طبعك ، شعرت بأنفاسك تلفحني ، وداهمتني بسؤالك : أتحبين الأساطير ؟! أجبتك بصعوبة : أنا ؟! آه بالتَّأكيد أحبّها . أنا أحبّ الأساطير ؛ لأنها تنبَّأت دائماً بولادتكَ ، وآمنت بوجودكَ ، لا وجود لرجلٍ مثلك في الحقائق ، أنت هارب من أسطورة ، وأنا وُلدت لكي أحبَّك ، بل أرسلتني آلهة اليونان لكي ألعنكَ بحبـي ، طريقتكَ غريبة تتوافق مع رجلٍ كتبتُ له : " إن كانت ولادتك أسطورة، ولقاؤك خرافة، ودخولي إلى معبدك ارتداد ، فلتشهد الدنيا أنَّني مرتدَّة آثمة " .

آه ما أجمل أن أنسج الأحلام المستحيل والممكن ! لأنسجكَ أنتَ بالذَّات ، مستحيل يتحقَّق وسعادة انتظرتها منذ آلاف السنين حيث قابلتك لأول مرة في حياتي. يقولون إنّ القدر هو من ينسج أحلامنا ويرسم خطانا ، ولكن ألا يمكن أن نشاركه في نسيجه الذي كثيراً ما يكون باهتاً مقيتاً ، فننسج بأحلامنا طاقات من الزَّهر والغار تحوك بشراً لقياهم يسعدنا ، بشراً بقسماتٍ خرافيّة تشبه ملامح تطاردنا في نومنا ، وفي الصَّباح نطاردها ، ونبحث عنها ، ونتمنَّى لقياها ، بشراً أجسادهم بقدر أحلامنا ، كلماتهم همساتهم تفكُّ أسرار صمتنا ، وتدعونا للرَّقص معها بين الشُّموس ، فالأرض مساحة قليلة ، بل سعادة قليلة مع رجلٍ تنسجه أحلامي .

هل حيَّيتني وأنتَ تبتعد ؟ لا أذكر ، ولكنَّني أذكر تماماً أنّ عينيك قالتا لي شيئاً قبل أن تذهبا ، وترسلُ عيناي خلفك آلاف الزَّهرات .


د. سناء شعلان
كاتبة وأستاذة جامعية أردنية
 selenapollo@hotmail.com
مقالات اخرى للكاتب

لا يوجد

القائمة الرئيسة
البحث