الأربعاء, 20 أيلول 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
في "حفنة من أيامنا"/ إيزابيل الليندي تقول كل شيء بصراحة
عبد الجبار ناصر
في "حفنة من أيامنا"/ إيزابيل الليندي تقول كل شيء بصراحة


ما زالت الكاتبة التشيلية إيزابيل الليندي تراسل أمها كل يوم، كما ذكرت في مقابلة مع إحدى الإذاعات الأميركية، وتواصل هذا التقليد منذ سنوات عديدة. وقبل وفاة ابنتها "بولا" سنة 1992، كانت الليندي تتبادل الرسائل بشكل يومي مع كلا المرأتين، أمها وابنتها. تلك الرسائل كانت حجر الزاوية لمذكرات إيزابيل الليندي في روايتها "بولا". أما مذكراتها بعد رحيل "بولا" فقد صاغتها على شكل رسائل تخاطب فيها ابنتها لتروي لها ما حدث في العائلة منذ يوم ذر رمادها في إحدى الغابات قرب منزل الليندي في كاليفورنيا- ماتت بولا وهي في الثامنة والعشرين من عمرها بسبب اضطرابات بيوكيماوية في الدم بعد أن أمضت سنة كاملة غائبة عن الوعي- وعن إدمان ابنة زوجها وموتها وحياة الليندي الجديدة ككاتبة ناجحة تعيش في كاليفورنيا وعن شقيق بولا "نكو" وأولاده الثلاثة وعن الأصدقاء والآقارب وحتى حيوانات المنزل الأيفة، كل ذلك بأسلوب روائي أخّاذ. هذه الرسائل هي ما يحويه كتابها الجديد "حفنة من أيامنا". ويمكن اعتبار الكتاب الجديد تتمة لكتاب "بولا". تعلق الليدي على ذلك قائلة "أنت تحتاج إلى عائلة غير عادية لتصبح كاتبا."
قالت الليندي أيضا وهي تتحدث عن كتابها: "كل الأحداث ما زالت طازجة في ذاكرتي. الجزء العاطفي ليس مرهقا، لأن سنوات كثيرة مرت وتعلمت منها كيف أعيش مع روح ابنتي بطريقة مريحة. ومع أنني اتمنى بقاءها على قيد الحياة، لكنها في قلبي."
إنها جامعة قصص أكثر من كونها كاتبة، وذلك ما تقوله الليندي التي عرفت المنفى منذ سنوات شبابها الأولى بعد مقتل عمها الرئيس التشيلي الأسبق سلفادور الليندي على أثر انقلاب عسكري قاده اوغستو بينوشيه عام 1973. وبعد سنتين من ذلك الانقلاب، تزوجت إيزابيل الليندي لأول مرة وأثمر زواجها عن "بولا" و"نكو" الذين رحلا معها إلى فنزويلا. تزوجت مرة ثانية وكان زوجها محاميا اميركيا له ثلاثة أطفال وابن لزوجته الأولى، وفي عام 1988 غادرت مع زوجها إلى الولايات المتحدة.

يعد كتابها "بولا" (1994) من أروع ما كتب عن الحزن والمصيبة. أما كتابها "منزل الأرواح" (1982) فرواية نالت شهرة واسعة، ورواية "ابنة الحظ" فقد رفعت الليندي الى مستوى الروائيين العالميين. و الليندي في "حفنة من أيامنا" تدعو قراءها لدخول عقلها، قلبها، عائلتها وماضيها. كتاب الليندي الجديد مسل أيضا ومثير للضحك، فهي تتحدث بصراحة تامة عن غرورها وعن قصر قامتها (لا يزيد طولها عن خمسة أقدام) وعن رغبتها الجامحة في أن تكون جزءا لا يتجزأ من حياة الأهل والأصدقاء. وتصف تعلقها بأحفادها الثلاثة ( لا شيء يوازي متعة التسلل إلى منزلهم المجاور عند الفجر وايقاظهم بالقبلات).
وبصراحة تامة أيضا، تتحدث الليندي عن مشاكل زواجها، وما يحدث من اضطراب في المنزل بعد اكتشاف ان ابنة زوجها غارقة في حب امرأة أخرى!
بمهارتها الفائقة وقدرتها على خلط المزاح والنكتة مع الحزن والتصوف، تسرد الليندي تفاصيل حميمة عن خصوصيات العائلة، الخيانات الزوجية والطلاق، الأفراح والأتراح، النجاح والفشل. إنها تعرض على القارئ أفلاما رائعة تجسدها سطورها ووصفها لكل التفاصيل.
الكتاب بأختصار يوميات عائلة، مقالات سياسية، تأملات في الشيخوخة والعالم والماضي والحاضر.
ولكي يأخذ القارئ فكرة عن الكتاب أترجم هنا المقاطع الأولى من الفصل الأول:
"في الأسبوع الثاني من ديسمبر 1992، وبعد أن توقف المطر تماما، ذهبنا كعائلة لذر رمادك يا بولا، متبعين تعليماتك التي تركتيها في رسالة كنت قد كتبتيها قبل سقوطك مريضة بفترة طويلة. ما أن أخبرناهم بوفاتك، حتى جاء زوجك، أرنستو، من نيو جرسي، كما جاء والدك من تشيلي. ودعوك وأنت مغطاة بملاءة بيضاء تنتظرين أخذك إلى المقبرة. ألتقينا بعد ذلك في الكنيسة لنصغي للقداس والنحيب. كان والدك مضطر للعودة إلى تشيلي لكنه انتظر حتى يتحسن الطقس، وبعد يومين، عندما ظهر شعاع من الشمس خجول، انطلقت العائلة بثلاث سيارات متجهة إلى غابة قريبة. كان والدك في المقدمة يقودنا. إنه غير ملم بالمنطقة، لكنه أمضى اليومين الماضيين يبحث عن موقع جيد، موقع كنت أنت ستختارينه. كانت هنالك أمكنة كثيرة، الطبيعة هنا سخية، لكن واحدا منها الذي هو الآن متآلف مع كل شيء يمت لك، قادنا أبوك مباشرة إلى الغابة التي غالبا ما تمشيت فيها لأخفف ألمي عندما كنت مريضة، إنها المكان ذاته الذي أخذني فيه زوجي ويلي في نزهة قصيرة بعد أن التقينا، المكان ذاته الذي كنت تحبذين السير فيه مع أرنستو يدا بيد عندما جئتما لزيارتنا في كاليفورنيا. قاد والدك السيارة داخل المتنزه ثم انعطف نحو طريق صغير، وتوقف هناك، وأشار إلينا أن نتبعه. لقد أختار المكان الذي لو ترك الأمر لما أخترت غيره، لقد كنت أتردد على ذلك المكان لأصلي من أجلك: جدول محاط بالشجر الأحمر الطويل الذي تشكل قمته قبة لكاتدرائية خضراء. كان هناك ضباب خفيف يصنع غشاوة على محيط الواقع، ضوء بالكاد يتوغل بين الأشجار، لكن الأغصان كانت لامعة رطبها الشتاء. ثمة أريج التراب والأزهار الرائعة المنبثقة من الأرض. توقفنا عند حافة بركة سورتها الصخور وجذوع الأشجار المتساقطة. أرنستو، المنهك لكنه الآن بلا دموع، لأنه ذرفها كلها، كان يحمل الجرة التي تحتوي رمادك. لقد احتفظت بقليل منه في صندوق من البورسلين لأبقيه إلى الأبد عند مصلّاي. أخوك، نكو، يحمل اليجاندرو بين ذراعيه، وزوجة أخيك، سيلا، تحمل أندريا الذي ما زال طفلا ملفوفا بشال تضمه إلى ثديها. أنا حملت باقة من الورد قلبتها واحدة واحدة في الماء. بعد ذلك، جميعنا ومن ضمننا اليجاندرو الذي كان في الثالثة، أخذ كل واحد منا قبضة من الرماد من داخل الجرة ونثرها في البركة. بعض الرماد طفا بين الأزهار، لكن معظمه أستقر في القاع مثل رمل أبيض صاف."

عبد الجبار ناصر
كاتب عراقي مقيم في استراليا
jabbaraus@hotmail.com


القائمة الرئيسة
البحث